في مجموعته الشعرية الصادرة حديثًا عن دار الوطن للنشر في الرباط، بعنوان: "أزهار لوتيسيا"، يستدعي الشاعر المغربي أحمد بلحاج آية وارهام الليلَ بملامحه الهادئة ونسماته البديعة في معظم قصائد المجموعة، التي تأتي استمرارًا لنتاجه الشعري في خضم انشغالاته الأكاديمية وما يواصل إنجازه من بحوث ودراسات في مقاربة وتحقيق كثيرٍ مما تركه علماء الصوفية، ولا سيما الشيخ الأكبر ابن عربي، من واقع تجربة مهمة في هذا المضمار، نذر لها حياته وكتب متماهيًا في عوالمها. يكتب بلحاج بلغة شعرية فيما يُصدره من مقاربات ومقامات وإشراقات صوفية، وفي المقابل تأتي قصائده بلغة نقية مُشذَّبة تأنس لصوت السماء وتعانق رملَ الشاطئ، دون أن تتنصل عن مفردة اليأس والبوح المثقل بالآهات. تكتب يوميات مبدع عربي، برغم وصوله إلى مرحلة متقدمة من العمر، إلا أنه يظل صوتًا استثنائيًا وتجربة إبداعية وروحانية خاصة، إذ تتميز كتاباته الشعرية، برغم نبرتها الكلاسيكية في معظم الأحوال، باحتشاد لغوي تتقافز فيه المفردات مشتبكةً بالهدوء والقلق، الحنين والتمرد، التأوهات واليقينيات، الأحلام والواقع، الأمل والانهزام، البُعد والقرب، النشوة والارتياب.
ويبدو لافتًا التقاءُ كل الأشكال الشعرية تقريبًا في هذا الديوان، فقصائده في مجموعها تحتوي قصائد تفعيلة (في غالبية الصفحات)، ثم قصائد نثرية، فعمودية ونصوصًا مفتوحة.
وتباينت كثيرًا فضاءات القصائد بين رياح القلق وغياب السكينة وعدم الوثوق حتى باللغة نفسها في بعض الجزئيات، مما أنجز كتابًا شعريًا كاريكاتوريًا يغوص عميقًا في حصاد العمر متلمِّسًا قلقًا غامضًا، كُتب كما هو.
وبشيء من المقاربة السريعة، يُلاحَظ أن النصوص تتماهى بين: الفقدان، والاختفاء، والإنكار، والفراغ، والإبداع، والخلق، والاضطراب، والفوضى، والتوتر، والاستغراب، والتقدير، والانبهار، والتأمل في الموت والحياة، وتقدير الخيال وتمجيده، والشغف، وتجاوز الحدود الأرضية المادية.
أما الصور الشعرية فمتداخلة بين الرمزية والاستعارة واستخدام أفعال غامضة، والمزج بين الطبيعة والشعور، والاستفهام والتساؤل، ونحو ذلك مما يعكس حالة من التواصل والاندماج بين الكاتب والطبيعة.
ولعل وارهام أخذ يلملم مسودات متناثرة كتبها بين مرحلة وأخرى، أراد لها أن تخرج إلى النور أخيرًا.
ويخصص الشاعر حيزًا من كتابه لقصائد تحت عنوان: "ألواحٌ من الألفية الثالثة"، من بينها، على سبيل المثال، العناوين التالية: "لوحُ التناغم"، "لوحُ الشَّرَك"، "لوحُ الافتراس"، "لوحُ الدّم"، "لوحُ الريح"، "لوحُ التحربؤ"، "لوحُ الإنذار"... والقصائد، برغم كلماتها المقتصدة، هي أقرب في كثير منها إلى الومضات، تتمحور موضوعاتها حول متناقضات الحياة اليومية للشاعر وبيئته المحيطة وتنقلاته، والوجوه التي يقابلها ويتواصل معها كل يوم، بما في ذلك الذين يتواصل معهم الشاعر ويتثاقف عبر منصات التواصل، إذ تبرز موضوعة الزمن والفقدان، والوهم والخداع، والبحث عن الهوية والمعنى، والسقوط والانحدار، والإنذار والتحذير. ويبدو أن قصائد الجزء الأخير من الديوان أكثر عمقًا من قصائد الصفحات الأولى.
أما غالبية هذه المقاطع أو "الألواح" - على حدّ تعبير الشاعر - فتبدأ بطرح أسئلة حول الزمن والفقدان، إذ يسأل الكاتب عن "الوقت الذي يرفع جثمانه من سرير النفوس التي اقتلعت جذر أحلامها". وهذا السؤال يعكس حالة من الفقدان والضياع. ثم ينتقل إلى وصف الأرض "التي تخرج من خط التداجي، مشبعةً ببخار العماء". بعد ذلك، يصف الوهم الذي يحتمي به كثير من البشر، و"الوعود التي هي سلاحف إفك على رجعها"، وهنا تبرز حالة من البحث عن الهوية ضمن مجموعة من الرموز والاستعارات تعكس، في مجملها، حالة من السقوط والانحدار. وأخيرًا، تذهب هذه المقاطع الشعرية إلى تقنية الكتابة القلقة، إذ تُستخدم مفردات تتضمن إنذارات وتحذيرات: "حينما أرّقوها بزهوٍ سخيفٍ/ أنذرَتهم/ بدُجنةِ روحٍ/ ومعنىً كفيف". وهذا الإنذار يعكس حالة من الوعي والاستيقاظ. وكذلك تبدو جليةً حالة الانتقال السريع بين مجموعة من الأفكار والصور الشعرية.
وكعتبة دالة، تشير مفردة "ألواح" في بادئة عنوان هذه المقاطع الشعرية - والتي انتظمت أيضًا في بادئة كل مقطع متبوعةً بكلمة تُكمِل العنوان الذي يمهِّد للدخول إلى متن النص الشعري - إلى الألواح الحجرية التي كانت تُستخدم في الكتابة في الحضارات القديمة، مثل ألواح موسى في التوراة. وهذا يشير أيضًا إلى أن تلك المقاطع بعينها هي نوع من الكتابة التي تحمل رسالة. أما "من الألفية الثالثة" فهي عبارة واضحة المعنى، وتشير حتمًا إلى الفترة الزمنية التي نعيش فيها، وهي الألفية الثالثة بعد الميلاد، مما يجعل من قصائد هذا الديوان تعبيرًا عن عصرنا الحالي بما فيه من قضايا ومشاكل وتناقضات وغرائب، على المستويين الجمعي والشخصي.


تحميل المقال التالي...