}

في وقائع ترميم لوحات ضخمة بالمتحف الروسي

سمير رمان سمير رمان 4 مايو 2026
أجندة في وقائع ترميم لوحات ضخمة بالمتحف الروسي
تفصيل من لوحة "دعوة ميخائيل فيودوروفيتش رومانوف إلى العرش"

عرض المتحف الروسي آخر ما وصلت إليه المرحلة الأولى من أعمال الترميم العلميّة للوحة الرسّام الروسي غريغوري أوغريوموف/ Grigori Ugriumov (1764 ــ 1823) المسمّاة "دعوة ميخائيل فيودوروفيتش رومانوف إلى العرش في 14 مايو/ أيار 1613". وكان أوغريوموف رسم تلك اللوحة التاريخية العملاقة نزولًا عند رغبة القيصر بافل الأول، والتي كانت في يوم ما تزيّن قصر ميخائيلوفسكي التاريخي المهيب في مدينة سانت بطرسبرغ.
قلعة المهندس، المعروفة أيضًا باسم قصر ميخائيلوفسكي، هي نتاج القدر المُهمِل، تمامًا كحال الإمبراطور الذي أمر برسمها. أراد القيصر أن تصبح القلعة مقرًّا إمبراطوريًّا، وقد كان ذلك بالفعل، ولكنّه لم يدم سوى أربعين يومًا: ففي الأول من فبراير/ شباط من عام 1801، توجّهت العائلة الإمبراطورية في موكبٍ مهيب سيرًا على الأقدام من القصر الشتوي (متحف الإرميتاج حاليًّا) في سانت بطرسبرغ. وفي الليلة الحادية عشرة من شهر آذار/ مارس، ظهر الكونت نيقولاي زوبوف في غرفة نوم الإمبراطور ومعه بعضٌ من يدخنون التبغ. في تلك الليلة بالذات توفي الإمبراطور، لتعلن السلطات رسميًّا على الفور أن الوفاة حدثت نتيجة جلطة دماغية مفاجئة. كان التشخيص بمثابة حكمٍ بالموت على القصر أيضًا، فقد هجرت العائلة قلعة ميخائيلوفسكي تمامًا. وعلى عجل، نقلت جميع كنوزها الثقافية بشكلٍ عشوائيّ، لتختفي حتى عام 1994، عندما تسلّمها المتحف الروسي (متحف الدولة الروسية) في نهاية المطاف.
ترتبط هذه القصّة ارتباطًا وثيقًا بأعمال الترميم الحاليّة. عملًا بتعليمات الإمبراطور بافل الأول، تمّ تزيين جدار قاعة القيامة، المواجه لكرسيّ العرش بستّ لوحاتٍ ضخمة يبلغ حجم كلٍّ منها 20 مترًا مربّعًا (5 أمتار طولًا و4 أمتار عرضًا)، لتخلّد ما رآه المفوّض الإمبراطوري نقاط التحوّل المفصلية في حياة الأمّة الروسيّة. كان مصير كلّ لوحةٍ من تلك اللوحات الستّ مختلفًا عن الأخريات. فمصير كل من لوحة الرسّام فاسيلي بريتشنيكوف التي تسمّى "اتحاد الأسطولين الروسي والتركي وعبورهما مضيق البوسفور"، ولوحة الرسّام فاسيلي شيبويف "معركة بولتافا" (المعركة الفاصلة بين روسيا بقيادة القيصر بطرس الأوّل والسويد بقيادة المارشال غوستاف رينسكولد) بقي مجهولًا، إذ فقدت الأولى في القرن التاسع عشر، بينما يرجّح أن اللوحة الثانية فقدت أثناء الحرب العالمية الوطنية العظمى في مدينة بولتافا نفسها، حيث كانت قد أودعت حينها متحف المدينة بأمرٍ من الإمبراطور فلاديمير الأول. أمّا لوحتا الرسام الإنكليزي جون أغسطس أتكينسون "معمودية الدوق الأكبر فلاديمير"، ولوحة "انتصار ديمتري دونسكوي على التتار في معركة كوليكوفا"، فهما مدرجتان حاليًّا ضمن مقتنيات غاليري تريتياكوف (المتحف الوطني الروسي للفنون التشكيلية) في موسكو، وتنتظران الترميم نظرًا لحالتهما الهشّة. ربما يتولى المتحف الروسي حفظهما لديه بشكلٍ دائم، وفق ما صرّحت به للصحافة أولغا كلينوفا، فنانة الترميم البارزة في قسم اللوحات الزيتية في المتحف الروسي الحكومي. وكانت قد جرت تحت إشراف هذه الفنانة عمليات ترميم العملين المتبقيين من مجموعة قاعة يوم القيامة، وهما لوحتان من أعمال الفنان غريغوري أوغريوموف، اللتان كانتا قد نقلتا سابقًا إلى متحف الإرميتاج الإمبراطوري، ومن ثمّ إلى المتحف الروسي.





من المؤكّد أنّ أعمال أوغريوموف أفضل حالًا من أعمال أتكينسون، لكن لا يزال أمام المرممين كثير مما يجب القيام به بشأنها: فالقماش الأصلي هشٌّ للغاية، وهنالك شقوق عميقة تخترق طبقة سميكة من الطلاء الأوّلي والورنيش. وكما تقول الخبيرة أولغا كلينوفا: "لم يعد القماش قادرًا على تحمّل كلّ هذه الكتلة المتداعية... نحن في حاجةٍ إلى تقوية الدعامات كي تتمكّن اللوحة من البقاء في حالةٍ سليمة".
هنالك عدد من المشكلات التي تقلق المرممين عادةً، ومنها قيام الفنان بإجراء تعديلاتٍ يراها ضرورية لإنجاز اللوحة وفق تصوراته الشخصيّة. ففي لوحة "دعوة ميخائيل فيودوروفيتش إلى القيصر"، عمد الرسّام إلى تغيير التصميمات الداخلية والأثاث في كاتدرائية الثالوث/ Trinity Cathedral في دير إيباتيف في مدينة كوستروما (فيها نصّب أول قياصرة روسيا ميخائيل رومانوف)، والتي رُسِمت بشكلٍ انسيابي يكاد يكون أشبه بتقنية الرسم الزيتي الإيطالي المعروفة بالرسم المباشر "أل بريما/ Alla Prima"، بناءً على طلب العميل، الإمبراطور بافل، حفيد القيصر ميخائيل من الجيل الخامس. تتضمّن المرحلة الثانية من العمل مهمّة الحفاظ على الطلاء، واستنساخ قاعدة أساس اللوحة. أمّا المرحلة الأولى، وهي عملية التنظيف الفعلية لسطح اللوحة، فقد اكتملت الآن. وفي النهاية، أوغريوموف قام فعليًّا بتلميع اللوحة، وليس فقط بالمعنى المجازي.
الورنيش، في حدّ ذاته، يمثل إشكاليّة. بمرور الوقت، يتحوّل من درعٍ يحمي اللوحة ووسيلة تربط طبقاتها إلى عدوٍّ لدود لها: فهو يصفَرُّ مع الوقت، مغيّرًا مظهر اللوحة نفسها. وكلّما ازدادت سماكة طبقة الورنيش، ومدى انتشارها، وزاد تأكسدها واصفرارها، كلّما ازداد وضع اللوحة سوءًا. من جانبها، تحتوي لوحة "نداء الملكة" طبقاتٍ عدّة: اثنتان منهما طبقات ترميمية تحتويان على مادة راتنجات التربين، بالإضافة إلى الورنيش الزيتي المطعّم بالشمع الذي استخدمه الرسّام أوغريوموف نفسه، وهي واحدة من سمات أعمال الفنان. لسوء الحظّ، يشكّل الشمع نقطة ضعفٍ حقيقيّة: فقد استخدم أوغريوموف الشمع في الورنيش، لا في اللوحة نفسها. وبمرور الوقت، يسيل الشمع أولًا، لأنّه أقلّ استقرارًا، فيطفو إلى سطح اللوحة، ويصبح لونه شديد البياض. لحسن الحظّ، اكتسب المختصّون في متحف الدولة الروسي خبرةً جيدة من عمل أوغريوموف أثناء قيامهم بترميم لوحته "اختبار قوة يان أوسمار" في سنتي 2013 و2014، وأصبحوا مستعدين لمواجهة تحدّيات جديدة أكثر تعقيدًا. تعقّد العمل بسبب الحاجة إلى ترميم أُجري في متحف الإرميتاج منتصف القرن التاسع عشر. حينها، توقفت أعمال الترميم لأسبابٍ لم تُعرف حتى الآن (ربما نقص التمويل الحكومي)، ولم تتمّ حينها إزالة طلاء الشمع بالكامل، الأمر الذي يتسبّب عادةً في تعقيدات إضافية أثناء الترميم. أمّا الآن، فقد اكتملت أعمال تنظيف المناطق المتضررة، وأصبح كلّ شيءٍ جاهزًا لإضافة الطلاء في مرحلة الترميم النهائي للوحة. مصيرٌ مماثل ينتظر لوحة أوغريوموف الثانية المسمّاة "استيلاء إيفان الرهيب على قازان في 2 أكتوبر/ تشرين الأول 1552"، التي سيأتي دورها بعد الانتهاء من ترميم لوحة "استدعاء القيصر" بتأخيرٍ يزيد على الستّة أشهر. ومن المقرّر أن تأخذ اللوحتان بعد الانتهاء من الترميم موقعهما في صالة "القيامة" في قصر ميخائيلوفسكي في عام 2027.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.