}

ذكرى عباس كيارستمي: الاحتفاء بالحياة

سمير رمان سمير رمان 27 يوليه 2026
أجندة ذكرى عباس كيارستمي: الاحتفاء بالحياة
عباس كيارستمي في أثناء تصوير فيلم "طعم الكرز"

في 16 تموز/ يوليو، حلت الذكرى العاشرة لوفاة المخرج الإيراني عباس كيارستمي، الذي غادر الدنيا عن عمرٍ ناهز 77 عامًا. على الرغم من بلوغ كيارستمي مرحلة متقدمة من العمر، فإنّ المرء لا يستطيع أن يربط بين المفهوم السائد عن الشيخوخة وبين هذا الرجل الوسيم المفعم بالحيوية والنشاط. قبل عامين على وفاته، شاهد كثير من المشاركين في مهرجان أنطاليا لعام 2024 عبّاس كيارستمي وهو يتسلق الصخور الشاهقة في مواقع أثريّة قرب المدينة التاريخية التركية، متفوقًا على جميع زملائه الفنانين الشباب. على الصعيد الوطني، بقي كيارستمي لفترة طويلة مصدر فخرٍ واعتزاز رسميّ، وسفيرًا استثنائيًا للسينما الإيرانية، حتى يوم إعلانه التوقف عن صناعة الأفلام في وطنه.
بعد ذلك، وفي مهرجان كانّ السينمائي، قدّم عبّاس فيلمه "نسخة موثّقة"، أو "Certified Copy" من بطولة الممثلة الفرنسية الساحرة جولييت بينوش. كان قرار كيارستمي وقف عمله في إيران بمثابة إعلانٍ عن نهاية "معجزة السينما الإيرانية"، تلك الظاهرة التي استمرّت ثلاثة عقود كاملة، نشأت خلالها أسطورة السينما الإيرانية العظيمة. تعود جذور هذه الظاهرة إلى عام 1979، تاريخ انتصار ما عرف بالثورة الإسلامية، التي أعلنت، من بين غيرها من الإجراءات، تفكيك النظام القديم لـ "السينما البرجوازية التجارية" في إيران، فظهر عددٌ من المخرجين الجدد إلى دائرة الضوء، وعلى رأسهم عباس كيارستمي، ومحسن مخملباف.
وصف النقاد أفلام هذين المخرجين، والتي حازت على عشرات الجوائز، بأنّها "دعاية ترويجية للتفاؤل/ agitprop of Optimsm"، ولكنّها جاءت مع ذلك خاليةً من السذاجة المعهودة التي رافقت أعمال الدعاية السياسية. أمّا في بلدهما نفسه، فقد عرفا بلقب "شاعرا السينما الإيرانية" في العصر الحديث، في إشارةٍ إلى الشاعرين الإيرانيين العظيمين: الفردوسي، وعمر الخيام. للمقارنة، يمكن القول إنّ السينما الإيرانية قد احتلت، خلال العقود الثلاثة التي بدأت في عام 1979، المكانة نفسها، التي كانت تشغلها سابقًا سينما "حقبة الإنفراج" في السينما السوفياتية.
تمحورت أعمال كيارستمي حول مواضيع رئيسية ثلاثة: "الأطفال، الطبيعة، والبحث الروحي". بالإضافة إلى ذلك، برز من خلال تلك الأعمال مفهوم "فيلمٌ داخل فيلم"، مما يعكس ثنائية الواقع الحقيقي ــ الطبيعة الخادعة لانعكاساته.




أخرج عباس كيارستمي عددًا من الأفلام الإرشادية والتعليمية، التي كلّفته بها رسميًّا سلطات النظام الإيراني، ولكنه استطاع مع ذلك ترويض الطابع التعليمي (الوعظي) وتحويله إلى أداةٍ فنيّة. وبصفته فنانًا متميّزًا، كان لا بدّ له من أن يدخل يومًا في صراعٍ مع النظام في مرحلةٍ ما: وهو أمرٌ تكرّر مرارًا عبر تاريخ السينما في البلدان التي تحكمها الأنظمة الشموليّة. وهنا يكفي استحضار تجربة المخرج السوفياتي سيرغي أيزنشتاين.

عباس كيارستمي مع جولييت بينوش 


في عام 1992، كُرِّم كيارستمي في مهرجان كانّ بتقليده جائزة "روبرتو روسيلليني"، المخرج الذي طالما كان قدوته، والذي جعله النقاد موضوع مقارنةٍ بين المعلّم وتلميذه. بعد عامين، وفي المهرجان ذاته، أصيب عبّاس كيارستمي بنوبةٍ قلبية، بعد أن تجاهلت لجنة التحكيم فيلمه "عبر أشجار الزيتون"، وذلك على الرغم  من إشادة النقاد به، حيث رأوا فيه بحقٍ أحد روائع المخرج الكبرى، وأنه أفضل أفلام المسابقة. سقط المخرج مغشيًّا عليه داخل قصر المهرجانات في شارع "لاكروازيت". غير أنّ الحظّ لم يتخلّ عنه تمامًا، فقد حلّت اللحظة التي طال انتظارها أخيرًا عام 1997، ليتحقق الحلم الوردي الذي راود المخرج الإيراني طويلًا، عبر فيلم "طعم الكرز" الذي توّج بجائزة "السعفة الذهبيّة"، لتكون الأولى لإيران وللمخرج. ومع ذلك، لم تكن السلطات الرقابية في وطن المخرج راضيةً تمامًا عن الفيلم، ففرضت قيودها على عرض الفيلم، متذرّعًة بأنّ الفيلم يروّج للانتحار، الأمر الذي يتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي، التي تدعي السلطات في إيران حرصها على تطبيقها.




رغم كلّ تلك الصعوبات، يتعذّر على المرء أن يجد من يحتفي بالحياة أفضل ممّا فعل عبّاس كيارستمي. فمن وجهة نظره، ينبغي أن يكون الفيلم المثاليّ مسلسلًا لا ينتهي، يحمل عنوان "الحياة تستمرّ". رسّخ المخرج هذه الرؤيا في فيلمه "نسخة طبق الأصل"، الذي أكّد من خلاله أنّ الحياة تنتصرعلى جميع التصوّرات المجردة عن الحياة. في خضمّ هذه العمليّة، تغدو السينما مرآة للحياة، والعكس صحيح.
لقد نشأت علاقة إبداعية وعاطفية بين الممثلة جولييت بينوش والمخرج الإيراني الكبير. ويكفي أن يتأمّل المرء نظرات الإعجاب والودّ في عيني عباس وهو يراقب جولييت من كرسيّه في الصالة، وهي تتسلّم جائزة مهرجان كانّ عن دورها في الفيلم. بمعنى ما، يعد فيلم "نسخة طبق الأصل" نقيضًا لفيلم روبرتو روسيلليني "رحلة إلى إيطاليا"، ففي حين أحضر المخرج الإيطالي الكبير الممثلة السويدية إنغريد برغمان من هوليوود إلى موطنه،  سافر المخرج الإيراني الكبير أيضًا إلى إيطاليا ليلتقي ملهمته.
تلت جولييت بينوش من منصة مسرح المهرجان بيانًا تدافع فيه عن مخرجٍ إيراني آخر، جعفر بناهي، الذي أبدع إلى جانب معلّمه كيارستمي، ومنافسه مخملباف، في تقديم أفلامٍ رائعة رسمت صورةً لإيران كبلدٍ طيب وإنسانيّ، يزخر بأناسٍ رائعين، وهي رؤية لاقت ترحيبًا واسعًا من الجمهور. ومع ذلك، ولسببٍ غير معروف، انتهى  المطاف بجعفر بناهي في السجن، بينما تحوّل مخملباف وأسرته إلى منفيين سياسيين، ونجوا من محاولات اغتيال عديدة. أمّا كيارستمي نفسه، فقد اختتم حياته ومسيرته الفنيّة بعيدًا عن الوطن، وهو لا يزال يصارع تداعيات أحداثٍ مضطربة وقعت قبل نصف قرن من الزمان.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.