وقد جاء في البيان الذي أطلقته الجائزة: "إن تتويج الشّعريّة الفلسطينيّة بجائزة الأركانة العالميّة للشّعر هو احتفاء شِعريّ بمنجزها الكتابيّ الموسوم بتعدُّد الأصوات واختلافِ التجارب، وبحرصها الدّؤوب على توسيع أحياز الشّعريّ، واحتفاء، تبعًا لذلك، بأُفق هذه الشّعريّة الكتابيّ، المُشرع على أمداء تتحقّق فيها اللغة بوعي لا يَتنازل عن نسبه الشّعريّ وهو يواصل انخراطه الفعّال في الأسئلة الكونيّة التي تشغل تحقّق القصيدة النّصّيّ وتبني ماهيّةَ هذا التّحقّق.
"بهذا النّسب المنفتح والمتجدّد، أرست الشِّعريّة الفلسطينيّة قيمتها المتحصّلة، في الأساس الأوّل، من اشتغال اللغة في منجزها الكتابيّ، ومن نبرات تخلُّق المعنى الشّعري استنادًا إلى هذا الاشتغال المُضمر لتفاعله مع تجارب ومَرجعيّات شِعريّة عالميّة.
"إنّ تتويج الشّعريّة الفلسطينيّة، اعتمادًا على أربع تجارب، وجهٌ من وجوه الصّداقة الشّعريّة التي وسمت دومًا علاقة المغرب الثقافي بهذه الشّعريّة. صداقة احتكمت إلى تقدير بُعد هذه الشّعريّة الكوني، وتقدير اختلافها المكين داخل هذا البعد نفسه. بجذور هذه الصّداقةِ الشِّعريّةِ ذاتِها، تَستَضيفُ جائزة الأركانة العالميّة للشِّعر أربع تجارب شعريّة فلسطينيّة، احتفاءً باختلاف نبراتها الكتابيّة الحامي لوعيٍ حيويّ بتعدُّد الشِّعريّ، ضمن حُلم مركَّب تتفرّد به هذه الشّعريةُ على الصّعيد الكونيّ، من دون أن يأخذ تحقّقه النّصّيّ منحى واحدًا، إذ فيه تتقاطع هذه التّجارب من داخل الاختلاف، بما هو جُزء من اللانهائيّ الذي إليه ينتسب الشّعر. إنّه حلم يُصاغ، بناءً على مِيسَمِه المُركَّب، مِن أجل الشّعر ومِن أجل حياة أخرى في الآن ذاته.
"لا يتنازل الحلم المركَّب، في الشّعريّة الفلسطينيّة التي إليها آلَت جائزة الأركانة العالميّة في دورتها 18 بعد تتويج الشّاعر محمود درويش في دورَة سابقة، عن أُفُقه الشّعريّ، وعن نُزوعٍ معرفيٍّ إلى تَوسيعِ هذا الأفُق الذي هو أساس صفة "المركّب" في الحلم الفلسطينيّ.
"بوعي كتابيّ مكين، يستغور هذا الحلم اليوميّ ويمكّنه مِن ظهور شعريّ مَطبوع بتفرُّده، ويشقّ، عبر هذا الاستغوار، دروبًا للمعنى تتكشّف معالمها من تَوغّل كتابيّ هادئ، يغوص في الذّاكرة السحيقة، ذاكرة الأشياء والتّفاصيل الصّغرى، اعتمادًا على عناصر نصّيّة مضمرة لوعيٍ شعريٍّ يتحقَّق منصتًا لجرح مفتوح.
"إنّ كتابة الشّعر من داخل شُسوع الجرح جعل الفعل الكتابيّ في الشّعريّة الفلسطينيّة مهمّة شاقّة، فيها تختبر الكتابة ماهيّتَها وهي تتحقّق وفق ما يؤمِّن نسبها، أساسًا، إلى الشّعريّ، ولكن عبر استغوار الجرح الذي تمنحه القصيدة ظهورًا شعريًّا. بهذا الظّهور لا بسواه تكتسي القصيدة قيمتها. إنَّ الشّعريّة الفلسطينيّة، من هذه الزّاوية، كتابة من داخل منطقة حدوديّة دقيقة. في أهوالها الحدوديّة، ارتقى منجز هذه الشّعريّة بالكتابة عن الجرح إلى أُفق شعريّ متحقّق بنبرة هادئة لا تفرّط في إيقاعِ الذات الكاتبة، ولا في الصَّمت الذي يحمي القصيدة شعريًّا، ويؤمّن انفصالها عن كل ما يمكن أن يبعِدها عن الشّعريّ.
"بالانحياز إلى الصّيغ التي بها ظهر الحلم المركَّب في الفعل الكتابيّ، وبالتّقدير العالي لشعرية الجرح، بما هي منطقة موسّعة لأحياز الشّعريّ، تتوّج جائزة الأركانة العالَميّة الشّعريّة الفلسطينيّة، انطلاقًا من أربع تجارب شعريّة: تجربة الشاعر غسّان زقطان، والشاعر يوسف عبد العزيز، والشاعر طاهر رياض والشاعر زهير أبو شايب".
نعم، لقد علّمنا المنجز الثقافي الفلسطيني، وخاصة الشعري، كيف يمكن أن تكون الكتابة تحليقًا في الجرح إلى آخره، وكيف يمكن للشعر أن يحمي أرواحنا من العفن وسماءنا من التحنيط، ولا أعتقد أن شعرًا عربيًّا استطاع أن يصبح وشمًا على قلوبنا مثل الشعر الفلسطيني. وليس جديدًا على الجائزة المرموقة هذه فوز الشعر الفلسطيني فيها، إذ فاز بها الشاعر محمود درويش عام 2008.
الشاعر غسان زقطان من أبرز من كتب الشعر الفلسطيني، ومن أعماله "بطولة الأشياء" و"سيرة الفحم" و"غرباء بمعاطف خفيفة". وأما يوسف عبد العزيز، فله تُنسب اللغة القوية، وقد أصدر سبع مجموعات شعرية منها "نشيد الحجر" و"دفاتر الغيم" و"حيفا تطير إلى الشقيف"، في حين أن زهير أبو شايب الذي لعب على عمق الصورة الشعرية له ست مجموعات شعرية منها "دفتر الأحوال" و"المقامات" و"ظل الليل" و"سيرة العشب"، أما الشاعر طاهر رياض، وهو أصغرهم عمرًا، فله طعمه الخاص في الشعر بما يتناسب مع الحداثة الشعرية، ولعل أجمل أعماله مجموعته الشعرية الأخيرة "الكأس الحرام".


تحميل المقال التالي...