}

في رحيل ديفيد هوكني: سفير البوب آرت البريطاني

سمير رمان سمير رمان 22 يونيو 2026
أجندة في رحيل ديفيد هوكني: سفير البوب آرت البريطاني
ديفيد هوكني (1937 ــ 2026)

 

توفي يوم 11 حزيران/ يونيو الجاري عن عمرٍ ناهز 88 عامًا الفنان البريطاني ديفيد هوكني، الذي يعد أبرز فناني بلاده في القرن العشرين. كان هوكني ينتمي إلى تلك الكوكبة اللامعة التي ضمّت إلى جانبه كلًّا من الفنانين: الرسّام والناشر الأميركي آندي وارهول (1928ــ 1987)، والرسّام الرمزي البريطاني فرانسيس بيكون (1909ــ 1992)، والرسّام الألماني – الإنكليزي لوسيان فرويد  (1922 ــ 2011 ).
دخل هوكني التاريخ بصفته سفيرًا لفنّ البوب آرت/ Pop Art، ومبدعًا للوحاتٍ نابضة بالحياة تحتفي بأجواء كاليفورنيا المشمسة. وقد منحته إحداها، وهي لوحة "مسبح وشخصيتان"، لقب أغلى فنانٍ حيّ في عام 2018 (وهو اللقب الذي آل بعده مباشرةً إلى النحات جيف كونر). بدا ديفيد هوكني وكأنّ عزيمته لا تفتر أبدًا: فرغم معاناته من مشاكل صحيّة خطيرة، بقي محتفظًا بشغفه الدائم بالحياة. وكانت هذه الصفة بالتحديد هي التي أسرت قلوب عشاق الفنّ، بمن فيهم أولئك الذين لا يكترثون عادةً بالفنّ المعاصر.
وُلد ديفيد هوكني في برادفورد، وهي مدينة بريطانية اشتهرت بصناعة النسيج. ولكنّ أجواء المدينة الصناعيّة وهندستها المعماريّة الفيكتورية الغنيّة بالزخرف لم تتمكّن من إغراء الفنان المستقبليّ: فقد كان يحلم بأجواء لندن الصاخبة والبوهيميّة المتحررة، فانتقل إليها بالفعل عام 1959 والتحق بالكليّة الملكيّة للفنون، حتى أنّه نجح في التعاقد مع تاجر أعمالٍ فنيّة وهو لا يزال طالبًا على مقاعد الدراسة. لم تكن أعماله المبكّرة تشبه كثيرًا أسلوبه الذي عُرف به لاحقًا، فقد عكست تأثّرًا واضحًا بالمدرسة التعبيريّة ممزوجًا بثقافة فنّ "الغرافيتي". إلى جانب ذلك، اشتهر الفنان بمواقفه المبدئيّة العنيدة، فقد رفض، على سبيل المثال، رسم لوحةٍ لامرأةٍ عارية كمشروع تخرّج في كليّة الفنون الملكية. ومع ذلك، تمكّن هوكني من انتزاع شهادته الأكاديميّة، مسجّلًا بذلك أول انتصاراته.
لقد أثبتت التجربة أنّه في إمكان المرء أن يكون جريئًا ومبهرًا ومشاكسًا لدرجةٍ يصعب احتمالها، ولكنّه يستطيع رغم ذلك أن يجبر العالم على التعامل معه. وكان ذلك نهجًا سار عليه ديفيد هوكني طوال حياته.
مع تقدّمه في مسيرته الإبداعية، راح هوكني يشعر بالضيق في إنكلترا الملتزمة بالتقاليد الصارمة التي وجدها تقيِّد ريشته لإنجاز مزيد من الإبداعات، فقرر، بعد أن قام برحلاتٍ اسكتشافية، الانتقال إلى أميركا. هناك، لم يكتشف الفنان لغته البصريّة فحسب، بل شكّل لنفسه صورةً شخصيّة لافتة. خلال زيارته الأولى إلى نيويورك عام 1961، شاهد هوكني إعلانًا تلفزيونيًّا يزعم أنّ "الشقر يحظون بمتعةٍ أكبر"، فقام على الفور بصبغ شعره باللون الأشقر الفاتح. وبفضل نظاراته المستديرة ذات الإطارات التقليديّة، وربطات العنق والسترات الصوفيّة (كارديجان) ذات الألوان الزاهية، والبدلات المصمّمة خصيصًا له بأسلوبٍ غير تقليديّ تمامًا، تحوّل هوكني في المجتمع الأميركي إلى علامةٍ فارقة في حدّ ذاته. لقد كان منذ ذلك الوقت يطبّق بالفطرة ما ينادي به اليوم عددٌ لا يحصى من المدربين وعلماء النفس: "إن أردت تحقيق النجاح، عليك أن تُبرز نفسك للعيان، أو بعبارةٍ أُخرى، كن على طبيعتك".





بهذا المعنى، شعر هوكني بأنّ نيويورك البوهيميّة والفنيّة بدت باردةً جدًّا. قد يكون هذا الإحساس ناجمًا عن عشقه وولهه منذ الطفولة بـ"مصنع الأحلام" في هوليوود. لذلك، لم تكن إقامته في نيويورك طويلة، فقصد مدينة لوس أنجلس في كاليفونيا عام 1964، حيث تنصهر المواهب والثقافات فيها في بوتقةٍ واحدة، على عكس لندن المتعالية، فهنا لا يسخر أحدٌ من لكنته الريفيّة. بالإضافة إلى ذلك، تتمتّع كاليفورنيا بوفرةٍ من أشعة الشمس، التي بهرته تمامًا بعد تجربته مع ضباب لندن الشهير. علاوةً على ذلك، رأى هوكني في الهندسة المعمارية البسيطة في لوس أنجلس، التي تشبه الصناديق، تعبيرًا حقيقيًّا  عن النظرة الأميركية للحداثة.
بعد جمال لندن التاريخيّ، ليس هنالك ما يدهش حقًّا. ولكنّ الخطوط بالغة الدقّة في الهندسة المعمارية الأميركية أسرت قلب هوكني تمامًا، فنقلها إلى لوحاته، جنبًا إلى جنبٍ مع الألوان النابضة بالحياة من اللون الأخضر، والأزرق الفيروزي، واللون الليموني. أمرٌ آخر أثار إعجاب الفنان، ألا وهو أحواض السباحة التي تعدّ رفاهيّة في بريطانيا، لكنّها هنا ضرورة حتميّة في أجواء كاليفورنيا الحارّة. وهكذا تولّدت لدى هوكني صورة عن حرية مذهلة تكاد تشبه الحرية في الفردوس. وعلى الرغم من أنّ الفنان تحدّث في أعماله عن الوِحدة، وعن الفراق، إلا أنّه كان يغلّف مآسيه الشخصيّة بغلافٍ ملوّنٍ مخادعٍ، لتتلاشى النبرة الحزينة عمليًّا خلف الأصوات المتفائلة بصخب.
أمضى ديفيد هوكني معظم حياته المهنيّة في الولايات المتحدة الأميركيّة، وبدأ منذ تسعينيّات القرن الماضي يقوم بزياراتٍ قصيرة متكررة لبريطانيا، ولكنّه كان يمكث أحيانًا لفتراتٍ طويلة. خلال إقامته في بلده الأصليّ، كان يرسم مناظر إنكليزية طبيعية بأسلوبٍ يذكّر بحقول الرسّام الهولندي فان غوخ، زاهية الألوان. أمّا بالنسبة لرسم لوحات البورتريه لأشخاصٍ يعرفهم عن قرب، فكان هوكني يعمل بدقّة متناهية عليها. ولأنّه لم يكن يعرف الملكة إليزابيث الثانية معرفة وثيقة، رفض عام 2011 أن يرسمها، متذرعًا بأنّه: "يرسم أشخاصًا يعرفهم جيّدًا بشكلٍ شخصي. وإن لم يكونوا كذلك، فإنّ النتيجة ستكون غير مرضيةٍ البتّة. عمومًا، وعلى الرغم من صورته البوهيمية، فقد كان الفنان مدمنًا على العمل، ويفضّل قضاء ساعاتٍ طويلة في مرسمه على حضورالحفلات الصاخبة.
تبدو لوحات هوكني الإكريليكية المذهلة، بهندستها البسيطة، وكأنّها رسمت أحيانًا باستخدام برنامج رسومات بدائي، مع أنّه رسمها يدويًّا بالطبع.
بهذا المعنى، يكون الفنان قد استبق ظهور الفنّ الرقميّ، الذي سرعان ما تبنّاه، فقد كان يستمتع بالرسم على جهاز الآيباد الخاصّ به، ويقوم من ثمّ بعرض أعماله الرقميّة، لدرجةٍ أنّه استخدم هذه التقنيّة لتصميم نافذة زجاجية ملوّنة قدّمت هديّة في ذكرى تتويج الملكة إليزابيث الثانية. في عام 2018، جُدّدت نافذة في دير وستمنستر المهجورة منذ القرن التاسع عشر، وأُضيفت إليها لوحة عرفت بلوحة "نافذة الملكة"، التي تمثّل منظرًا طبيعيًا يراه الناظر من النافذة وقد تخلّلته شجيرات الزعرور المزهرة.
كان هوكني مفتونًا عمومًا بالابتكارات التكنولوجيّة، وأسقط شغفه بها على فناني عصر النهضة. وفي عام 2001، وبالتعاون مع العالم الفيزيائيّ تشارلز فالكو، قدّم نظريّة مفصّلة مفادها أنّ دقّة وواقعيّة لوحات الفنانين القدامى تحققت باستخدام أدواتٍ بصريّة، مثل الكاميرا المظلمة، أو الكاميرا الشفافة. ويُزعم أنّ الفنانين قد قاموا ببساطة بتحديد إسقاطات الصور على اللوحة. أثارت هذه النظرية جدلًا حادًّا، حتى أنّ هوكني نفسه قد استعان بالفعل بالصور الفوتوغرافيّة في لوحاته، مما أتاح رسم خطٍّ يصل أعماله بأعمال كبار فناني الماضي.
لم يكن هذا التصرّف هو الأكثر غرابةً في مسيرة ديفيد هوكني، إذ يذكر التاريخ رفضه لقب "فارس" عام 1990، عادًا أنّ اللقب ليس سوى إحدى الشكليّات: "لا أبالي بأيّ جوائز على الإطلاق".
على كلّ حال، لم تكن مواقفه الغريبة من الأسرة الملكية لتحول دون احترامها الفنان، فقد علّق الملك تشارلز الثالث على نبأ وفاة هوكني بكلماتٍ مؤثّرة، ملمّحًا إلى طباعه غير التقليديّة، مثنيًا في الوقت نفسه على "سحره الآسر، وموهبته، وإبداعه المستمرّ: "كان ديفيد يحمل عبقريته ببساطة وعفويةٍ تشبهان ارتداء حذاء الكروكس الأصفر، الذي طالما أضفى حيويةً وبهجةً على المناسبات الملكية".
في سبعينيات القرن الماضي، بدأ هوكني يعاني من فقدٍ تدريجيّ لحاسّة السمع، وهذا يعدّ مأساة حقيقيّة لشخصٍ يتمتّع بـ"التداخل الحسي" (synesthesia)، الذي يمكّن المرء من رؤية لونٍ مميّزٍ عندما يسمع صوتًا ما، فتصبح عناصر الصوت واللون والشكل وكأنّها مترابطة في ما بينها في مخيلته. على الرغم من علّته هذه، لم تتراجع وتيرة إبداعه كفنان، ففي السنوات الأخيرة، أُقيمت معارض استعادية كبرى لأعماله، حيث ضمَّ المعرض الذي أُقيم في مؤسسة لويس فاتتان (Fondation Louis Vuitton) في باريس، والذي اختتم في أيلول/ سبتمبر عام 2025، أكثر من 400 عملٍ فنيّ، وشكل حدثًا غير مسبوق من حيث الضخامة واتّساع النطاق.
ومن اللافت للنظر أنّ أحد معارضه حمل عنوان "حبّ الحياة/ Love Life"، وهي العبارة التي كان هوكني يختتم بها رسائله، والتي كانت تعكس صدقًا وإخلاصًا تامّين.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.