قبل ثماني سنوات فقط من إكمال عامه المائة، رحل الفنان المصري عبد الرحمن أبو زهرة، ليؤكد على معنى عميق في تجربته، هذه التجربة التي لم تتح له أن يكون بطلًا على الشاشة، فأصبح بطلًا لدى الجمهور. مر جثمان أبو زهرة من أمام المسرح القومي في وسط مدينة القاهرة، وذلك تنفيذًا لوصيته، حيث بدأ أبو زهرة مشواره المسرحي من خلال مسرحية "عودة الشباب" لتوفيق الحكيم، ليوصي بمرور جثمانه من حيث بدأ، ومن حيث تعلق وانتمى.
لم يكن أبو زهرة فنانًا تجاريًا، تقريبًا لن تجد له عملًا ليس ذي صبغة فنية ورسالة حقيقية، وبالرغم من ثنائيته اللافتة مع الفنان نور الشريف، من خلال شخصية "إبراهيم سردينة" في مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" (1996)، وهو عمل اجتماعي مأخوذ عن رواية للكاتب إحسان عبد القدوس، بسيناريو وحوار مصطفى محرم، غير أن دوره في تجسيد شخصية "الحجاج بن يوسف الثقفي" في مسلسل "عمر بن عبد العزيز" مع الفنان نور الشريف أيضًا عام 1994، كان الدور الأقرب إلى قلبه، لما حمله من تعقيد نفسي، وثقل تاريخي، وتحدٍ تمثيلي، وفق تصريحات تلفزيونية له.
انحياز أبو زهرة للأدوار المركبة دفعه أيضًا لتقديم شخصية "إبليس" في مسلسل "محمد رسول الله"، وشخصية "أبو لهب" في مسلسل "صدق وعده"، ليتميز أبو زهرة في تقديم الشخصيات المركبة ذات الحضور القوي، رغم تأكيده الدائم على حبه للكوميديا، عادًا أن خفة الظل جزء من شخصيته الإنسانية، قبل أن تكون جزءًا من أدائه الفني، وكان يعزو ذلك إلى تأثير والدته في تكوين شخصيته.
لم يكن حضور أبو زهرة على المسرح والتلفزيون فقط، بل ترك أثرًا واسعًا في عالم الأداء الصوتي، مستفيدًا من أدواته الصوتية المميزة، وقدرته على المزج بين القوة والمرونة التعبيرية، وبرز ذلك بوضوح في أدائه لشخصيات عالم ديزني، مثل "سكار" في النسخة العربية من فيلم "الأسد الملك"، حيث قدم الشخصية بصوت حمل سخرية لاذعة، ونبرة تهديد خافتة، ما جعلها أكثر حضورًا لدى المشاهد العربي. وقال أبو زهرة في أحد اللقاءات إن شركة "ديزني" رأت أنه من أفضل من قدموا شخصية الأسد "سكار" في النسخ المترجمة حول العالم، ومنحته مكافأة إضافية قدرها ألفا دولار تقديرًا لأدائه.
ومع مرور السنوات، واصل عبد الرحمن أبو زهرة حضوره المسرحي اللافت، حتى تجاوز رصيده أكثر من 100 مسرحية، ليصبح واحدًا من أبرز أعمدة المسرح المصرى فى النصف الثاني من القرن العشرين، وأكثرهم التزامًا وموهبة على المسرح. وبحسب نقاد، بالرغم من ابتعاده عن أدوار البطولة المطلقة، فقد حافظ عبد الرحمن أبو زهرة على مكانة راسخة لدى كبار المخرجين، الذين كانوا يعتمدون عليه فى أداء الأدوار المركبة والمعقدة، التى تتطلب ممثلًا مثقفًا يمتلك قدرة عالية على التعبير الداخلي، خاصة في المشاهد التى تبنى على النظرة والصمت أكثر من الحوار.
الذاكرة الفنية لأبو زهرة كانت محل تعجب كبير واندهاش، خصوصًا بعدما حكى في لقاء تلفزيوني له، قبل نحو ثماني سنوات، عندما شكا من ضعف ذاكرته، قائلًا "إنه يشعر بالحرج لأنه أصبح ينسى الأشخاص في اليوم التالي لرؤيته لهم، وأحيانًا لا يتذكر زملاءه في العمل، ولكنه على العكس كانت لديه ذاكرة فنية حاضرة تتجلى داخل العمل، فيستطيع حفظ دوره، ومشاهده على الوجه الأكمل". كان يشعر بالتناقض الداخلي من ذلك الأمر، لدرجة أنه فكر في استشارة طبيب عنه، غير أن التفسيرات عزت ذلك، وبسبب كون ذاكرته قوية خلال العمل، إلى شغفه الجارف به، بينما الأمور الأخرى لا تشكل له القدر ذاته من الأهمية.
ويعد أبو زهرة من أبرز نجوم جيله، إذ امتدت مسيرته الفنية لأكثر من ستة عقود، تنقل خلالها بين المسرح والتلفزيون والسينما والأداء الصوتي، وترك بصمة خاصة في ذاكرة الجمهور العربي عمومًا. وخلال تلك المسيرة، حصل على عدد من الجوائز المرموقة، من بينها وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون، وبسبب تغير موازين السوق والصناعة الفنية، اختفى لفترة، وبالرغم من ذلك، عاد عام 2021 للمشاركة في عدد من الأعمال، بينها "هجمة مرتدة"، و"موضوع عائلي"، و"ستات بيت المعادي"، قبل أن يعلن نجله اعتزاله الفن في عام 2023، في وقت اشتد عليه المرض، ليختار عزلة عائلية استمرت نحو ثلاث سنوات قبل أن يرحل عن عمر يبلغ الثانية والتسعين، مارًا بجثمانه من أمام المسرح القومي في وسط مدينة القاهرة، في مشهد سينمائي بامتياز.


تحميل المقال التالي...