وجاء هذا القرار الصارم بعد أن أعلنت الوكالة التنفيذية الأوروبية للتعليم والثقافة (EACEA)، بناءً على تقييم قانوني وتوصية مباشرة من المفوضية الأوروبية، عن إنهاء المنحة المخصصة لمؤسسة "بينالي بندقية" والتي تبلغ قيمتها مليوني يورو. وأوضح متحدث باسم المفوضية في بروكسل فلسفة هذا الإجراء ببيان صريح أكد فيه أن المشاريع الثقافية التي تُمد بضرائب المواطنين الأوروبيين ينبغي أن تظل حارسة للقيم الديمقراطية، وداعية للحوار المفتوح والتنوع وحرية التعبير، وهي مبادئ وأركان يرى الاتحاد أنها باتت مفقودة تمامًا في روسيا اليوم.
وتُعد هذه المنحة الملغاة شريانًا هامًا كان يغذي تقنيات السرد البصري التفاعلي ويشجع منتجي الأفلام، تحت مظلة الوكالة الأوروبية التي تشرف عادة على دعم قطاعات الثقافة والتعليم والوسائط السمعية والبصرية والرياضة والمواطنة والعمل التطوعي. لكن عودة الجناح الروسي قلبت الموازين؛ إذ عاد نحو 50 شخصية اختارهم النظام الروسي بعناية، من بينهم موسيقيون وشعراء وفلاسفة، ليقدموا مشروعًا موسيقيًا وأدائيًا يحمل عنوان "الشجرة متجذرة في السماء". ورغم أن مبنى الجناح المملوك للدولة الروسية ظل مغلقًا أمام دخول الجمهور مباشرة، إلا أن العرض يُبث عبر شاشة ضخمة أُقيمت في الخارج، وهو ما اعتبرته موسكو خطوة إيجابية نحو كسر عزلتها الثقافية المفروضة في الغرب.
وفي المقابل، أثارت هذه المشاركة موجة غضب عارمة؛ إذ وُصفت التحركات الثقافية الروسية بأنها جزء لا يتجزأ من "الحرب الهجينة" التي تخوضها موسكو. واحتجت أوكرانيا بشدة على الحضور الروسي، ملفتة الأنظار إلى أن العمليات العسكرية الروسية تسببت حتى اللحظة في تدمير وإلحاق أضرار بالغة بآلاف المعالم والمؤسسات التراثية والثقافية الأوكرانية. كما كشف كل من وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيلها ووزيرة الثقافة تتيانا بيريشنا عن وجود صلات وثيقة تجمع بين المديرة المعينة للجناح الروسي وقطاع الصناعات العسكرية والدفاعية في بلادها.
وكان أعضاء في المفوضية الأوروبية، ومن بينهم غلين ميكاليف وهينا فيركونين، قد لمحوا منذ شهر آذار/ مارس الماضي إلى نية مراجعة التمويل أو إلغائه تمامًا، مشددين على أن الموقف الذي اتخذته إدارة بينالي بندقية يتعارض كليًا مع الاستجابة الجماعية التي تبناها الاتحاد الأوروبي لمواجهة العدوان الروسي.
ومن المفارقات اللافتة في هذه الدورة، أن حالة الجدل المحتدمة لم تمنع الجمهور من التدفق بأعداد غفيرة؛ إذ تشير التقديرات الحالية إلى أن نسب الإقبال سجلت ارتفاعًا ملموسًا مقارنة بعام 2024م. ونقلت وكالة الأنباء الإيطالية "أدنكرونوس" في منتصف شهر تموز/ يوليو، عن مصادر داخل بندقية، وجود زيادة في أعداد الزوار بنسبة 20 بالمائة، مع تشكل طوابير طويلة أمام الأجنحة الوطنية المختلفة. وإذا استمر هذا الزخم على حاله حتى اختتام المعرض في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، فمن المتوقع أن تسجل هذه النسخة الرقم القياسي للأعلى حضورًا في تاريخ البينالي الممتد لأكثر من 125 عامًا.


تحميل المقال التالي...