}

اللوفر نحو حلة جديدة

سمير رمان سمير رمان 1 يونيو 2026
أجندة اللوفر نحو حلة جديدة
لوحة "الموناليزا" العنصر الأكثر جذبًا في متحف اللوفر (Getty)

أعلنت وزارة الثقافة الفرنسيّة عن الفائز في المسابقة الخاصّة بتجديد متحف اللوفر في باريس. وكانت قد شاركت في المسابقة مكاتب معماريّة عالميّة عريقة تتمتّع بشهرةٍ واسعة. ولكنّ اختيار اللجنة وقع على شركتين أقلّ شهرة، وهما Studios Architecture Paris، وشركة Selldorf Architects.
يأتي اختيار الشركتين المذكورتين، بالإضافة إلى شركة BASE المتخصصة في هندسة المناظر الطبيعيّة، خطوةً هامّة على طريق تنفيذ مشروعٍ "اللوفر: نهضة جديدة"، الذي كان الرئيس إيمانويل ماكرون قد أعلنه في يناير/ كانون الثاني عام 2025. تتمثّل مهمّة الشركات المعمارية الفائزة بالمسابقة في إجراء إصلاح شامل للمتحف الذي يستقبل سنويًّا زائرين أكثر من أيّ متحفٍ آخر في العالم. تتضمّن الإصلاحات تصميم وبناء مدخلٍ جديد، وإعادة ترسيخ ارتباط المتحف بالمدينة، وفي الوقت نفسه إيجاد حلّ للتحديات اللوجستية الذي يسببها قرابة 9 ملايين زائر يؤمّونه سنويًّا، وهو حشدٌ تجاوز، منذ زمنٍ بعيد، القدرة الاستيعابيّة للهرم الزجاجي الذي صمّمه ستوديو "إي. إم. بي" لاستقبال 4 ملايين زائر فقط.
بعد ثلاثة أشهرٍ من التأخير، وبعد مداولاتٍ مطوّلة جرت بين أعضاء لجنة التحكيم التي جرت في أجواءٍ من السريّة التامّة، أعلنت وزارة الثقافة نتائج المسابقة. وقد كان من المقرّر أن تجري اللجنة اجتماعاتها في شهر شباط/ فبراير، إلا أنّه أُجّل، الأمر الذي أثار تكهّنات باحتمال إلغاء المسابقة، وإلغاء المشروع برمتّه. عوامل عديدة عرقلت تقدّم المشروع، أهمّها: استقالة رئيسة المتحف، لورانس دي كار، وإجراءات تعيين كريستوف ليريبو خلفًا لها. بالإضافة إلى ذلك، شكلت عملية السطو التي تعرّض لها اللوفر، في 19 تشرين الأول / أكتوبر 2025، ضربةً قويّة لسمعة المشروع. ففي أعقاب تلك الحادثة، بردت حماسة  كبار الرعاة من القطاع الخاصّ بشأن مشاركتهم في تمويل مشروع "اللوفر الجديد". قبل عامٍ واحدٍ، تحدثت لورانس دي كار، مديرة المتحف، عن إمكانيّة الحصول على الدعم من جانب متحف اللوفر في أبو ظبي، ومن جامعي التحف الأميركيين. اليوم، نكاد لا نسمع مثل هذه التصريحات. قبل وقتٍ قصير من إعلان الفائزين، نشر ديوان المحاسبة الفرنسي تقريرًا قدّر فيه تكلفة المشروع بأكثر من مليار يورو، وهو مبلغ يغطي بالكاد تكلفة البنية التحتية الجديدة وأعمال التجديد. يظهر هذا الرقم مدى الحاجة إلى وجود رعاةٍ قادرين على المساهمة في التمويل.
وفي حين لم يكشف المعماريون الفائزون سوى قليل من بعض تصوراتهم بشأن المشروع، فإنّ المخططات والوثائق ستبقى محجوبةً عن الجمهور في الوقت الراهن. لكن المنظور الرئيس للمشروع يُظهر كيف من المقرّر أن يكون المدخل الجديد في الجانب المواجه لكنيسة "سان جيرمان كوكسيروا"، والمقابل للواجهة الشرقية لمتحف اللوفر. يظهر التصور المعماري الرئيس للعرض الفائز كيف سيقوم المتحف بتوسيع محور مدينة باريس، الذي يمرّ عبر هرم أي. إم. بي/ I.M.Pei، وقوس كاروسيل/ Arc du Carrousel  في اتجاه قوس النصر/ Arc de Triomphe.
لسنواتٍ عديدة، ظلّت هذه المنطقة بمثابة "الفناء الخلفي" للمتحف تقريبًا، على الرغم من أنّ "رواق كلود بيرو" يعدّ في حقيقة الأمر واحدًا من أبرز المعالم الأثريّة التي تمثّل الكلاسيكيّة الفرنسية في القرن السابع عشر.



سيهبط الزوار إلى داخل المتحف عبر منحدرين خفيفي الميول، يشبهان تلك المنحدرات التي تتوّج "حديقة التويلري" بالقرب من ساحة الكونكورد. من خلال التصور المعماري، يَعِدُ المصممون بتوفير مزيد من المساحات المفتوحة، والمساحات الخضراء، وكثير من الضوء.
في الطابق ما تحت الأرضي، ستتوزّع متاجر تابعة للمتحف، إلى جانب عدد من المطاعم. علاوة على ذلك، سيحظى المشروع بميزة جديدة مهمّة: قاعة خاصّة بمساحة 3000 مترٍ مربّع صمّمت خصيصًا لعرض لوحة "الموناليزا"، التي طالما كانت نعمةً ونقمة في الوقت نفسهّ، إذ أظهرت نتائج استطلاعات أنّ 95% من الزوار يأتون إلى اللوفر بهدفٍ واحدٍ فقط: مشاهدة اللوحة الخالدة. ولا عجب في ذلك، فإنّ  اللوحة، في حدّ ذاتها، لم تعد منذ زمنٍ بعيد مجرّد عملٍ فنيٍّ متميّز، بل أصبحت فعليًّا "مزارًا للحجّ الفنيّ". من الناحية العملية، يعني هذا المخطط أنّ لوحة "الموناليزا" ستحظى بمتحفٍ خاصٍّ بها وحدها داخل متحف اللوفر.
تعدّ شركة ستوديو المعماريين/ Studios Architecture مؤسسة دولية لها مكاتب في باريس، نيويورك، وسان فرنسيسكو، وتورنتو، وهي معروفة جيدًا في العالم بتخصّصها في قطاع الهندسة المؤسساتية وتصميم المجمّعات الحضرية (Campuses)، أكثر من شهرتها في مجال تصميم المتاحف. ولكن يجب الإشارة مع ذلك إلى أنّ هذه الشركة بالتحديد قد تعاونت بشكلٍ وثيق مع المعماري الفرنسي الشهير فرانك جيري في بناء مشروع "مؤسسة لويس فونتين"، ومبنى "لوما" في مدينة أرل الفرنسية. أمّا شريكتهم في العمل، أنابيل سيلدورف، فهي أكثر معماريي المتاحف تأثيرًا في السنوات الأخيرة. سيلدورف، وهي مواطنة أميركية تعيش في نيويورك منذ فترة طويلة، اكتسبت شهرتها بفضل الأناقة التي تكاد تكون "تقشفيّة" وبسيطة للغاية في مشاريع الترميم التي سبق أن نفّذتها. من جانبها، قامت شركة "Selldorf Architects" بترميم مجموعة فريك "Frick Collection"، وكذلك توسعة "معهد فرانك للفنون"، وتصميم جناحٍ جديد لـ"المعرض الوطني" في لندن. بالإضافة إلى ذلك، تمتلك الشركة قدرة نادرة على ابتكار عمارة لا تصرخ لجذب الانتباه، بل تقنع المتلقي برصانتها وبجمالها الهادئ.
يبدو أنّ هذه الميزات بالتحديد هي التي جعلت الكفّة تميل لصالح الشركات الفائزة، فقد أشاد البيان الرسمي للجنة بـ"جودة المقترح المعماري، وبمدى اندماجه وتناغمه مع السياق التاريخي والحضري والطبيعي للموقع". واليوم، يعد هذا الثناء أرفع وسام شرفٍ يمكن أن يُمنح لأيّ معماريّ في فرنسا. فبعد عقودٍ من هيمنة "الأنا المعماريّة"، وسيطرة موضة "المتاحف النحتيّة" (التي تشبه المنحوتات الحجريّة)، يشهد فنّ العمارة مجددًا عودةً إلى تقدير قيم الرصانة والحذر، واحترام نسيج المدينة الحضري، وتقريبًا إلى التواضع المعماري بما يليق بقدسية المتاحف.
كان بين الخاسرين نجوم حقيقيون في عالم العمارة من أميركا واليابان، مثل: Diller Scofidio Renfro، ممثلة من خلال مكتبها في نيويورك، والشركتان اليابانيتان: SANAA، وسو فوجيموتو. لم يكن النصر هذه المرّة حليف العمل المعماري الصارخ، أو الاستعراضي، بل كان من نصيب عمارةٍ تكاد لا تكون مرئيّة. فهل حلّت مرحلة أفول حقبة مباني المتاحف التي تسعى جاهدةً لتكون أكثر شهرةً من المجموعات الفنيّة التي تحتضنها؟
من الواضح أن إيمانويل ماكرون يأمل في أن يترك خلفه إرثًا ثقافيًّا يضاهي في حجمه وأثره ما مثّله مركز بومبيدو، بالنسبة للرئيس الفرنسي جورج بومبيدو، وما مثّله "هرم اللوفر" بالنسبة لفاليري ديستان، أو "المكتبة الوطنيّة" بالنسبة لفرانسوا ميتران، وما مثّله "متحف كيه برانلي" بالنسبة لجاك شيراك.
ربما لا يزال ماكرون يمتلك الوقت الكافي لوضع حجر الأساس للمشروع، غير أنّ أعمال البناء يجب أن تبدأ ـ ما لم تعترضها أيّ عقبات ـ في عام 2029، أي في حقبة الرئيس الذي سيخلفه.
لا يزال الجدل حول مشروع "اللوفر الجديد" في مراحله الأولى. ففي فرنسا، تدور أحاديث كثيرة حول: "هوس العظمة" لدى إيمانويل ماكرون، فتكلفة المشروع الباهظة ستفوق المليار يورو، بينما تعصف بالعالم الأزمات والحروب، والمخاوف من تحويل المتحف إلى مجرّد "آلةٍ سياحيّة". ولكنّ هذا النوع من الصراعات بالتحديد كان يرافق، على مرّ العصور، كلّ المشاريع الكبرى في فرنسا، فعلى سبيل المثال: عندما اقترح المعماري "أي إم بي" في ثمانينيات القرن الماضي بناء هرمٍ زجاجيٍّ في قلب القصر التاريخي لمتحف اللوفر، انتاب الجمهور الفرنسي شعورٌ بالذهول والنفور. أمّا اليوم، فقد بات من المستحيل على الفرنسيين والسيّاح تخيّل اللوفر بمعزلٍ عن هذا الهرم الزجاجي، تمامًا كما لا يمكن تصور باريس من دون برج إيفل، وشارع الشانزليزيه.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.