}

في رحيل مالك المطلبي: الحفر في باطن النص

علي لفتة سعيد 11 أبريل 2026
أجندة في رحيل مالك المطلبي: الحفر في باطن النص
ولد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح

ربّما يكون مالك المطلبي الناقد العراقيّ الوحيد الذي أُطلقت عليه صفاتٌ عديدة. فهو "فيلسوف النقد العراقيّ وصوته الأكاديميّ"، و"مجدّد النقديّة الإبداعيّة"، و"ملهم الأجيال النقديّة"، و"سادن اللغة النقديّة"... "إذا تحدّث أصغى له الجميع، وإذا كتب قرأوه بشغفٍ للبحث عن الجديد والمعرفة. له كاريزما محبوبة وله صوتٌ يجذب الأسماع".
مالك يوسف المطلبي، البروفيسور متعدّد المواهب، ابن الجنوب وتحديدًا محافظة ميسان، رحل عن عمرٍ ناهز الخامسة والثمانين، وهو المولود في عام 1941 في ناحية المشرح، التي قدِم منها أبوه إلى بغداد لينطلق منها بمعيّة عائلةٍ علميّةٍ وأدبيّةٍ عريقةٍ تضمّ الكثير من الشعراء والنقّاد والمترجمين والقصّاصين. والده الشاعر والفقيه اللغوي يوسف المطلبي، ومن ضمن أدباء العائلة الأديب الراحل الناقد والشاعر الدكتور عبد الجبار المطلبي، والقاصّ والشاعر الراحل محمد حسين المطلبي المعروف بمحمد شمسي، والروائي عبد الرزاق المطلبي، والقاصّ الدكتور غالب المطلبي، والشاعرة والمترجمة خلود المطلبي، والفنّان التشكيلي الدكتور عمر المطلبي. هذه البيئة هيّأت له أن يكون الأبرز والأجود والأوسع إنتاجًا وتنوّعًا وحضورًا، ليتوّج رحلته بين طلبته في كلية الفنون الجميلة، جامعة بغداد، ثم بعد تقاعده واصل التدريس في الكليّات الأهليّة.
ألّف وأصدر في النقد: الزمن واللغة، السيّاب ونازك والبياتي: دراسة لغويّة، شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك (وهو تحقيقٌ مشترك)، الثوب الجسد (تحليل لشعر السيّاب)، وهم الحدس في النظرية الشعرية، مرآة السرد: دراسة في أدب محمد خضير القصصي (مشترك).
له مجاميع شعريّة منها: سواحل الليل بغداد، الذي يأتي بعد الموت، جمادات متوعّكة، جبال الثلاثاء. وله كتاباتٌ أخرى منها: ذاكرة الكتابة، حفريّات في الوعي اللامُهمل.
والمطلبي كتب العديد من السيناريوهات التلفزيونيّة، منها وأهمّها سيناريو أبو تمّام، وسيناريو المتنبّي. له أبحاث في النحو واللغة، منها: نظام الرتبة في نظرية النحو العربي، المخزومي وتحديث الفكر النحوي، أثر الترجمة في التركيب اللغوي العربي في ضوء نظرية الاقتراض، ظاهرة الممنوع من الصرف في العربية (مشترك)، استجابة اللغة العربية للتحدّيات المعاصرة، مفهوم الزمن اللغوي كما ورد في مخطوطة المستشرق بول كراوس.
ونعى الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق رحيلَ المطلبيّ، الذي قال عنه إنه حاصلٌ على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من كلية الآداب بجامعة بغداد، ونال شهادة الماجستير من جامعة القاهرة، ثمّ الدكتوراه من جامعة بغداد. عمل في مجال التدريس بالمرحلة الثانوية، وتولّى منصب مدير دار ثقافة الأطفال. وذكر الاتحاد أنه منذ عام 1970 انخرط المطلبي في العمل الثقافيّ والصحافة الأدبية، كما كتب في مجالَي الدراما الإذاعية والتلفزيونية، مساهمًا في إثراء المشهد الثقافيّ العراقي. ولفت إلى أن الراحل "يعدّ من أبرز القامات الثقافيّة في العراق، إذ أسهم عبر الشعر والنقد والبحث والدرس الأكاديميّ في ترسيخ حضوره في المشهد الثقافيّ، تاركًا إرثًا أدبيًّا وفكريًّا مهمًّا". ذاكرًا أنّ الاتحاد "طبع آخر نتاجٍ له حمل عنوان (رباعيّة المشروع البصريّاتي) الذي تناول فيه تجربة السارد محمد خضير في أربعة أجزاء، ليغدو مرجعًا نقديًّا بارزًا للأجيال اللاحقة".



وقال القاصّ والروائي العراقيّ محمد خضير عن علاقته بالراحل، وعن آخر اللقاءات بينهما عبر الهاتف، إنه وجده "متوتّرًا كحبلٍ ممدودٍ عبر هوّةٍ من التوقّعات الداهمة". وأضاف أنّ حفره في أسس النصوص كان أعمقَ مدىً تصله يد ناقدٍ. وبيّن أن النقد "يقطع صلته بمصدره، وبالمثل غدا تلقّي الخطاب فراغًا مديدًا، واسعًا كهوّةٍ حقيقيّةٍ من هوى واقعنا اليوميّ المظلمة". وزاد بالقول إن "القراءة تفقد وليدَها، إذ تتلقّاه بلهفة. علامة (السلحفاة) التي أتفاخر عادةً بحراستها نصوصي، تغطس وتسبِت في المياه العميقة". وعبّر عن شعوره بإعادة إصدار نتاجه، وخاصّة كتابه "مرآة السَّرد"، "باعتباره مكافأةَ المؤسَّسة للناقد المطلبي، واعترافها بريادته للنقد البنيوي الجديد في العراق". ووصف الرحيل بأنّه وضع الجميع "إزاء لحظةٍ مفجعةٍ، وترقّبٍ حزين، غاب في طيّاتهما وجهٌ من وجوه الطليعة النقديّة، ولولا إطلالته على مشهدنا الأدبيّ، بين حينٍ وآخر، لكان وجودنا ناقصًا وناقعًا في وحل التخلّف والتبعيّة الأدبيّة".
ويقول عنه أمينُ عامّ اتحاد الأدباء والكتّاب في العراق، الشاعر عمر السراي، إنّ الراحل "مثّل أيقونةً عراقيّةً من الصعب تكرارها، ليس لعلمه وثقافته ومقدرته فحسب، إنما أيضًا لخصوصيّةٍ بارزةٍ تكمن في القدرة الهائلة للمطلبي على تقديم المحتوى الثقافي بصورةٍ دقيقةٍ ورصينةٍ وثاقبةٍ وسلسة". وأضاف أنّه "معلّم لغةٍ كبير، ومنبعٌ من منابع المعرفة القادرة على الإيصال، لذلك نجد نتاجه الهائل في برامج اللغة المتلفزة التي صنعت لدى الأجيال أساسًا صلبًا". وأشار إلى أنّ الراحل كان "من أوائل من فتحوا بوّابات المناهج النصيّة الحديثة المتمثّلة بالبنيويّة على مستوى النقد الأكاديميّ، ومن المكرّسين لوجودها داخل المتن الأدبيّ والأكاديميّ العراقيّ". ولفت إلى أنّه "استطاع عن طريق مؤلّفاته أن يجترح أسلوبًا خاصًّا به، يحفر في باطن النصّ لتحليل ظاهرة، ويصنع نصًّا موازيًا للنصّ المقروء نقديًّا، ولا يفوتنا ذكر كتابته الحصيفة في الموروث والحفر في تفاصيله وسردها بطريقةٍ مؤثّرة". وأفاد أن الراحل من "أكثر الشخصيّات تأثيرًا على المنصّة، بامتلاكها القدرة على تقديم المعرفة بقالبٍ من المتعة، هو الفيلسوف الأرضي الذي لم يؤمن يومًا بأن يكون ذا خطابٍ متعالٍ أبدًا، إلّا بمقدار ما تحتاجه الكتابة العميقة".
فيما قال الناقد رياض عبد الواحد إنّ الراحل كان "صوتَ العقل والضمير الأدبي، ومنارةً للوعي الثقافي، ومعينًا لا ينضب للكتّاب والشعراء على حدٍّ سواء". وأضاف أنّه "حمل على كتفيه ثقافةَ أمّة، ونثر بين السطور حكمةً ورؤيةً نقديّةً صافية، أضاءت طريق القرّاء والمبدعين نحو فهمٍ أعمق للنصّ، ورؤىً أرحب للفكر". وأشار إلى أنه "لم يكن مجرّد ناقد، بل كان رفيع الطراز في الالتزام بالقيم الفكريّة والأدبيّة، قارئًا ثاقبَ البصيرة لكلّ ما يلمس الروح العراقيّة من ضياءٍ أو شجن". عادًّا رحيله "خسارةً للحركة الثقافيّة صوتًا رصينًا، وحضورًا استثنائيًّا، لكن إرثه النقديّ سيظلّ خالدًا، منارةً للأجيال القادمة، شاهدًا على عقلٍ مستنير وروحٍ صافية تتعالى فوق كلّ زوال". معتبرًا ذكراه "ستظلّ حاضرةً في كل كتابٍ ومقالٍ ونقد، كلّما احتاج العقل إلى صدى الحكمة ورهافة البصيرة".
أمّا الناقد عبد علي حسن فقد عدّ الراحل أنّه "واحدٌ من الأسماء النقدية العراقية التي اشتغلت بهدوءٍ وعمقٍ على أسئلة الأدب العربيّ الحديث، ولا سيما في مجالَي الشعر والسرد، ضمن أفقٍ يجمع بين الحسّ التطبيقي والرؤية المفهومية". وأضاف أنّه "يمكن توصيف الجهد النقدي للمطلبي بأنه جهدٌ وسيطٌ بين التنظير والتطبيق، إذ لم ينشغل ببناء نسقٍ نظريّ مغلق، بقدر ما سعى إلى اختبار المفاهيم داخل النصوص". ومضى بقوله إن كتاباته "جاءت أقرب إلى قراءةٍ نصيّةٍ واعية، تتّكئ على المناهج الحديثة دون أن تستنسخها حرفيًّا". وبيّن أنّ الراحل "أولى عنايةً خاصّةً بالشعر العربيّ الحديث، وبخاصّة قصيدة التفعيلة، حيث نظر إلى التحوّلات الشعرية بوصفها تحوّلاتٍ في الرؤية إلى العالم، لا مجرّد تغييراتٍ شكلية". وذكر أن الراحل من "أوائل النقّاد في المشرق العربيّ الذين تبنّوا المنهج البنيويّ، عبر تأثّره بالبنيوية في تحليل البنية النصية، والأسلوبية في تتبّع الانزياح اللغوي، والتأويل في استنطاق المعنى العميق". مستدركًا أنه "لم يكن بنيويًّا صارمًا، بل كان يميل إلى انتقاء ما يخدم النصّ، وهو ما يجعله أقرب إلى المنهج الانتقائي الواعي". أما عن النزعة التطبيقية في نقد الراحل، فقال حسن إنّها تمثّلت "في التركيز على النصوص العراقية المعاصرة وقراءة الأعمال ضمن سياقها الثقافي والابتعاد عن الأحكام الانطباعية المباشرة، كما سعى إلى بناء تحليلٍ تدريجي يبدأ من اللغة وينتهي بالدلالة". وعن لغته النقديّة قال إنها "اتّسمت بالوضوح النسبي مقارنةً ببعض النقّاد المعاصرين، إذ إنه تجنّب التعقيد المصطلحي المفرط، فقد كان يميل إلى الشرح والتحليل أكثر من الإبهار النظري".

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.