}

"البخيل" لموليير في برلين: حلّة معاصرة

سمير رمان سمير رمان 27 أبريل 2026
أجندة "البخيل" لموليير في برلين: حلّة معاصرة
من "البخيل" في عرض مسرح شاوبونه ببرلين

في مسرحيته "البخيل"، يوجّه موليير نقدًا اجتماعيًّا لاذعًا إلى هوس الإنسان بالمال. تدور أحداث المسرحية حول هارباغون البرجوازيّ الثريّ والبخيل لدرجة المرض. يخبئ أمواله في الحديقة، ويجعل أسرته (ابنه كليمانت وابنته ليز) تعيش في فقرٍ مدقع. يسعى هارباغون إلى تزويج ولديه لتحقيق مصالح مالية، مما يخلق مفارقات هزلية تنتهي باكتشافات مفاجئة.
وفي أيامنا، تعود مسرحية موليير إلى المسرح في برلين بحلّة جديدة معاصرة، ليكون عرضها الأوّل على خشبة مسرح شاوبونه/ Schaubühne، من إخراج توماس أوستر ماير، وبطولة النجم المسرحي والسينمائي الشهير لارس إيدنغر، الأكثر ترقّبًا في ربيع برلين المسرحي. بهذه المناسبة، نشر لارس إيدنغر على وسائل التواصل الاجتماعي صورًا له وهو يقف إلى جانب أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية السابقة، إحدى الشخصيات المميزة التي جاءت لحضور العرض.
كان من المتوقّع أن يجذب العرض أعدادًا غفيرة من الجماهير: فالشراكة بين المبدع، المخرج توماس أوستر ماير، والنجم السينمائي لارس إيدنغر، تعد بلا شكّ من أكثر الشراكات الفنيّة استقرارًا ونجاحًا على المسرح الألماني المعاصر. وعلى الرغم من متانة هذه الشراكة، فإنّ أعمالهما المشتركة لم تكن كثيرة، خاصّةً في السنوات الأخيرة: تحوّل لارس إيدنغر، عضو فرقة مسرح شاوبونه، إلى نجمٍ سينمائيٍّ عالميّ يحظى بشهرةٍ واسعة، وأصبح ظهوره على خشبة المسارح نادرًا. ومع ذلك، كان كل دورٍ يؤديه يشكّل حدثًا مسرحيًّا بارزًا في حدّ ذاته، فقد جابت أدواره في مسرحيات شكسبيرية، مثل مسرحية "ريتشارد الثالث"، وخاصّةً دوره في مسرحية هاملت، من أعمال المخرج توماس أوستر ماير، نصف العالم حرفيًّا.
من خلال الملصق الترويجي للمسرحية المعلّق على جدران مسرح شاوبونه، يبدو المخرج الفرنسي الأسطوري موليير وكأنّه يقول: قرّر اثنان من كبار الفنانين، وقد تجاوزا منتصف حياتهما الإبداعية، أن لا يرهقا أنفسهما وجمهورهما كثيرًا بمآسٍ جوهرية كئيبة، وفضّلا أن يُظهرا براعتهما، التي لا جدال حولها، في مجال الكوميديا الكلاسيكيّة.
لا يحتاج المرء، وهو في طريقه إلى مسرح شاوبونه، أن يكون منجّمًا ليدرك أنّه لا يشهد مسرحًا ترفيهيًا تافهًا، فهو يعرف تمامًا أنّ خشبة مسرح شاوبونه، وهي الأكثر نجاحًا في برلين، لن تقدّم استعراضاتٍ ترفيهيّة مبتذلة، فيها يضع الممثلون شعور رأس مستعارة، وترتدي الممثلات صدريات غريبة، وتضخم مؤخراتها برفع ثيابها بحوامل معدنية. يرتبط الجشع بالمال، والمال هو أساس الرأسمالية، ولا تكتمل أيّ حكايةٍ خرافيّة هنا من دون أن تواجه انتقاداتٍ كثيرة، أو قليلة. وهكذا هي الحال هنا: فأحداث المسرحية لا تدور في الوقت الحاضر فحسب، بل في المجال التجاري، وتحديدًا في معرض سياراتٍ افتتح حديثًا، ولا تزال البالونات الملوّنة التي تزيّن مدخله موجودة.




بالطبع، الهدف الأساسي هنا هو محفظة المشتري المحتمل، والفضيلة الكبرى هي الاقتصاد، وحتى التعليقات الغرامية لا تحمل عواطف حقيقيّة، بل تنطلق من قواعد براغماتية صرفة... تُدار الشركة عائليًّا، وقد قام مالكها، هارباغون، بتوظيف كلٍّ من ابنه وابنته فيها. في المسرحية الأصلية، كان الصغيران ضحايا بخل والدهما المرضيّ، أمّا في نسخة أوستر ماير المعاصرة فهما عنصران فاعلان، يحسبان حسابًا لكلّ شيء، بما في ذلك مشاعرهما العاطفية، فالحياة بالنسبة لهما هي في نهاية الأمر ليست سوى عمليات تجارية.
يبدو لارس إيدنغر في دور هارباغون، وكأنّ الممثل القدير، الذي هو عليه، قد ذهب في إجازة. كلّ إنسانٍ وُلِد بالفطرة محبًّا للمظاهر. وهذا بالضبط ما يحصل مع هارباغون، الذي ظهرت عنده وهو في أوج شبابه: كرشٌ مدعومٌ بطبقات دهنٍ سميكة على الجوانب، بقعة خالية من الشعر في رأسه، شاربٌ ضخم، وحتى فمه الذي يبدو وكأنّه ميكروفون مزروع على خدّه يصدر من خلاله الأوامر لمرؤوسيه. من المؤكّد أنّ هارباغون ليس من عالم "النقود القديمة"، بل يعشق العملات الجديدة، وفوق ذلك، يلتهم الوجبات السريعة بشراهة، أمّا اليوروهات الورقية التي جمعها على شكل رزمٍ كبيرة الحجم، فيخفيها في قاع كيسٍ ورقيّ فيه كرات لحمٍ حقيقيّة.
لا يشلّ حركته الخوف من اكتشاف إخفائه المال تهربًا من الضرائب، بل على العكس من ذلك، كان الخوف يزيد سلوكه غرابةً، وهذا أيضًا موهبة لإيدنغر، الذي يقدّم النكات والمتعة تغمره. الجمهور مسرور: الممثل بارع، وسخريته من البخل الألماني تلقي استحسانًا دائمًا، وتسود أجواء برلينيّة مميّزة: تتكشف هوية الجارة الغامضة، التي يخطط كلّ من هارباغون وابنه للزواج منها، ويتضح أنّها فتاة أجنبيّة.
يدرك توماس أوستر ماير تمامًا أنّ مزج الأنواع المسرحية هو أحد أسرار التعامل مع النصوص الكلاسيكيّة، وكذلك بناء أدوار ٍللممثلين العظماء فيها.
سبق لتوماس أوستر ماير أن أخرج مسرحيتيّ "هاملت"، و"ريتشارد الثالث"، جزئيًّا، كمسرحيات تراجيكوميديّة، وحتى أنّ مسرحية "الآنسة جولي"، وهي دراما ذات نهاية مأساوية، تنتهي بالموت، كانت غالبًا ما تنجح في إضحاك الجمهور. بالفعل، يمكن لنصٍّ مسرحيّ اجتماعيّ ذي صلةٍ أن ينعش المسرحيات القديمة حقًّا، كما حدث مع مسرحيّة "البطة البريّة" التي عرضت أخيرًا على خشبة مسرح شاوبونه.
لكنّ الانتقال من الكوميديا إلى الدراما بالنسبة لمخرجٍ لم يكن يومًا قريبًا من فنّ "الكوميديا الخالصة"، كان أصعب مما كان يتصوّر. علاوة على ذلك، اتضح أيضًا أنّه لا يمكن استخلاص أيّ استنتاجات حقيقية ذات مغزى من السخرية على الطبيعة الحسابيّة لرجل أعمالٍ صغير. لا يستطيع أوستر ماستر، الذي طرح في البداية موضوعًا مهمًّا، أن ينسب لنفسه دور التثقيف والتنوير، ولا ادعاء السهولة في حلّ عقدة الحبكة كما فعل موليير. ولهذا، يأخذ أوستر ماستر القصّة إلى اللامكان، يأخذها إلى حيث تصبح هاجسًا شاملًا وغريبًا، وحيث تتحوّل إلى كابوس ليليّ مرعب.
كانت اللحظة الأكثر رسوخًا في الذاكرة من مسرحية "البخيل" هي تلك اللحظة الذي جلس فيها الممثل لارس إيدنغر على حافّة خشبة المسرح، ينزع باروكة "الشخصية الأولى في المسرحية"، وينظر متعبًا إلى الجمهور. هذا المشهد، يظهر بجلاء أنّه غالبًا ما تكون العلاقة بين المشاهير والجمهور علاقة ثقة متبادلة، يشعر خلالها الطرف الثالث، أي المخرج، بأنّه شخص غريب في المسرح.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.