بمناسبة الذكرى الـ29 لوفاة الكاتب والمنظّر المسرحي السوري سعد الله ونوس أقام منتدى بغداد للثقافة والفنون في العاصمة الألمانية برلين أمسية استذكارية للراحل كان لي الشرف بالمساهمة فيها من خلال الحديث عن الكاتب وتجربته المسرحية والثقافية، ومن ثم تقديم الفيلم الذي أخرجه عنه الراحل عمر أميرالاي بعنوان "وهناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث عنها المرء" وعرضه للجمهور. صحيح أنني لم أقدم نصًا مكتوبًا، وإنما كان حديثي عن الكاتب ارتجاليًا، فهو كان أستاذنا في المعهد العالي للفنون المسرحية، كما أننا درسنا مسرحه على أيدي أساتذة آخرين، إضافة للعلاقة الشخصية التي ربطتني به بحكم القرابة والاهتمامات الثقافية والفنية والفكرية المشتركة. مع ذلك يمكن إجمال ما قلته في هذه الأمسية بالأسطر التالية:
ليس من قبيل الصدفة أن يولد سعد الله ونوس في السابع والعشرين من آذار/ مارس عام 1941، اليوم العالمي للمسرح، وكأن القدر أراد لهذه اللحظة أن تكون نبوءة، علامة دالة على رحلة كاملة من الإبداع والتنظير والنضال ستمثل، بامتياز، صورة لذلك اليوم الذي يحتفل فيه العالم بفن المسرح. وكأن سعد الله ونوس ولد ليكون منذورًا للمسرح، وهذا ما كانه بالفعل.
ينتمي الراحل إلى جيل المثقفين العرب الذين وضعوا نصب أعينهم قضيتين كبريين: تحرير الفرد العربي من ربقة التخلف والاستبداد، وتحرير الأمة من وطأة الهزائم والنكسات. فمسيرته التي امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، ليست مجرد سرد لتاريخ كتابة غزيرة للمسرحيات، بل هي مشروع ثقافي طموح لـ"تسييس" المسرح. ما معنى هذا المصطلح؟ وكيف حوّل ونوس الخشبة إلى ساحة اختبار للوعي الجماعي، وفضح فيها زيف الخطابات الرسمية وجبروت السلطة؟ هذا ما سنكشف عنه من خلال هذا العرض عن حياة أحد أبرز رواد المسرح العربي المعاصر وأكثرهم تأثيرًا.
من قرية ساحلية إلى عواصم الثقافة
وُلد سعد الله ونوس في قرية حصين البحر الساحلية القريبة من طرطوس. تلقى تعليمه الابتدائي في قريته والإعدادي والثانوي في مدارس طرطوس. منذ صغره، ظهر شغفه بالمعرفة؛ فقد كان أول كتاب يقتنيه وهو ما زال في الثانية عشرة من عمره هو "دمعة وابتسامة" لجبران خليل جبران، ثم انفتح على روائع طه حسين ونجيب محفوظ. وقد استطاع ونوس، بفضل تفوقه الدراسي، أن يحصل على منحة لدراسة الصحافة في جامعة القاهرة، المدينة التي شكلت بالنسبة له بوابة العبور إلى عوالم الأدب والفكر الواسعة. ومنذ أن كان طالبًا جامعيًا بدأ الكتابة للصحافة السورية واللبنانية. لكن التحول الجذري في مساره جاء بفضل سفره إلى باريس في عام 1966 لدراسة فن المسرح. وهناك انفتح على تيارات مسرحية أوروبية متقدمة، وعلى رأسها تجارب برتولد بريشت وإرفين بيسكاتور. وهذه التجارب كانت حاسمة في صقل رؤيته الفنية والفلسفية، ووجد أن الصورة الأوروبية للمسرح السياسي يمكن أن تكون أداة فعّالة لنقد الواقع والمجتمع.
"مسرح التسييس" في مقابل "المسرح السياسي"
لم يكن سعد الله ونوس مجرد كاتب مسرحي في فضاء المسرح العربي، بل كان منظّرًا، إذ كانت له نظريته الخاصة في المسرح التي ابتكرها ونشرها في عام 1970 تحت عنوان "بيانات لمسرح عربي جديد" في مجلة "المعرفة" السورية، في العدد 104 الذي كان مخصّصًا للمسرح العربي. وفي نظريته ابتكر مفهومًا بالغ الأهمية أسماه "مسرح التسييس"، ليميّز به مشروعه عن غيره من أشكال المسرح السياسي التقليدي.
يرى ونوس أن المسرح السياسي التقليدي غالبًا ما يكتفي بتقديم حلول جاهزة أو "خطابات" ذات طابع أيديولوجي مباشر بشأن القضية السياسية أو الاجتماعية المطروحة. في المقابل، يهدف مسرح التسييس إلى تحويل المسرح إلى مختبر فكري مفتوح. إنه مسرح لا يفرض إجابات، بل يطرح أسئلة، ويكشف عن التناقضات الاجتماعية والسياسية ليدفع المتفرج نفسه إلى إعادة النظر في قناعاته الثابتة. وقد كرّس ونوس جهوده لتحويل المسرح العربي إلى أداة لفهم القمع وفضح الطغيان وإعادة بناء وعي مجتمعي نقدي. ومن خلال "تسييس" المسرح، أراد أن يجعل من الخشبة مساحة للنقاش حول علاقة السلطة بالمجتمع وحول مسؤولية الفرد في صنع تاريخه.
"حفلة سمر من أجل 5 حزيران" والهزيمة التي غيّرت تاريخ المنطقة
نادرًا ما ارتبط اسم كاتب مسرحي بهزيمة سياسية بقدر ما ارتبط اسم سعد الله ونوس بهزيمة حزيران/ يونيو عام 1967. كانت تلك الهزيمة، التي مزقت الجسد العربي، بمثابة الزلزال الذي صدم ونوس ودفعه للاستغراق أكثر فأكثر في قضايا وطنه وأمته. ففي عام 1968 كتب مسرحيته "حفلة سمر من أجل 5 حزيران"، والتي تُعد نقطة تحول كبرى في مسيرته وأحد أهم نصوص المسرح العربي في القرن العشرين. لم تكتفِ المسرحية بوصف هول الهزيمة العسكرية؛ بل ذهبت إلى أبعد من ذلك لتحليل العوامل الداخلية الكامنة التي أدت إليها: الاستبداد، التعصب الديني، استغلال وسائل الإعلام، النفاق الاجتماعي والسياسي. ومن المؤسف أن هذه الجرأة الفكرية كانت كفيلة بمنع عرض المسرحية في العديد من الأقطار العربية بما فيها سوريا حتى عام 1971. لكنها تمكنت من إحداث ضجة كبرى في الأوساط الثقافية المحلية والعربية، وجعلت من ونوس صوتًا للمثقفين العرب ثائرًا على أوهام السلطات الرسمية.
تحليل آليات السلطة في نصوص خالدة
بعد "حفلة سمر من أجل 5 حزيران" يواصل ونوس طريقه ليكتب أعمالًا تناولت جوهر الحكم والسلطة بأسلوب رمزي بديع. في مسرحياته مثل "الفيل يا ملك الزمان" (1969) و"مغامرة رأس المملوك جابر" (1971) و"الملك هو الملك" (1977)، استعار ونوس الحكايات الشعبية، وخصوصًا من "ألف ليلة وليلة" ليكشف عن تفاهة الواقع وعبثية وفساد الأنظمة السياسية. في "الملك هو الملك"، وهي واحدة من أبرز أعماله، يطرح تساؤلًا جذريًا حول شرعية السلطة وعلاقتها بالرعية. العنوان بحدّ ذاته هو مفارقة ساخرة تهدف إلى نزع القداسة عن الحاكم؛ فهو ليس أهلًا للعبودية أو التمجيد، بل هو مجرد شخص يمكن أن يكون أي شخص آخر. ولعل مقولتها المركزية هي أن تغيير حاكم بحاكم آخر لا يغير في الواقع شيئًا إن لم تتغير بنية النظام بالكامل، وهو ما أثبت صحته عندما تم تغيير بعض الأنظمة العربية بعد ثورات الربيع العربي. أما مسرحيته "سهرة مع أبي خليل القباني" (1973) فتناولت تجربة رائد المسرح السوري أحمد أبي خليل القباني وكيف حاربته السلطات الدينية إلى أن أحرقت مسرحه وقضت عليه، مما اضطره لترك وطنه واللجوء إلى مصر محاولًا مواصلة مشروعه المسرحي هناك. في عام 1978 كتب ونوس مسرحيته "رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة"، ليتوقف بعدها عن الكتابة لأكثر من عقد من الزمن، كانت هذه المرحلة بالنسبة له مرحلة مراجعة للكثير من المفاهيم والقضايا المتعلقة بدور المثقف ودور الثقافة والفنون ومنها المسرح إزاء هذا الخراب الذي تغرق فيه الشعوب العربية، والذي أعقب زيارة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات إلى إسرائيل وتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد الشهيرة والتطبيع مع العدو الصهيوني. وكذلك بعد اجتياح قوات الاحتلال الإسرائيلي لبيروت والذي شهده سعد الله ونوس بأم عينه حيث كان يعيش هناك ويعمل محررًا للقسم الثقافي في جريدة "السفير" اللبنانية. في عام 1989 وإثر الانتفاضة الفلسطينية يعود ونوس للكتابة المسرحية بمسرحية "الاغتصاب" التي نشرت للمرة الأولى في مجلة "الحرية" الفلسطينية، وهي المسرحية التي قدم فيها رؤية جديدة وعميقة للصراع العربي الإسرائيلي، وقدرة الفرد على المقاومة. وهي المسرحية التي ندّد فيها بتواطؤ بعض الأنظمة العربية مع دولة الاحتلال الإسرائيلية.
الصراع مع المرض ونهاية المأساة الشخصية والقومية
في عام 1992، تم تشخيص إصابة الكاتب المسرحي الكبير بالسرطان، ليبدأ صراعًا مريرًا استمر حتى رحيله في الخامس عشر من أيار/ مايو عام 1997 في ذكرى نكبة فلسطين. غير أن المرض لم يوقف قلمه، بل على العكس كان بالنسبة له بمثابة حافز لمواصلة الكتابة، وكانت الكتابة بالنسبة له في تلك المرحلة بمثابة فعل مقاوم للمرض كما صرح بذلك؛ ففي مرحلة المرض هذه كتب ستة أعمال مسرحية استثنائية وهي: "منمنمات تاريخية" و"يوم من زماننا" و"طقوس الإشارات والتحولات" و"أحلام شقية" و"ملحمة السراب" و"الأيام المخمورة". إضافة إلى كتاب بعنوان "رحلة في مجاهل موت عابر" (نصوص نثرية). وفي هذه المرحلة الأخيرة والمظلمة من حياته، أصبح ونوس أكثر قدرة على التشخيص العميق لانهيار وطنه. لقد ربط بين انهيار جسده وهزائم أمته وهو ما عبّر عنه في غير مناسبة.
إرث خالد في الذاكرة الثقافية العربية
إن إرث سعد الله ونوس سيظل شامخًا في السماء الثقافية العربية، ليس فقط بفعل كم النصوص التي تركها والتي وصلت إلى عشرين نصًا بين القصير والطويل، بل بفعل الرؤية المتكاملة التي صاغها للمسرح كرسالة. فقد أثبت ونوس أن الكلمة المسرحية يمكن أن تكون أقوى حتى من الرصاص، وأن النص المكتوب يمكنه أن يبقى حيًا ويتحدى السلطة حتى بعد رحيل صاحبه. أدرك ونوس أن معالجة الجروح الوطنية تمر عبر كسر "جدار الصمت" وإعادة تشكيل الوعي الجمعي المنقسم. ومسرحياته التي انتشرت على امتداد الوطن العربي وترجمت للعديد من لغات العالم ما زالت تُعرض حتى اليوم، وتدرس في معاهد وكليات الفنون المسرحية، وتلهم أجيالًا جديدة من الكتاب والفنانين للتفكير في دورهم في المجتمع.
| |
| من الأمسية التذكارية للراحل سعد الله ونوس في منتدى بغداد للثقافة والفنون في العاصمة الألمانية برلين |
إن الحديث عن سعد الله ونوس لا يكتمل من دون الحديث عن نشاطه الثقافي والفكري؛ فبعد عودته من باريس عام 1968 تم تكليفه بتأسيس مهرجان دمشق للفنون المسرحية عام 1969 ليكون أحد أعرق المهرجانات المسرحية في الوطن العربي. كما شارك في تأسيس المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، وأسّس مجلة "الحياة المسرحية" التابعة لوزارة الثقافة السورية في منتصف السبعينيات التي كان رئيسًا لتحريرها، كما شارك كلًا من الروائي عبد الرحمن منيف والناقد الدكتور فيصل دراج في تأسيس الكتاب الفكري الدوري البالغ الأهمية "قضايا وشهادات" في أوائل عام 1990، حيث صدر العدد الأول منه تحت عنوان "طه حسين: العقلانية، الديمقراطية، الحداثة" في ربيع ذلك العام. وفي عام 1996 اختار المركز الدولي للمسرح التابع لليونسكو كاتبنا لإلقاء كلمة المسرح العالمي، ليكون بذلك أول كاتب مسرحي عربي يلقي كلمة اليوم العالمي للمسرح، وذلك تقديرًا لدوره العالمي، وهو ما يدل على المكانة التي بلغها ونوس في المحافل الدولية.
في زمن الحروب والكوارث الحالية ما زال ونوس حاضرًا
عندما ننظر إلى واقعنا العربي اليوم المنكوب بالحروب والانقسامات وهشاشة الخطاب السياسي، نجد أن أفكار سعد الله ونوس لم تفقد قوتها. لقد كان مشغولًا بقضاياه إلى حد الهوس، ولم يكتب مسرحياته من أجل المتعة الجمالية فقط، بل صنعها على شكل مرآة تعكس تشوهات الواقع. ولعل قوة ونوس تكمن في قدرته على المزج بين الشفافية الجارحة والنقد اللاذع والدفء الإنساني. لقد علّم المثقفين العرب أن يطرحوا الأسئلة الصعبة على أنفسهم أولًا، قبل أن يتهموا الآخرين بالهزيمة. ربما تكون خلاصة رحلته هي الاعتراف بالهزيمة كخطوة أولى للنهضة، وليس الاستسلام لها. باختصار، اسم سعد الله ونوس ليس مجرد اسم في تاريخ الأدب المسرحي؛ إنه برنامج فكري متكامل، يمثل إرثًا يحتاجه العرب اليوم أكثر من أي وقت مضى. وتبقى كلماته في رسالة اليوم العالمي للمسرح شاهدًا على عظمته وإنسانيته.


تحميل المقال التالي...