}

في رحيل محمود الحاج: قصيدة الابتهالات والعشق

صدّام الزيدي صدّام الزيدي 26 يوليه 2026
أجندة في رحيل محمود الحاج: قصيدة الابتهالات والعشق
محمود الحاج (1949 ــ 2026)

توفي قبل أيام الشاعر والإعلامي اليمني محمود الحاج، بعد مسيرة امتدت لأكثر من نصف قرن، شكّل خلالها أحد أبرز الأصوات الثقافية في اليمن. وبرحيله تفقد الساحة اليمنية علمًا من أعلام الكلمة الحرة، جمع بين ديوان الشاعر، وغرفة الأخبار، وكرسي المذيع، وترك إرثًا أدبيًا وإعلاميًا لا يزال حاضرًا في ذاكرة الأجيال.
التحق الحاج، المولود في محافظة إبين جنوبي اليمن، بالصحافة، عام 1970، محرّرًا ومصححًا لغويًا في صحيفة "14 أكتوبر" الصادرة من عدن. سرعان ما برزت كفاءته، فتولى سكرتارية التحرير، ثم إدارة صحيفة "الجندي"، والإشراف على الصفحة الأدبية الثقافية.
وإبان حركة 13 يونيو، التي لم يكتب لها النجاح، عُيّن رئيسًا لتحرير صحيفة "التصحيح" الأسبوعية، ثم رئيسًا لتحرير مجلة "اليمن الجديد" الثقافية والشعرية. انتقل لاحقًا إلى صنعاء، حيث شغل موقع مدير تحرير، ثم رئيس تحرير صحيفة "الثورة"، وصولًا إلى منصب المدير العام للمؤسسة العامة للصحافة والأنباء التي كانت تضم "الثورة"، ووكالة "سبأ"، و"الجمهورية" بتعز.
أدبيًا، عُرف الحاج بوصفه شاعرًا متمكنًا، وأحد أبرز مبدعي القصيدة الغنائية. غنى له كبار الفنانين، ومنهم أحمد فتحي، والسنيدار، وغيرهما. وكان من مؤسسي اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، حيث ترأس اللجنة التحضيرية للاتحاد إلى جانب الشاعر فضل النقيب عام 1972. وتبوأ مواقع قيادية في الاتحاد، ونقابة الصحافيين، منذ التأسيس.
ترك الحاج بصمة واضحة من خلال إصدارات شعرية وأدبية جمعت بين العمق الروحي والانشغال الوطني.
من أبرز دواوينه: "ابتهالات" الذي اتجه فيه إلى فضاء التأمل، مقدمًا قصائد عمودية ذات نفس إيماني تخاطب الصبر والرضى في أزمنة الشدة. وفي ديوانه: "وللحب أشجار لا تنحني"، انتقل إلى ضفة أخرى، حيث جمع بين الغزل الرقيق والقصيدة الوطنية، مؤكدًا على فكرة الصمود باعتبارها شجرة لا تكسرها الرياح. وتميزت نصوصه بقدرتها على التحوّل إلى أغنيات، ما جعل شعره قريبًا من الناس، ومتداولًا خارج حدود الكتاب.




وإلى ذلك، أصدر الحاج كتابه السيري: "من حقيبة الذكريات"، الذي وثّق فيه تجربته الطويلة في الصحافة والتلفزيون والعمل الثقافي. يفتتح الكتاب بصفحات من حياة الراحل في "14 أكتوبر"، و"الثورة"، و"اليمن الجديد"، ويروي محطات التأسيس في اتحاد الأدباء ونقابة الصحافيين، ثم شهادات عن السجن واللقاءات الكبرى. وقد جاءت لغته سردية مباشرة، حريصة على نقل ذاكرة جيل كامل من المثقفين اليمنيين الذين صنعوا المشهد الإعلامي والأدبي.
كان للحاج حضور لافت في شاشة التلفزيون اليمني امتد لسنوات، حيث لم يكتفِ بمنصب إداري، بل كان صانع محتوى ومذيعًا مؤثرًا.
أعد وقدم برنامج "لقاء مفتوح"، الذي صار من أبرز البرامج الحوارية في حينه، واستضاف من خلاله شخصيات سياسية وأدبية بارزة، بما في ذلك حواره المتلفز مع رئيس الوزراء اليمني الأسبق، عبد العزيز عبد الغني.
كما قدم سلسلة برامج ثقافية وفنية منها "إطلالة على الأدب" الذي خصصه لقراءة المشهد الشعري والنقدي، و"سهرة مع فنان" الذي فتح من خلاله نافذة على كبار المطربين والموسيقيين اليمنيين والعرب، وبرنامج "إكليل" ذي الطابع الأدبي.
وقد وصل الحاج في العمل التلفزيوني إلى منصب مدير عام البرامج، ومستشار لوزير الإعلام، وظل مخلصًا لمهنته ولرسالة التلفزيون بوصفه أداة لتنوير الجمهور، وتوثيق الحركة الثقافية. تميزت حواراته بالهدوء والعمق، وبقدرته على إدارة النقاش بعيدًا عن الاستفزاز، ما منح ضيوفه مساحة واسعة للحديث، وجعل برامجه مرجعًا بصريًا لمرحلة مهمة من تاريخ اليمن الفكري.
يُعد التعاون بينه والموسيقار أحمد فتحي من أبرز الشراكات الفنية اليمنية. كتب الحاج لفتحي مجموعة من القصائد الغنائية التي جمعت بين الوزن العمودي واللغة القريبة من الناس. ومن أشهر ما أنجزا معًا: "يا بلادي"؛ "من حقك علي"؛ "عيونك"؛ "يا حبيب الروح". وقد أسهم هذا التعاون في ترسيخ الأغنية اليمنية الفصيحة، وجعل شعر الحاج يخرج من صفحات الدواوين إلى البيوت عبر الراديو والتلفزيون.
وبالرغم من أن محمود الحاج ينتمي إلى جيل التأسيس، إلا أن أثره ما يزال ممتدًا بين الصحافيين والأدباء الشباب. كثير من الإعلاميين اليمنيين اليوم يذكرون برامجه التلفزيونية بوصفها مدرسة تعلموا منها. كما أن قصائده الغنائية ما تزال تُدرّس في ورش الكتابة بوصفها نموذجًا للجمع بين الفصاحة والبساطة.
نعته نقابة الصحافيين اليمنيين مؤكدة أنه يُعد من أبرز الصحافيين المخضرمين الذين عاصروا مراحل مفصلية في تاريخ اليمن المعاصر. وأشار بيان النقابة إلى أن الحاج عاصر عن قرب أحداثًا سياسية ووطنية بارزة، وأسهم في توثيق يوميات من الذاكرة الإعلامية والسياسية للبلاد. كما أشادت النقابة بإخلاصه للمهنة، والتزامه بأخلاقيات العمل الصحافي، وبخبرة واسعة جعلت منه اسمًا بارزًا في الوسط الصحافي اليمني.
وغير بعيد، قال اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، إنه، كان للحاج دور محوري في التأسيس للثقافة والأدب شمالًا وجنوبًا: قضى سنوات من عمره مدافعًا عن الإبداع والحرية والتقدم. رحيله يمثل خسارة كبيرة للمشهد الثقافي اليمني.
ووصفه زملاء آخرون بأنه الإنسان الذي جمع بين النزاهة والصدق في مسيرته المهنية والأدبية، وظل متمسكًا باستقلاليته رغم كل المناصب التي تولاها.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.