في فيلمين إسبانييْن، وثالث أرجنتيني، وجميعهم باللغة الإسبانية، تتجلى علاقة الآباء بالأبناء، والعكس بالعكس، بوصفها بؤرة بحث سينمائي، تعاين الكاميرا، خلالها، المشفوعة بالحوار، المشفرة بالدلالات، مآلات هذه العلاقة في المجتمعات المادية، وما اعتراها من انهيارات وسوء فهم وخذلان في ظل غربة الإنسان عن نفسه، وليس فقط عن أمه وأبيه. والأفلام الثلاثة من إنتاج عام 2026.
"العملاق الأخير" The last giant
(بالإسبانية: El último gigante)
يصعب في الفيلم الأرجنتيني "العملاق الأخير"، من تأليف ماركوس كارنيفالي وإخراجه، البحث عن مذنبين، أو عن أبرياء، هل الأب الذي أقام علاقة مع امرأة بعيدًا عن أسرته وزوجته وابنتيه لمدة ثمانية أعوام أنجبت له معشوقته خلالها ابنه بوريس (الممثل ماتياس مايير)، هل هو المذنب؟ هل الزوجة التي تركت لزوجها الطيار مساحة حرية تفرضها أصلًا طبيعة عمله، هل هي المذنبة؟ هل المعشوقة التي قبلت بعلاقة غير مشروعة لأنها أحبت، هل هي المذنبة؟ هل الابن الذي لا ذنب له إلا أنه ابن غير شرعي، تمتع ستة أعوام بعلاقة دافئة مع والده قبل أن يختفي هذا الأب لأكثر من 28 عامًا ثم يظهر فجأة من دون سابق إنذار، ما يستدعي مقابلة غاضبة من الابن الضائع، تنتهي إلى لكم والده وتكسير عظامه، هل هو المذنب بكل هذا العنف المخنوق والغشاوة الحائرة؟
على كل حال، ليس هدف كاتب السيناريو والحوار الذي هو نفسه مخرج الفيلم البحث عن مذنبين وإعلان أبرياء، أرادنا، ربما، أن نتأمل مفردات الفوضى الاجتماعية الإنسانية التي انجرف الجميع إليها في لحظةِ فرْض الحقيقة نفسها على باقي التفاصيل بالرغم من الشيطان الكامن في تلك التفاصيل. أما العقدة التي التف الجميع، أخيرًا، حولها، فهي أن الأب الذي تقاعد من عمله كطيار، مصاب بالسرطان، ويبدو أن الرحلة الأخيرة التي تبناها نحو مرابع معشوقته القديمة هو البحث عن غفران ابنه المتروك الذي واجه الدنيا وحده مع أم باتت، بعد رحيل حبيبها ووالد ابنها، تستبدل العشاق كما تستبدل الفساتين. فيلم عن التسامح، عن قيم الأسرة، عن الموت الرحيم (سأدع هذه التفصيلة لمن يرغب بمشاهدة الفيلم)، بقليل من الموسيقى وكثير من الأغنيات (ليتيسيا والدة بوريس التي تؤدي دورها الممثلة إينيس إستيفيس، تغني، في سياق أحداث الفيلم، في حانة ليلية)، وبعض الاعتماد على سحر طبيعة المكان، وإقناع معقول في أداء ممثلي الشريط جميعهم تقريبًا (خصوصًا مانياس مايير في دور الابن الخائف من الماضي والمستقبل من آن معًا)، فإن "العملاق الأخير" الذي لم ألتقط مغزى اسمه، يمكن أن يقال عنه إنه فيلم معقول ومريح.
"53 يوم أحد"
بالرغم من الملاحظات الكثيرة والمتشعبة التي يمكن أن نشهرها في وجه الفيلم الإسباني "53 يوم أحد"، من تأليف كيسك جاي وإخراجه، إلا أن قفلته تشفع له بعض الشفع، كما أن قصته مهمة في سياق حياة المواطن الغربي الذي يلجأ عادة إلى إيداع كبار السن من الآباء والأمهات في دور رعاية العجزة. ثلاثة إخوة (شقيقان وشقيقة) يواصلون التواعد ليبحثوا أمر والدهم الذي بلغ به الخرف درجة الفضائحية مع جارته (خلع سرواله الداخلي)، لنكتشف شؤونهم الشخصية وغيرة فقيرهم من غنيهم، وبحث شقيقتهم عن ذاتها في ظل عدم امتلاكها مواصفات جمال ممكنة وتغاضيها المكسور عن خيانات زوجها، وهي الأستاذة الجامعية والباحثة المثابرة التي لا تستغني عن طبيبتها النفسية وإلا ضاعت حرفيًا وارتكبت حماقات لا أول لها ولا آخر، والمترف المستفيد من زواج مثمر، والأكثر فقرًا الذي هرم ولم ينل دورًا رئيسيًا في أي عمل تلفزيوني، أو سينمائي. يواصلون التواعد، ويواصل موعدهم تحقيق الفشل، وتواصل شقيقتهم إخبارهما أن عليهما إصلاح لمبة الحمّام التي بدأت تومض، إلى أن يتمكنوا أخيرًا من الاجتماع، ولكن بعد فوات الأوان، فإصرار الوالد ابن الـ 89 عامًا على إصلاح اللمبة بنفسه أنهى كل شيء، ليضطر ثلاثتهم أخيرًا لمواجهة حقيقة جحودهم، مع قبس من ذكريات بيت الأسرة المتروك، ليكتشفوا كم كان والدهم حنونًا محبًا، وكم كانت أعياد ميلادهم تعني شيئًا له، وكم حاول أن تبقى العائلة عائلة بعد رحيل زوجته أمهم.
حبكة مظلمة ومحزنة مخبأة داخل غلاف مضحك غريب الأطوار. سيناريو بطيء بشكل متعمد ومركّز. ذروة متوارية خلف صداع الحوارات الذاتية والثنائية. موسيقى تصويرية شبه محايدة. مشاهد داخلية تغطي، تقريبًا، ثلاثة أرباع مساحة الفيلم البالغة مدته 78 دقيقة. بين الواقع واستعاراته يأخذنا الفيلم إلى عتمة القسوة التي لن تضيئها لمبة مهزوزة الوظائف.
"حاجز النار" Firebreak
زاوية أخرى من علاقة الآباء بالأبناء يتناولها الفيلم الإسباني "حاجز النار" إخراج: ديفيد فيكتوري، وتأليف: خافيير إتشانيز، آسيير غوايريكايتشيباري، وجون إريارتي. إنها زاوية هلع أم على ابنتها، إلى درجة استعدادها لأن تقاتل وتقتل وتشك ولا تتوقف، حتى، لالتقاط الأنفاس، في سبيل التقاطها لغز اختفاء ابنتها في غابة بدأت الحرائق الموسمية التهام كل شيء فيها. في سباق يائس مع الزمن، تشرع مارا (أدت دورها بيلين كويستا باقتدار) بالبحث عن ابنتها ليدي التي تبخرت من تحت عيونها هي وابنها وشقيق زوجها فجأة (جاؤوا لبيت الغابة الذي كان يعمل فيه زوجها الراحل لبيعه). تتكثف الدراما مع تواصل عدم العثور على الطفلة التي لا يتجاوز عمرها الثماني سنوات. تتحوّل دراما الفيلم إلى نسق ما من الشكّ البوليسي المتهم الوحيد فيه صديق زوجها المقيم في الغابة نفسها، والذي يخفي أمرًا ما، ما عمّق شكوك الأم المرعوبة على ابنتها وشقيق زوجها بسانتياغو. وبالرغم من التصاعد المبالغ فيه أحيانًا للأحداث، إلا أن درجة الإقناع تبقى معقولة مع مواصلة تحذير القنوات للناس من الحرائق، ومع إعلان الجهات الرسمية توقف البحث عن الطفلة ليدي بسبب تمدد النيران وبلوغ المنقذين مرحلة خطر الموت. وسط كل هذه الفوضى، والرعب، والدخان، والضباب، تبرز إضاءات الفيلم الإنسانية، لتقول لنا إن حب أم لابنها، أو ابنتها، لا يمنحها الحق بكسر كل التابوهات، لكنه يعطيها الحق بأن تقاتل، وصولًا إلى أن كل شخص متهم بخصوص فقد ابنتها إلى أن تثبت براءته.
تحافظ الشخصيات في الفيلم على تواصلك معها كما لو كنت تعيش معهم لحظة بلحظة. الموسيقى التصويرية جذابة وملائمة في كل مرحلة، جنبًا إلى جنب مع عمل الكاميرا اللمّاح وصولًا إلى إنتاجية راعت بحرص معايير الجودة. تحوّلات المسارات ذكية، يظهر واضحًا فيها جهد ثلاثة كتاب سيناريو. المؤثرات البصرية أسهمت في إشعال مزيد من التفاعل والتوتر المطلوب. وأخيرًا، فحين تقرر أمٌّ أن تبحث عن ابنتها فلا حاجز نار، ولا حاجز بروتوكول، ولا حاجز أعراف متداولة، في إمكانها جميعها أن تقف حاجزًا بينها وبين بلوغها مرادها، لتوقف النار التي بدأت تشتعل داخلها أين منها نيران الغابات جميعها.


تحميل المقال التالي...