}

التراث العربي الإسلامي واللوحة العربيّة المعاصرة

ضفة ثالثة ـ خاص 10 أغسطس 2021
تشكيل التراث العربي الإسلامي واللوحة العربيّة المعاصرة
(أحمد شوقي: والمعالي على النيام حرام/ بخط منير الشعراني)

لم يكُن التراث الثقافي العربي الإسلامي، يومًا، مجرّد مادة ميتافيزيقية، أو تاريخيّة، يرنو إليها الفنّان، كلّما ضاقت به سبل العولمة، أو شعر بأنّ هويته العربيّة باتت مُهدّدة من فرط ما يشوب تاريخه من تحريف وتزوير من لدى القوى الكولونياليّة وأجهزتها القمعية وقنواتها الاستشراقية المُتشعّبة داخل الثقافة والاجتماع العربيين. فالتراث الفني، من معمار ومنمنمات وكاليغرافيا وكتابات منقوشة ومسكوكات، ظلّ يُشكّل لدى الفنّان المعاصر خزانًا فكريًا لا ينضب، بل وأحد أبرز الملاذات الجماليّة الآمنة، التي احتمى بها فنانون عرب من أعاصير التأثير الغربي على اللوحة العربيّة المعاصرة، سيما خلال ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، حيث برز التراث بوصفه براديغم يتأرجح بين القومية والهوية داخل ثنايا التشكيل العربي، إذْ لم تعُد العملية الفنيّة التخييلية، ترتبط بمسارب الجسد واستيهاماته، بل أضحت أكثر ارتباطًا بعوامل برانيّة خارجة عن حدود الجسد وسُلطته. لقد اكتسحت مفاهيم التراث والهوية والقومية سطح اللوحة المسندية العربيّة، وراكمت نتاجًا فنيًّا جديدًا، في كل من العراق وسورية والمغرب والجزائر، وغيرها من البلدان الأخرى، التي وإنْ تأثّرت بالفنّ الغربي على مستوى التقنية، إلاّ أنّها بقيت تتنطّع للسفر، صوب مناخات تشكيليّة ورؤى حلمية أكثر التحامًا بالتراث العربي الإسلامي، من خلال استعادة أطيافه وعوالمه ومعالمه داخل اللوحة المسندية. لكنّ المُثير للانتباه في أمر هذه الاستعادة الفنيّة أنّ بعض التجارب العربيّة الرائدة لم تخرج منها إجرائيًا، لأنّ تطويع التراث البصريّ القديم على سطح اللوحة اتخذ عملية آلية، جعلت من التراث ذريعة للركوب على الهوية، بحكم معالجتها الجماليّة الهشّة، وارتباك طريقتها في بناء العمل الفنيّ. لكنّ تجارب أخرى نجحت إلى حد كبير في تخييل هذا التراث العربي الإسلامي وتقديمه وفق قوالب معاصرة ومواد فنيّة محلية تستلهم التراث القديم، لكنّها لا تُخوّل لنفسها إمكانية التعبير عنه، حتى لا تعيش في غيبوبة ماضيه.
في هذا التحقيق الخاصّ، نقف مع كوكبة من الفنانين العرب، عند حدود التقاطع والتلاقي، بين التشكيل والتراث العربي الإسلامي ومدى إسهاماته في صياغة عوالم التجربة التشكيليّة العربيّة المعاصرة:

                                                                                                                                                          (أشرف الحساني)



علي النجار (تشكيلي عراقي):
ربما تعدّينا إشكالية تأثير التراث العربي الإسلامي

علي النجار 


ربما تعدّينا إشكالية تأثير التراث العربي الإسلامي على اللوحة المعاصرة. إن كان الحرف العربي يمثل مفصلًا أساسيًا من مفاصل ثقافتنا وفننا التشكيلي أيضًا (تراث ضخم من المخطوطات والمنمنمات والأفاريز البارزة والغائرة والمذهبة)، فالجزء الثاني يتمثّل في صياغات الرسوم ذات البعد الواحد، على أيدي فنانين مثل العراقيين جواد سليم، وجميل حمودي، وشاكر حسن آل سعيد، وضياء العزاوي، والمغاربة: محمد المليحي، وأحمد الشرقاوي، وغيرهم، مثلما فناني بقية البلدان العربية اختصارًا.
ما عدا الفنانة مديحة عمر، فقد تدرب جواد سليم، وضياء العزاوي، مبكرًا في المتحف العراقي. وكان جواد السباق في التأثر الفاعل بمنمنمات، أو كما تدعى مخطوطات الواسطي، والتي أثرت على غالبية نتاجه الفني، ليذهب ضياء العزاوي في البدء بمذهبه، ثم ليطور أسلوبًا لا يبتعد عن الموروث إلاّ ليدخل باب الحداثة، سواء في مخطوطاته ومعلقاته الأدبية والسياسية، أو في ملوناته المعروفة التي يتعاشق فيها الموروث والحديث. هو، أيضًا، يعيدنا للمليحي، وجيل الستينيات المغربي، الذي حاول جهده جر التشكيل المغربي إلى حداثة القرن العشرين من هذا الباب. وكما شاهدت أعمالهم في بداية السبعينيات الماضية في معرض المؤتمر العربي الأوّل في بغداد.
إن كانت المنمنمة، أو المخطوطة، أو مجمل تفاصيل الفن الإسلامي، ترتبط بوشائجها للزمان والمكان، فيا ترى ما هدف هذه الهبة الحروفية العربية منذ أواسط القرن الماضي؟ التبرير المطروح هو الإتيان بفن يختلف في مصادره، ولا أقول تقنياته غالبًا، عن الفن الغربي الحديث. وأعتقد ان الأمر لم يكن يخلو من التنظيرات الثقافية السياسية القومية في أوج نشاطها. إضافة الى ما استحدثه الفنان المفكر شاكر حسن آل سعيد من مرجعية صوفية، لا تزال نتائجها الفنية ملتبسة من وجهة نظري. فمنذ معرضه تأملات معارج في عام 1966، وتحوله عن الصيغ الواقعية اليومية إلى التجريد العلاماتي السطحي. وحيث الفعل الفني (اللوحة) لديه، كما نظيرتها اللوحة الغربية مصدرًا وتقنية، ما عدا الحروف المدغمة في مساحة العمل، وليست المصممة كوحدات كما في الفن الإسلامي، والتي بقي مفعولها في غالبية أعمال التشكيليين الحروفيين العرب. وأعتقد أن هكذا أعمال، لو جردناها من عناوينها المثبتة، وتفسيرات الفنان ذاته، لفقدت غاية انتسابها للفن الحروفي بالمعنى المتداول. لذلك، كان تحول الفنان لاحقًا للعمل بالأثر المحيطي صائبًا.




بعد كل هذه الأعوام، لا تزال المؤسسة التشكيلية العربية تصدر أفعال هذه الأعمال التشكيلية (الحروفية) للعالم الأوروبي، كما مشروع عرض المتحف الأردني قبل أعوام قليلة. وقد التقيت الصديق مدير المتحف (د. خالد الخريس)، الذي أخبرني عن مشروع المعرض، وكونه لم يجد أفضل من الأعمال الحروفية العربية، كهوية وتمايز عن التشكيل الأوروبي المتشعب.
يبقى السؤال واردًا: هل استنفدت الحروفية فاعليتها التشكيلية، مثلما استنفدت غالبية المدارس التشكيلية الأوروبية الحديثة أغراضها، أم باتت رديفًا لبقية الاشتغالات التي يجب علينا الانتباه إلى أهميتها الزمنية وتفعيلها، بالحماس نفسه الذي تم فيه تفعيل هذه الظاهرة التشكيلية العربية؟ والحديث عن ذلك يطول: مثل، هل كانت الحروفية فنًا طليعيًا، تثقيفيًا، سياسيًا، بيئيًا، نخبويًا؟ وهل بلغ أثرها، كما الأثر (الزمني، الحضاري) للفن الإسلامي التشكيلي بمفاصله المتعددة؟ أو هل توالدت من هذه الموجة التشكيلية العربية مدارس تشكيلية منافسة، أو متجاوزة لها، كما حدث في التشكيل الغربي، أم استنفدت اشتغالاتها؟ وهل الجغرافيا فنيًا باتت فاعلة في زمننا المعاصر هذا؟



دارين أحمد (تشكيليّة سورية):
الديمومة للفنّ

دارين أحمد 


يتلازم سؤال الهوية وسؤال التراث في ثقافتنا العربية كثيرًا، فهوية كل شعب قائمة في ماضيه، ولكن، أيضًا، في حاضره، وفي رؤيته لمستقبله. وعادة تتوهج الهوية في المكان الأكثر إشراقًا وإرضاء للذات الراغبة في التفوق على الآخر. وإذا كان الحاضر، كما هو حاضر الذات العربية معتمًا، فإن الهوية تلتصق بالتراث التصاقًا مضاعفًا يضاعف بدوره من عتم الحاضر والمستقبل، لرفضه رؤيةَ الواقع على ما هو عليه، والماضي على ما كان عليه، ورفضه إعمال النقد والشك والهدم بغية العمل على إيجاد حاضر أفضل يمكن فيه للإنسان المتحرك في اليومي، اليوم/ الآن، أن يرى التراث من دون أن يتماهى فيه ويلبسه. وإذا كان من مكان يمكن أن يحدث فيه هذا، فهو الفن، لأنه مكمن الخلق الجديد، الروح القادرة على الرؤية الكلية، والربط بين الأجزاء بعلاقات جديدة تمكِّن عجلة الحاضر العربي من الدوران من جديد.
ارتبط الفن التشكيلي تاريخيًا بالسطح الثابت، ولذلك فقد كانت اللوحة سهلة التنقل من مكان إلى آخر نقلة نوعية كان لها دور أساسي لاحقًا، مع عوامل ثقافية واجتماعية واقتصادية أخرى، في خلق الفن الحديث الذي نعرفه بمدارسه التشكيلية المتعددة التي ازدهرت في القرن الماضي، وميَّزها التحرر التدريجي من معايير الفن التصويري المثالية وصولًا إلى التجريد، ومن ثم إلى نفي الشكل والمادة الحاضنة له لصالح المفهوم الذهني، كما في بعض اتجاهات الفن المفاهيمي. هنالك خصوصية تتعلق بالتراث الإسلامي من هذه الناحية، فهو قد حرَّم وفق النسخة الرسمية المتداولة له، التشخيصَ، وركَّز على الزخرفة والحرف كحاملين للفن فيه، وهما حقلان يمكنهما الارتباط بالسطح الثابت، أي المعمار، ولكنهما متحركان أيضًا، فالأرابيسك زيَّن المعمار الثابت والأثاث المتحرك، كما زيَّن الخط العربي المعمارَ والمخطوطات. ولذلك لم يكن للوحة الحامل (الفن الحديث بمعنى ما) أي أثر على تطورهما، إذ لم يكن لها مكان في الفن الإسلامي، أو التراثي. ولذلك، أيضًا، بقي هذا الفن الحديث غربيًا يستنهض في النفس العربية البحث عن هوية شرقية له، وهو ما أمكن الحديث عنه عند ظهور المدرسة التجريدية في الغرب، وقيام فنانين عرب بدمج الخط العربي، أو الزخرفة العربية، في بناء اللوحة التجريدية، بغية خلق مدرسة فنية عربية تستلهم التراث وتدمجه في سياق الفن العالمي، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، رغم أهمية وخصوصية ما أنتجه فنانون مثل محمود حماد، ومنير الشعراني، وشاكر حسن آل سعيد، وحسن المسعود، وغيرهم. وبقيت هذه التجارب تجارب فردية لم تخلق مدرسة فنية عالمية مؤثرة في مسيرة الفن التشكيلي الحديث.




اليوم، ومع انفتاح الفن الحديث على كل الصياغات الممكنة، يصبح الحديث عن حضور التراث مسألة ذات وجهين: فمن جهة هنالك وجه تهكمي في هذا الطرح الذي يجمع القيود الملازمة للتراث، والانفتاح الملازم للفن المعاصر، ومن جهة أخرى يستوعبُ انفتاحُ الفنِّ الحديثِ قيودَ التراث، ويخلقُ مكانًا لها، محوِّلًا إياها من قيود وقواعد إلى تشكيل فني. المسألة المهمة هنا هي في العمل على إجلاء وهم دمج الفن العالمي في التراث، أو استخدامه لتعزيز ثبات التراث وديمومته؛ فالديمومة للفنِّ، والتراثُ رافد من روافده. أما العكس فهو غير ممكن.



خليل قويعة (باحث وتشكيلي تونسي):
التراث حساسيّة تذوّقيّة وموقف ثقافي وطريقة في النظر

خليل قويعة  


يمكن أن نتصوّر علاقة الإبداع بالتراث عامّة عند فنانينا على منحيين. فإمّا من خلال وجهة تكون فيها هذه العلاقة علاقة توظيف وتفعيل، فيكون المبدع كائنًا فاعلًا في صميم هذه العلاقة، وإما من خلال علاقة تبعيّة وخضوع، حيث يكون المبدع منفعلًا، فيشهد الفعل الفنّي حالة امتثال تجاه سلطة الموروث الأبوي إذا ما استعملنا التعبيرة التحليل ـ نفسانية.
على أنّه لن يتسنّى للتوجه التفعيلي أن يتحقق من دون تمثل أشكال التراث داخليًا، وهضمه في ثنايا الأنا الذاتية للفنان.. وهو أن يصبح الهمّ التراثي منطلقًا لإثارة هاجس حداثي متوثب، وحالة من حالات الذات التي تهيم داخل المنظومات الرّمزية الموروثة، وتعيد إنتاجها بصفة استيهاميّة (Production fantasmatique) قبل إنشائها فنيًا وجماليًا. فأنْ نوظف التراث (التراث الرّمزي والأدواتي المتشكل في الصناعات الحِرفيّة...) هو أن نعمل على تفعيله من جديد، ونواصل سيلان المخيال الجماعي. بهذا الشكل، يمكن لعلاقة الإبداع بالتراث أن تكون علاقة كون وصيرورة واستحالة دائمة (Etre et devenir) من طور إلى آخر، تطرح مسألة الوجود والكائن، اليوم.
إنّ التراث بوصفه مادّة جماعيّة وسوسيو- ثقافيّة يصبح أثناء العمليّة الإبداعيّة أحد مقوّمات الحقل الذاتي المتفرّد للفنّان. فكيف له أن يكون محلّ تفاعل الطرف الآخر، المشاهد المتلقي، وقد تحوّل هذا التراث إلى فعل إبداعي جديد؟
إنّ علاقة الإبداع بالتراث هي محور هام في رصد ملامح المشهد التشكيلي لدى الفنّانين العرب بصفة عامّة. وما نهتمّ به في مثل هذه التأمّلات هو البحث في شروط النقلة الممكنة من تصوّر التراث، كنوع من "الفولكـ - لور"، حسب التعبيرة الألمانيّة، أو "فن الشعب" الذي يقع تكراره في شكل تقليد متوارث... إلى تصوّر يتناول التراث بوصفه مادّة طريّة وطيّعة تنفتح على لا نهائيّة من الإمكانات الإبداعيّة، تصور يؤسس للتراث مكانًا هامًّا في الحداثة وللحداثة، مكانة هامّة في الوعي بالتراث. ويتعلّق الأمر هنا بنقلة تحويل مزدوجة للتراث، ولعلاقة الإبداع به من كونه قوّة جاذبة إلى كونه قوّة دافعة، ولعلاقة الإبداع به من كونها علاقة تَبنٍّ إلى كونها علاقة بناء مستمر.
وعديدة هي التجارب التي تعاملت مع المادة التشكيلية التراثيّة تعاملًا إبداعيًّا. يكفي أن نذكر على سبيل المثال أن الفنان نجيب بالخوجة قد تمثل معماريّة المدينة العربيّة الإسلاميّة في تونس، ثمّ أعاد إنتاجها في رؤية ذاتيّة... وتمثّل هذه التجربة درسًا مهمًّا في تصوّر علاقة الإبداع بالتراث. وكان يمكن للعديد من الرسّامين الشباب أن يستفيدوا من هذا الدّرس الفنّي في تعاملهم مع المدينة العربيّة في تونس عوض أن يظلّوا أسيرين لمشاهد "سيدي بوسعيد"، و"سيدي الصّحبي" في القيروان و"باب سويقة" و"الحلفاوين" و"باب الديوان" في صفاقس والميناء القديم في بنزرت و"السّقيفة الكحلة" بالمهدية... يعيدون رسمها عشرات المرّات من دون إضافة، أو يقحمونها في لوحاتهم إقحامًا مفتعلًا، وذلك تلبية لحاجيات السوق التي اختلط فيها الفنّي بالسياحي!
في أعمال بالخوجة اغتسلت المدينة العربيّة الإسلاميّة بالرؤية الذاتية للمبدع، وتخلّصت من محمولاتها التاريخيّة ولواحقها الجمعيّة، بعد أن تمثلتها الذات المبدعة واستهلكتها لحسابها الخاص، وأصبحت طريقًا لمعايشة راهن الفن، والإسهام في نبضه الخلاّق. لكنّ المدينة في هذه التجربة لم تعد شيئًا نسكنه، بل أصبحت هاجسًا إبداعيًّا يسكن الفنّان، وقد تمثلها داخليًا... فكيف للمدينة أن تعود إلى الجمهور وقد سبق أن قطعت معه في لحظة الإبداع وخرجت من المجال الجمعي إلى مجال فردي؟
وأن يشارك المتلقّي في صياغة الفعل الجمالي للعمل الفنّي هو أن ينطلق في تعامله مع الأثر من اللحظة التي انتهى إليها الفنّان، ويواصل مسار الإبداع، لا أن يتسلّح بتراكمات الذاكرة المرجعيّة (أو ما يعرفه عن أشكال المدينة)، ويسلّطها على اللوحة بصفة آلية، فيجعلها مقياسًا تناسبيًّا في تعامله مع الأثر الفنّي...




إن علاقة الإبداع بالتراث لا تخصّ الفنّان فقط، ولا تتعلّق بصناعة فنيّة بعينها، مثل فنّ الخطّ العربي، أو فنّ الرّقش، أو فنّ المعمار، حتّى نقتصر على الأمثلة التي قدّمها ألكسندر بابادو بولو، في دراسته للفنّ الإسلامي، مثلًا، بل هي تشمل مجال التذوّق الفنّي بصفة عامّة، إذ التراث، في عزّ تجلّياته، إنّما هو حساسيّة تذوّقيّة وموقف ثقافي وطريقة في النّظر. ويتطلّب الأمر أيضًا، تطويرًا في بنية الذائقة واستراتيجيّة التلقّي الفنّي حتى يقع إخصاب الباكورة الإبداعيّة، وحتّى يخوض العمل الفنّي دوره الثقافي والتاريخي. وبفعل التلقّي المبدع والخصب يتأكّد وجود الجمهور كطرف معادلة جدليّة ما بين الفنّان والعالم. أمّا بفقدانه فستشلّ الفاعليّة الثقافيّة والتاريخية للإبداع، وربما تنعدم أيضًا.
ولا ريب في أن عديد الصعوبات التي تحيط بثقافة الفنون التشكيليّة في الوطن العربي ناجمة عن هذا المأزق، وهو أن تصوّر الفنّان لعلاقته بالتراث في واد، وتصوّر الجمهور لهذا التراث، ولما يمكن أن يكون إبداعيًا، في واد آخر. فالتصوّر الأوّل من طبيعة تأسيسيّة يتجه إلى تفعيل المادة التراثيّة تفعيلًا متجدّدًا يمتدّ إلى آفاق المستقبل، بينما يبقى التصوّر الثاني نوستالجيًا وماضويًا ارتداديًّا يراهن على ما هو جاهز في معطيات الذاكرة، ليفسر بها كل ما يعترضه من ظواهر إبداعيّة، فيشدّها إلى سكونيّة الماضي السّعيد، ويحكم على الفنّ بعدم التطوّر، وبعدم المساهمة في تحوّلات الثقافة!
ومن شأن المعرفة الجماليّة والنّقديّة أن تساعد الجمهور على التعامل مع الأعمال الفنية بوصفها كيانات مستقلّة ومتسيّدة (autonomes) ولذاتها قبل كل شيء، عوض أن يقع التعامل معها بوصفها انعكاسات آلية وساذجة لما هو جاهز في معطيات الذاكرة المشهديّة، أو الرمزيّة.



سنان حسين (تشكيلي عراقي):
التعامل مع التراث بمفهوم معاصر

سنان حسين 


الإرث، أو التراث العربي الإسلامي، وعلاقته بماهيه اللوحة المعاصرة، حيث يجب أنْ يندرج بمنحى شمولي، بما يسند له من حيثيات، أو دلالات، تؤخذ به، ابتداء من القرآن والمخطوطات والزخرفة والمنمنمات والخط العربي، وصولًا إلى العمارة، أو الهندسة الإسلامية، هذا كلّه يندرج داخل التعامل مع التراث بمفهوم معاصر، وهو في حد ذاته مفتاح معرفي ومادي حقيقي، حيث لا يتصور الاستناد، أو الدخول داخل ميادين التراث الإسلامي، من دون امتلاك سابق معرفة بنصوص مفاهيم وقيم التراث، وعلاقته بأنواع الوظائف الكامنة خلفها، والمراد من تشغيل التراث عند التعامل معها، عن طريق البحث والاسترجاع وتطويعه، ومن كنوز هذا التراث الخط العربي، لأنّه ابتدأ به مفاهيم التراث الإسلامي وتدوينه، حيث استخدم الفنّان المعاصر من هذه الموتيفات، واستطاع أنْ يُطوّع الخط بمسار تجريبي داخل حيز اللوحة، كما في أعمال الفنان الليبي، علي عمر أرميص، حيث يعتبر الحرف العربي كأساس للوحاته الفنيّة. وكما قال الفنان علي عمر: لولا اللغة لما انتقلت المعرفة. فاللغة تندرج بمفهوم التراث، حتى وإنْ كانت قبل بداية تدوين القرآن بمفهوم إسلامي، حيث استطاع أنْ ينجز الحرف بصيغة معاصرة من خلال دمج الحرف بمفهوم تأكيد السمة الرمزية، واستذكار دلالاته بقيم جمالية مغايرة، لما كان عليه. وعندما نشاهد لوحه (اقرأ) كما هي مدونة في القرآن، ولكن يطرحها الفنان بسمه الهيمنة العفوية المسيطرة على كتلة اللوحة، كذلك الفنّان إبراهيم الصلاحي، استخدم الخط العربي، وعناصر أخرى من الثقافة الإسلامية، والتي لعبت دورًا في حياته اليومية.




في محاولة للتواصل مع تراثه، بدأ الصلاحي في ملء عمله برموز وعلامات النقوش العربية والإسلامية الصغيرة. عندما أصبح أكثر تقدمًا في دمج الخط العربي في عمله المعاصر، بدأت الرموز في إنتاج أشكال الحيوانات والبشر والنباتات التي استنبطت من مفاهيم الثقافة، أو التراث الإسلامية، مما يوفر معنى جديدًا لأعماله الفنيّة. ونجد عمله (الهلال) دلالة رمزية باستذكار دلالاتها في الحضارة الإسلامية، ارتبطت بمعان روحية سامية خاصة. وهنا أشير، أيضًا، إلى الفنّان ضياء العزاوي، لما يحمل فكره من مفاهيم ذات علاقة بالموروث الإسلامي، ابتداء من استدراج الخط والزخرفة النباتية، وكذلك تحويل بعض المخطوطات لدلالات معاصرة، فكان توسيع حسّه في حقل الأشكال الممكنة، التي يمكنه أن يعمل عليها، وفتح عينيه على الإمكانات التعبيرية في الثقافة الإسلامية. في لوحاته الأولى، استمد العزاوي مواضيعه من الأشكال البصرية، التي كان يراها في الحياة اليومية، ومن الأضرحة بصفتها مراكز للأنشطة الإنسانية، ومن استشهاد الإمام الحسين. ومع أن نقوش السجاد والطلاسم التي انتشرت بمرور الثقافة الإسلامية استمرت بالظهور لسنوات عديدة في أعماله، فإن ولعه المبكر بالأساطير هو الذي طبع أعماله اللاحقة عبر توجيه ممارسته الفنية للارتباط بالنص على نحو متزايد. كذلك نشاهد العمارة حاضرة بقوّة في أعماله، كما في لوحه (نساء داخل ضريح)، حيث العمارة الهندسية والنباتات تأخذنا في اتجاه الموروث الإسلامي.



نجاة الذهبي (تشكيليّة تونسية):
استرجاع خصائص الموروث الإسلامي الفكري والفني

نجاة الذهبي 


يتسلح العديد من الفنانين التشكيليّين التونسيين اليوم بجهاز نظري وتصويري ضخم يندرج ضمن استرجاع خصائص الموروث الإسلامي الفكري والفني. وتتكون تجاربهم من موارد فكريّة وأسطوريّة، ومن منجزات ماضيهم الحضاريّة والتاريخيّة التي كانت تبرز معالمها داخل فنّ "الكتاب" الإسلاميّ، وفن العمارة، والنسيج، والمنمنمات، والنقوش. تطالعنا تجارب وممارسات تونسيّة معاصرة استوحت خطوطها العريضة من المؤلفات والمخطوطات الإسلاميّة القديمة، أبرزها فنّ الخطّ العربي، وفن المنمنمة الإسلاميّة، وفنّ الأرابيسك، والتزويق، والزخرفة الهندسيّة. ويستعيد بعض الفنانين تكوينات وصور فنّ المنمنمة الإسلاميّة عبر استحضار أساليب الرسم القديمة، واستعمال الخلفيّات المزخرفة، واستحضار طرق تصوير المنظور والشخوص الأسطوريّة، مثل ما أنجزه كلّ من قويدر التريكي، وسليمان الكامل، وعايشة الفيلالي. وأنجزت هذه الأخيرة معرضًا كاملًا بالاعتماد على استعادة منمنمات إسلاميّة فارسيّة تحت عنوان "Ana-chroniques" (2015). تبالغ الفنّانة في السخرية من الواقع التونسيّ عبر تركيب مشاهد وصور من الحياة اليوميّة تناقض جماليّة المنمنمات الأصليّة، وتسلبها جلالتها التاريخيّة. تستعين في تكوين صورها بعناصر فوتوغرافية تؤدي معاني الابتذال والتحقير، كتراكم الفضلات والقطط والكلاب والأحذية. تمعن في تحويل الصورة الشاعريّة إلى أخرى عنيفة ومبتذلة عبر تضاد صارخ بين الماضي والحاضر.
يحاور البعض الآخر العمارة الإسلاميّة بإنجاز آثار فنيّة معاصرة تستلهم من أشكال الهندسة المتوغّلة في المفهوم الروحانيّ الصوفيّ، مثل أسلوب التقاطع والتكرار والاستقامة والفراغ، وإضافة الأجزاء الهندسية والزخرفة بالموتيفات البنائية في أعمال فنانين، مثل أسامة الطرودي، وسمير التريكي، وعدنان حاج ساسي، ومنى الجمل سيالة. قدّمت هذه الأخيرة عام 2018 تنصيبة بعنوان "المربَّعْ"، وهي تركيبة مصنوعة من الخيوط في فناء القصر الأندلسي "دار حدّاد" الموجود في المدينة العتيقة في تونس العاصمة، والذي يعود تاريخ بنائه إلى القرن السادس عشر. تنسج الفنّانة شبكة عنكبوتيّة متكوّنة من مربّعات كثيفة ودوّارة تحاكي زخارف الفن العربي الأندلسي الإسلامي. تتكِلُ منى على تاريخ العمارة الإسلاميّة، ودلالات التقسيمات الهندسيّة المحكومة بسلطة تَرَى ولا تُرى، لتقول لنا إنّ هنالك دائمًا ما هو غير مكشوف للعيان. تستعيد حكاية الغار النبويّ وفكرة "الأسرار المدفونة" وراء الجدران العالية ووسط البيوت القديمة لتحتفي بمفهوم "المستتر" والخفيّ.




خلال السنوات القليلة الماضية، لمعت العديد من الأسماء التونسيّة في مجال الحروفيّة، مثل كريم جبّاري Kim، ومجموعة ST4، ولكن أهمّها فوزي الخليفي، الملقّب بـ"السيد" ELSEED، والذي قدّم مجموعة كبيرة من الجداريات والتنصيبات المستوحاة من فنّ الخطّ العربي، والتي حوّلت وجهة فنّ الشارع والغرافيتي في العالم ككل. يترك الفنّان في الأمكنة التي يزورها رسائل مقتطفة من القرآن والأحاديث والقصص القديمة والشعر الحديث ومن أخبار الثورات والمجتمعات الحاضرة. يؤكّد "السّيد" أنّ أعماله هي رسائل تخاطب وجدان المجتمع وانتماءاته، لذلك يحافظ على جذوره التي تعود به إلى جنوب البلاد التونسيّة، أين يزدهر فنّ الخطّ والحفر والنقش. يستعين فنانو الحروفيّة والخطّ بقدرة الحروف والكلمات العربيّة على استدعاء تاريخ الاسلام المكتوب، وكلّ خطابات الدّين العقائديّة الأولى. يستبدلون الصورة الحديثة المشوّهة عن الإسلام والمسلمين بأخرى متأصّلة في خطاب القرآن المسالم والنقيّ، أو ما يسمّيه هيغل بالتعبير عن الإلهيّ "عن أرفع حاجات الرّوح وأسمى مطالبها" (هيغل في "مدخل الى علم الجمال").
يحضر الخط العربي في تجارب تونسيّة عديدة، مثل رسومات عبدالوهاب الشارني، ومخطوطات محمد أمين حمودة، ومنحوتات سمير بن قويعة، وخزفيات خالد بن سليمان. يستخدم بن سليمان من جهته حروفًا وكلمات محدّدة لتكون في واجهة خزفيّاته ورسوماته، مثل كلمة "هو"، و"يا لطيف"، و"اللّه". يؤكّد الفنّان أنّ الكلمات التي يختارها لا ترتبط بالتسليم غير المشروط بفكر العقيدة الإسلامية، على العكس تمامًا، إنّه المجال لطرح تساؤلات حول كل "مُسَلَّمٍ به"، مثل الغيبيّ والدينيّ والعقائديّ وكلّ متوار وخفيّ. يستدعي الفنّان كلّ الأشكال الصوفيّة الممكنة، مثل السهام والخطوط اللولبيّة والنقاط المسترسلة واللطخات الشفافة، لينكر بعد ذلك انتماء أثره الفنيّ إلى منطق "التوحيد" كاسرًا نمطيّة الوحدة عبر حذف ألف ولام التعريف. يشكّل الفنّان محامل طينيّة مختلفة لكلماته لتتراوح بين أوان، وأطباق، وألواح، وحجارة، وأشكال أسطوانية، أو دائرّية، أو هرميّة. يعترف بن سليمان بسلطة المكتوب تاريخيًّا، ويقرّ بأنّ الكلمات المستقلّة وغير المنتهية هي وحدها القادرة على السموّ بأرواحنا إلى عوالم غير مرئيّة.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.