}

ماذا وراء قرار بلدية مدريد اليمينية إخلاء "البيت العربي"؟

مدريد- ميسون شقير 29 يوليه 2026
أجندة ماذا وراء قرار بلدية مدريد اليمينية إخلاء "البيت العربي"؟
"البيت العربي" يقع في منطقة سلامنكا الفاخرة

لم يكن "البيت العربي" في العاصمة الإسبانية مدريد يومًا مجرد مكان يهتم بشكل أكاديمي ومعرفي بالثقافة العربية المتجذرة في إسبانيا، ولا مجرد منبر للندوات البحثية والأمسيات الأدبية والمعارض الفنية والأفلام السينمائية والحفلات الغنائية التي تخص العالم العربي، بل هو المكان الذي يتعرف فيه الشعب الإسباني والشعوب الأوروبية علينا، مثلما يعيد تعريفنا بأنفسنا من جديد، فهو يكتسب قيمة تتجاوز كونه مؤسسة ثقافية، حيث مثّل منذ تأسيسه عام 2006، إحدى أهم أدوات القوة الناعمة الإسبانية في العالم العربي، مثلما أسهم وبشكل حقيقي في تعزيز الحوار السياسي والثقافي والاقتصادي مع الدول العربية، وأصبح جزءًا من الدبلوماسية العامة التي تديرها وزارة الخارجية الإسبانية، لذا لا يمكن لعاقل أن يعتبر أن قرار بلدية مدريد، التي يقودها اليوم الحزب الشعبي اليميني، بإخلاء مقر "البيت العربي"، مجرد إجراء إداري يتعلق بمبنى يحتاج إلى الترميم، على الرغم من أن هذا هو التبرير الرسمي الذي قدمه عمدة المدينة خوسيه لويس مارتينيث ألميدا، خاصة وأن وزارة الخارجية الإسبانية اعتبرت أن البلدية اتخذت القرار من دون إخطار مسبق لبقية أعضاء الاتحاد، ووصفت ذلك بأنه تصرف يفتقر إلى التعاون المؤسسي، مؤكدة أن إدارة "البيت العربي" تحقق نتائج إيجابية وتعمل على تطوير المؤسسة وفقًا لقرارات مجلسها الإداري، مضيفة أن بلدية مدريد شاركت طوال السنوات الماضية في جميع القرارات المتعلقة بإدارة المؤسسة ولم تُبدِ أي اعتراض رسمي، كما أشارت إلى أن البلدية لم تقدم خلال السنوات الأخيرة الدعم الفني أو المالي اللازم لصيانة المبنى، رغم المراسلات المتكررة التي وجهتها الوزارة بهذا الشأن. ووفقًا لوسائل الإعلام الإسبانية، رأت وزارة الخارجية أن القرار يحمل طابعًا سياسيًا ويؤثر سلبًا في جهود إسبانيا الرامية إلى تعزيز علاقات الصداقة والحوار مع العالم العربي، مؤكدة استمرار دعمها لمؤسسة "البيت العربي" باعتبارها إحدى أهم مؤسسات الدبلوماسية العامة الإسبانية، والتزامها بالبحث عن حلٍ يضمن استمرار عملها.

أدى القرار إلى تنظيم احتجاجات أمام مقر المؤسسة تحت شعار "البيت العربي ليس للبيع" و"لا للإخلاء"


نعم، إن كلا من التوقيت والسياق السياسي يجعلان الحقيقة أبعد من ذلك بكثير، مثلما يجعلان من القرار جزءًا من مواجهة أوسع بين اليمين الإسباني والحكومة الاشتراكية حول توجهات السياسة الخارجية الإسبانية، ولا سيما تجاه العالم العربي والقضية الفلسطينية، خاصة وأن إسبانيا أصبحت منذ اندلاع الحرب في غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، واحدة من أكثر الدول الأوروبية انتقادًا للحكومة الإسرائيلية، إذ قاد رئيس الوزراء بيدرو سانشيث حملة دبلوماسية للمطالبة بوقف إطلاق النار، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، وأيضًا مذكرة بمحاسبة إسرائيل على انتهاكات القانون الدولي، وصولًا إلى اعتراف مدريد رسميًا بدولة فلسطين.




الأمر الذي أثار انتقادات حادة من الحزب الشعبي وحزب فوكس المعارضين اللذين اعتبرا أن الحكومة تبتعد عن شركائها الغربيين وتتخذ مواقف تسيء لعلاقات إسبانيا مع إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، حيث تبنى قادة حزب الشعب في مدريد، وفي مقدمتهم ألميدا ورئيسة حكومة الإقليم إيزابيل دياث أيوسو، خطابًا أكثر قربًا من إسرائيل، وذلك حين أعلن ألميدا تضامن مدريد الكامل مع إسرائيل عقب هجمات 7 تشرين الأول/ أكتوبر، ودافع مرارًا عن "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، وحين رفض وصف الحرب في غزة بأنها "إبادة جماعية". أما أيوسو، فقد وجهت انتقادات متكررة لحكومة سانشيث بسبب مواقفها من إسرائيل، معتبرة أنها تضعف موقع إسبانيا داخل المعسكر الغربي.
في هذا السياق، يرى بعض المحللين أن هذه الخطوة تغازل التحول الأيديولوجي الذي يشهده اليمين الأوروبي بشكل عام، حيث يربط جزء من التيار المحافظ وقسم كبير من اليمين المتطرف بين قضايا الهجرة والإسلام والأمن، ويمنح دعمًا سياسيًا أكبر لإسرائيل باعتبارها، في نظره، خط الدفاع الأول عن الغرب في مواجهة ما يسميه "التطرف الإسلامي"، على الرغم من أن هذا لا يعني أن حزب الشعب يتبنى خطابًا معاديًا للعرب أو المسلمين بصورة رسمية، إذ يظل خطابه أكثر اعتدالًا من خطاب حزب فوكس، وإن كان الطرفان يلتقيان في انتقاد سياسة سانشيث تجاه فلسطين وفي الدفاع عن علاقات أوثق مع إسرائيل.

يرى بعض المحللين أن هذه الخطوة تغازل التحوّل الأيديولوجي الذي يشهده اليمين الأوروبي بشكل عام


وقد أدى القرار إلى تنظيم احتجاجات أمام مقر المؤسسة تحت شعار "البيت العربي ليس للبيع" و"لا للإخلاء"، إلى جانب إطلاق عريضة إلكترونية تجاوز عدد الموقعين عليها 12 ألف شخص، فضلًا عن بيان وقعه أكثر من 800 شخصية من الدبلوماسيين والأكاديميين والمثقفين، بينهم الممثل الأعلى السابق للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خوسيه بوريل، مطالبين بالتراجع عن قرار الإخلاء لما يمثله "البيت العربي" من أهمية في الدبلوماسية الثقافية الإسبانية وتعزيز العلاقات مع العالم العربي.
وفي المحصلة، فإننا كعرب في إسبانيا سنخسر أهم مكان في إسبانيا، وثاني أهم مكان في أوروبا بعد معهد العالم العربي في باريس، يعيدنا إلى ذواتنا ويناقشها بجدية وبسعة أفق، حيث تبدو قضية "البيت العربي"، كما أظهرها التباين الشديد في التغطية الصحافية بين الصحف اليسارية مثل "الباييس" واليمينية مثل "الموندو"، أقرب إلى أن تكون حلقة جديدة في الصراع السياسي الداخلي الإسباني، بين اليسار الذي يدعو إلى تعزيز الشراكة مع العالم العربي والدفاع عن حل الدولتين وانتقاد السياسات الإسرائيلية، واليمين الذي يقدم نظرة أكثر تشددًا إلى ملفات الهجرة والهوية ويدعم إقامة علاقات أقوى مع إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.
من الجدير بالذكر أنّ "البيت العربي" يقع في منطقة سلامنكا الفاخرة، قريبًا جدًا من حديقة الريتيرو، أحد أهم محاور وسط مدريد الثقافية والدبلوماسية، وهو مبنى تاريخي معروف باسم مدارس أغيري، بُني في أواخر القرن التاسع عشر (1884-1886)، بتمويل من المحسن الإسباني لوكاس أغيري، ويعتبر من أبرز أمثلة العمارة التاريخية في مدريد، وله طراز معماري مدجن من الذي يُعدّ أسلوبًا معماريًا إسبانيًا مستوحى من العمارة الأندلسية الإسلامية.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.