}

مهرجان أفينيون بنكهةٍ كورية

سمير رمان سمير رمان 20 يوليه 2026
أجندة مهرجان أفينيون بنكهةٍ كورية
مهرجان أفينيون استضاف عروضًا عربية في العام الماضي

في عام 1947، أطلق الممثل والمخرج المسرحي الفرنسي جان فيلار/Jean Vilar الدورة الأولى من مهرجان أفينيون. في ذلك الوقت، لم يكن يخطر على بال أحدٍ أنّ الفكرة التي وُلدت في ساحة قصر الباباوات ستتحول إلى أكبر تظاهرةٍ مسرحية في العالم، أو أنها ستصبح أهمّ المختبرات الدولية التي ستعيد الحياة إلى فنّ العروض الحيّة. اليوم، وبعد مرور نحو ثمانين عامًا على التأسيس، يواصل مهرجان أفينيون تأكيد حقيقة بسيطة: كلّما أعلن بعضهم موت المهرجان، وجد هذا الفنّ العريق طرقًا وأساليب جديدة للعودة إلى الحياة من جديد.
لم يعد مهرجان أفينيون مجرّد مناسبةٍ فنيّة، بل أصبح حدثًا ثقافيًّا واجتماعيًّا في حدّ ذاته، إذ تتحول المدينة الفرنسية التاريخية، في أثناء انعقاده، إلى مسرحٍ مفتوح، تختفي فيه الحدود بين الشارع وخشبة المسرح، وتزول الحواجز بين الفنان والمتفرّج، أمّا الساحات والأزقة والجسور والحدائق فتتحوّل إلى فضاءاتٍ تقام فيها العروض، وتحلُّ فيها مختلف أشكال النقاش والحوار واللقاءات الفكرية. والأهمّ من ذلك أن المدينة تشهد تدفق آلاف الزوار من جميع أنحاء فرنسا، ومن شتّى دول المعمورة ، الذين يسعون إلى متابعة أحدث التجارب المسرحية وأكثرها جرأة.
تقضي تقاليد المهرجان بتقديم الحدث الأبرز على خشبة مسرح قصر البابوات، المسرح الأهمّ في أفينيون كلّها، مما يضفي على أسابيع المهرجان الثلاثة نكهة خاصّة. في هذا الموسم، مُنِح شرف تقديم العرض الأوّل للمخرج الفرنسي المعاصر، ومدير مسرح "أوديون ــ مسرح أوروبا"، جوليان غوسلين. سيقدّم جوليان نسخته الجديدة من مسرحية "مالدورور"، القائمة على القصيدة النثرية الرومانسية للكاتب الفرنسي المتمرّد لوثريامون (1846 ــ 1870) المعروفة بـ"أناشيد مالدورور". يرى النقاد في هذا النصّ رواية استثنائية لم يعرف الأدب الفرنسي مثيلًا لها في القرن العشرين، وكان لها تأثير هائل على الفكر الطليعي، وخاصّةً على السورياليين. لهذه الأسباب، يتطلّع الفرنسيون بفارغ الصبر إلى مشاهدة عرض هذه المسرحية الأول بفارغ الصبر، يغمرهم شعورٌ عارم بالفخر: فهذا العمل، وقبل كلّ شيء، منتجٌ فرنسيّ أصيل. في اليوبيل الثمانين، لا يمكن أن يكون العرض الأوّل إلا فرنسيًّا صرفًا، خاصّةً وقد ازداد في الفترة الأخيرة عدد المتذمرين والمحتجين على تحوّل المهرجان الفرنسي الأهمّ إلى مهرجانٍ دوليًّ أكثر من اللازم. وهذا ما شكّل ضغطًا كبيرًا على القائمين على المهرجان دفعهم إلى العمل بشكلٍ جادّ على تقديم ما يرضي عواطف الغيارى على أصالة المهرجان وصبغته الوطنية.



قبل أربع سنواتٍ، جدّد مدير المهرجان، المعيّن حينها للتوّ، المسرحي البرتغاليّ تياغو رودريغز، تمسّكه بالمحافظة على توجّهات مهرجان أفينيون "الأُممية". ولتحقيق هذا الهدف، ابتكر فكرةً تتمثّل في اختيار "لغة عالمية" لتكون ضيف المهرجان كلّ عام، تعرض من خلالها أعمالٌ مسرحية من دولٍ لا تتحدّث الفرنسية. ومن المتعارف عليه أنّ قائمة اللغات العالمية الرئيسة هي ستّ لغات، من ضمنها اللغة الفرنسية. وقد استنفدت القائمة بالفعل حتى قبل انتهاء ولاية رودريغز الأولى كمديرٍ للمهرجان. بدأ رودريغز مشروعه باستضافة اللغة الإنكليزية في الموسم الأوّل، تلاه موسم اللغة الإسبانية. وشهد العام الماضي عروضًا عديدة باللغة العربية (كانت جودة عدد منها موضع شكٍّ للأسف). أمّا اللغتان الروسية والصينية، فقد غابتا عن المهرجان حتى الآن، لأسبابٍ معروفة لا تمتّ للفنّ بصلة... يوجد في العالم لغات عدّة أُخرى يتحدث بها سكان أكثر من دولة في العالم، من بينها البرتغالية، التي لم تكن خيارًا يمكن لرودريغز البرتغاليّ تبنّيه. نتيجةً لذلك، وقع الاختيار هذا العام على اللغة الكورية، التي تمثّلها، ولأسبابٍ واضحة ومعروفة، كوريا الجنوبية.
يرى كثيرون أنّ الدافع وراء اختيار اللغة الكورية لا يعود بالدرجة الأُولى إلى ازدهار المسرح في تلك الدولة، بل إلى الصعوبات الماليّة التي يواجهها مهرجان أفينيون، وبذلك يأتي الدعم من كوريا الجنوبية، التي تسعى جاهدةً للترويج لثقافتها على المستوى العالمي بكلّ وسيلةٍ ممكنة، بما في ذلك تخصيص أموالٍ ضخمة، في توقيتٍ مثاليّ بالنسبة لإدارة المهرجان.
في هذا العام، ذهبت أرفع جائزةٍ مسرحية في العالم، "جائزة إبسن"، إلى الفنانٍ الكوريٍّ الجنوبي "جاها كو/ Jaha Koo"، الذي يشارك هذا الموسم في مهرجان أفينيون بمسرحية "الوقواق/ Cuckoo"، وهي مسرحية غير تقليدية، شخصياتها الرئيسة ثلاثة قدور طهي بالضغط، كرمزٍ إلى هشاشة الطبقة العمالية الحديثة في المجتمع الكوريّ. وفي الوقت نفسه، يقدّم المخرج كيونج سونج مسرحية "حكاية جزيرة/ Island Story"، وهو عملٌ وثائقي مسرحيّ يستعيد مجزرة وقعت عام 1948 في جزيرة جيجو، والتي تعد إحدى أكثر الصفحات إيلامًا في التاريخ الكوريّ الحديث.
ولأنّ كوريا الجنوبية لا تستطيع وحدها أن تحسّن إيرادات شبّاك التذاكر، فقد لجأت إدارة المهرجان إلى تقديم عروضٍ أُخرى متنوعة ومعروفة في أوساط جمهور المسرح الفرنسي. فالممثلة الفرنسية الشهيرة فاليري دريفيل ستلعب دور البطولة في عملٍ جديد للمخرج المسرحي البلجيكي غي كاسيير. كما سيقدّم اثنان من أبرز مصممي الرقصات عروضًا فنيّة فردية خاصّة بهما في أفينيون هذه المرّة، وهما: المجدّد الجريء، الفرنسي بوريس شارماتز، والأميركي تراجال هاريل، الذي  يجيد التلاعب بمفاهيم الهويّة الجندريّة.
من المعروف أنّ مهرجان أفينيون يعدّ مركزًا يقدّم من خلاله المؤلفون، الذين يحاولون النأي بأنفسهم عن الدراما الأدبيّة التقليديّة، عروضهم الجريئة. ومع ذلك، يتضمّن برنامج المهرجان عددًا من المشاريع التي تقوم على أعمالٍ معروفة لدى الجمهور، فالعمل البرازيلي "المحاكمة/ The Trial"، من إخراج كريستيان جاتاي، وفاغنر مورا، يعدّ تكملةً لمسرحية إبسن "عدوّ الشعب". أمّا في مسرحية Casting Lear للإسبانية أندريا خيمينيز، فتتلاشى الحدود بين تاريخ عائلة المخرجة الشخصي وبين المأساة الشكسبيرية. كما قدّم غوينيل مورين رؤيةً عصريّة لمسرحية يوجين أونيل "الحِداد يليق بإلكترا/Mourning Becomes  Electra". من ناحيةٍ أُخرى، أتاح المهرجان فسحةً واسعةً لأولئك الذين يبدعون عروضًا "من العدم". على سبيل المثال، ستقدّم الفرقة البريطانيّة Forced entertainment في فرنسا للمرة الأولى عملها الجديد:
"Shcakespeare Complete Works :Table Top" الذي سبق له أن حقق نجاحًا لافتًا في مهرجانات أُخرى.
تتسم فترة تولّي تياغو رودريغيز منصب المدير العام لمهرجان أفينيون بميزةٍ أُخرى: تسييس ملحوظ للأجواء العامّة للمهرجان. وعند مواجهة انتقاداتٍ تتعلّق ببعض الممارسات الأدائية والانشغال المفرط بأجنداتٍ تضرّ بالجانب الفنيّ أحيانًا، يتذرّع المنظمون بالفكرة الرئيسة لمؤسسي المهرجان: جان فيلار، ورينيه شاريه، اللذين لم يكونا مجرّد فنانين فحسب، بل كانا أيضًا ناشطين يساريين، وفق التعبير المعاصر. ولكنّ الحقيقة لا تخفى على كثيرين يرون كيف غدا المهرجان يمثّل منصّة للبيانات السياسية، أكثر من كونه مساحةً للاحتفاء بمتعة الفنّ. بلغ هذا "التجاوز" حدًّا من الوضوح جعل إشاعاتٍ تناقلها كثيرون الصيف الماضي في أفينيون تتحدّث عن ضرورة إيجاد بديلٍ لرودريغيز. لكن، وبغضّ النظر عن الأسباب، سواءً أكان ناجمًا عن صعوبة العثور على خلفٍ له، أو لأنّ عملية البحث لم تكن مطروحة أصلًا، فقد مدّد رودريغز عقده، مديرًا للمهرجان، لأربع سنواتٍ جديدة.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.