السؤال عن مأزق القصة العربية محفوف بالشجون، فهو يبدو استسهالًا من جهة، وتجاهلًا للتجارب الرائدة والأسماء التي كرّست حضورها ووجودها عبر هذا الفن، برع بعضها في انتزاع الإعجاب رغم بقائه في المناطق المألوفة، وغامر بعضها الآخر بارتياد عوالم التجريب الفنيّ.
والسؤال ليس جديدًا، فقد حاولت عديد الدراسات والمقالات استجلاء أسباب هذا المأزق وأسباب تأخر النقد عن مواكبة النص، وعزوف الأقلام عنها نحو الرواية، أو اعتبارها مرحلة، أو محطة عبور نحو الكتابة الروائيّة.
وحامت الشكوك حول الجوائز تارةً، والنقاد في أخرى، ودور النشر في ثالثة، بينما رفضت بعض الكتابات التنازل عن مكانة القصة القصيرة، وذهبت لإبراز التفوق الفنيّ لها على المقالة التي تتسم بالمباشرة، والرواية التي لا تحتاج لبراعة فنية. وبحسب هذه الرؤية، يتوجب "على القارئ امتلاك أدوات إحساس تستطيع فك أسرار النص القصصي، والوصول لفكرته، والاستمتاع بجماليّته. وهذا الدور المهم قد يكون سببًا في ما يشبه حالة العزوف والإهمال التي تعيشها القصة القصيرة من القارئ والناقد على حدّ سواء"(1).
ثمة من يرى أن تحيّز الجوائز العربية للرواية هو سبب هذا المأزق والتراجع الذي طاول الكتابة القصصّية، وهذا صحيح نسبيًّا، فإذا قارنا بين الاحتفاء العربي والعالمي بالرواية مقابل القصة سنرى رجحان كفّة الأولى. وماعدا جائزة الملتقى في الكويت(2)، وهي الجائزة الوحيدة عربيًا التي تجمع بين الاستمرارية والأهميّة والقيمة المعنويّة والماديّة، فإن أغلب الجوائز محاولات خجولة انتهى بعضها من الدورة الأولى، أو الثانية على أبعد تقدير.
هذه الأسباب جعلت بعضهم يتنبأ بموت القصّة القصيرة، ولا سيّما في ظل تنامي وسائل الميديا، التي أصبحت معادلًا حكائيًا يروي فيه الناس قصصهم ويومياتهم وأشكال وجودهم وتفكيرهم. لكن السؤال الذي يطرح دائمًا يتغافل عن مأزق القصة الكامن في ذاتها.
قد يبدو للقارئ والمهتم ــ وهذا في الظاهر ــ أن القصة مفتوحة على أشكال التجديد الفني، وأن النقلة التي حققتها منذ بدأت مع روادها في الوطن العربي تؤكد أنها لم تتوقف لحظة عن النمو والتجديد الأسلوبي؛ لكن هذا هو عمق الأزمة بالتحديد.
إن الخضّات الكبرى التي تلمّ بالعالم تطاول الأدب وتؤثر على معناه. وهذا المعنى ينعكس بدوره على الشكل. فما دامت العلاقة بين الأدب والعالم تأثر وتأثير، فالعالم يغيّر الأدب، والأخير يؤثر في عالمه، فتنشأ أشكال التعبير لمجاراة تعقيداته.
ومثال ذلك نشوء المدارس الفنية والتيارات الفلسفية في الغرب بانتهاء الحرب العالمية الأولى، وإدراك العالم أن الحرب الثانية مسألة وقت، والاكتشاف أن العقلانية لم تعد تكفي للتعبير عن حقيقة الوجود. واللغة لم تعد تفي بمتطلبات النص والرؤية، لتنشأ المدارس والتيارات "الوجوديّة"، و"العدميّة"، و"السرياليّة"، أو "السيرياليزم" بتعبير الشاعر أبولينير، وهي تقوم على فاعلية اللاوعي، وترى "الحقيقة وراء الحقيقة"، وقد أقامت بنيانها في الأدب والرسم والفن عبر نفي الأخلاقيّ والجماليّ؛ كموقف من العالم وتعبيرًا عنه في الوقت ذاته. وفي مقدمة كتابه "تاريخ السريالية" يرى نادو أن السريالية "استعداد ما لا إلى تجاوز الواقع بل إلى الغوص في أعماقه، وإلى إدراك العالم المحسوس بصورة دائما أكثر وضوحًا وفي الوقت نفسه دائما أشدّ حدة"(3).
كتب ابن المقفع "كليلة ودمنة" على لسان الحيوان، لضرورة فرضتها شروط الواقع، حيث كان التحدث على ألسنة الطير والوحوش طريقة للمواربة ومخاتلة السلطان، وتعبيرًا عن الواقع، وتقريبًا للأذهان البسيطة آنذاك، وقول ما يمكن قوله على لسان الحيوان. بخلاف كل هذا فأغلب التجارب القصصّية العربية التي ارتادت طريق التجريب كانت نقلًا حرفيًّا عن مذاهب ومدارس نشأت في شروط مختلفة، فالتجديد لم يأت في هذه الحال من علاقة القصة بمحيطها وعالمها ومشاغلها وسؤالها، بل خضع لشروط خارجة عنها.
وأصبحت السرياليّة ــ كما في الفن التشكيلي ــ والكافكاوية، وغيرهما، نزعات مغرية لبريقها وجاذبيتها. فالتجديد في الشكل، أو القول، هو رسالة تريد أن تقول شيئًا، أو تكمل معنًى غائبًا، لكن النماذج الكثيرة من القصة العربية كان فيها التجديد دخيلًا من خارج العالم الذي ينمو فيه النص ويفرض عليه فرضًا.
وإن مراجعة متأنية تكشف عن كون السؤال الأساسي فيها ظل غائبًا، فهل الفانتازيا، أو السريالية، هي قرار يتخذ الكاتب أن يعبر من خلاله، أم أن الموضوع يفرض شكله بين يديه؟. وإذا كان المذهب الفني ينجم عن رؤية تنعكس على الشكل، فهل يمكن أن نتعامل معه كموضة، أو تقليعة؟
لقد حاولت القصة القصيرة التجديد والتنويع في تقنياتها. وكانت إمكاناتها مقارنة مع الرواية محدودة، لضرورة التكثيف فيها، والمساحة الزمنية والوجوديّة القصيرة نسبيًا، ولضرورات فنية أخرى، لكن هذا لم يقلل من أهميتها وتأثيرها ومحاولاتها، فاستخدمت التقطيع الزمني، والفلاش باك، والحلم، والمونولوج، وتيار الوعي، والتناص مع أعمال أدبية، أو ملحميّة، أو تاريخيّة، لكن أغلب النصوص التي وقعت بين يدي كاتبة هذا المقال، وهي نصوص قصصية لكتاب لهم حضورهم وأهميتهم في المشهد الأدبي، وقد حاز بعضها جوائز عربية مرموقة، وقعت في أخطاء فنيّة ناجمة عما ذكرناه سابقًا من تجديد يفرض على النص، وشكل يأتي من خارج المعنى. والمتعارف عليه أن التناص لا معنى له إن لم يكشف عن جديد، وهو ليس حكاية على حكاية، بل أشبه بالجدل الهيغلي، حيث القضية ونقيضها، أو ما يوازيها، يؤدي إلى معنى جديد؛ وهي خطوة أبعد مما يظهر.
والتناص بالتعريف يعود إلى جوليا كريستيفا، التي استوحته من باختين، لتعبر عن أن "كل نص هو امتصاص وتحويل لنص آخر"(4).
لكن بعض النصوص القصصية تكتفي بوضع مقطع من النص الأصلي ومقابله نص الكاتب، من دون أي نمو للمعنى، أو كشف عن جديد، ليبدو مجرد كليشيه، أو لعب لا يؤدي لأي طريق.
والتجريب ــ هو الآخر ــ يقع في منطقة سوء الفهم، فأغلب المحاولات ــ إلاّ ما ندر ــ تفهم منه الانفتاح على الفنون الأخرى، وهذا جزء من المسألة، لكن الجزء الآخر المتعلق بالتجريب هو كونه يترك النص مشروعًا مفتوحًا وقابلًا للتعديل، ليبني قولًا على قول، أو ينفي معنى عبر آخر. وفي رواية إيتالو كالفينو "لو أن مسافرًا في ليلة شتاء"، وهي تنتمي لأدب ما بعد الحداثة، يتعمد المؤلف أن يشرك القارئ في النص، ويستند في تأسيسه المستمر ونقضه الدائم للحبكة إلى فكرة النقصان، وهي رؤيا منبثقة عن العالم الذي يستشعره المؤلف الذي يعتمد تقنية قصة داخل قصة ومحاكاة أسلوب الآخرين مع التقدم خطوة في سياق المعنى لاكتشاف معنى جديد فرضته مشاغل الكاتب وواقعه والعالم كما يراه ويفكر فيه. كتب مالرو مرة "إذا كان العالم أقوى من الإنسان، فإن معنى العالم ــ وهو ما يبرزه الفنان ــ لهو بلا ريب أقوى من العالم".
والسؤال عن القصة القصيرة هو سؤال عن العالم، واللعب الفني والتجريب القصصي محاولة لكسر المألوف واكتشاف ما يقع في مرمى نظرنا ولا ننتبه له. ومتعة إخراج حيز جديد من الوجود من عتمة اللانتباه والجهل إلى نور الرؤية والمعرفة، ومن غيبوبة الأمان إلى يقظة القلق ومواجهة هذا القلق.
في كتابه "فن كتابة القصة القصيرة"، يحدد فؤاد قنديل شروط الكاتب بـ"الرؤية لا بالوصف"، فهو "ليس مجرد وصّاف، أو حكّاء يؤلف الحكايات أو ينقلها عن الآخرين ويرويها علينا، وهو ليس مؤرخًا يصوّر الحدث من أجل الحدث نفسه، بل لأن الحدث يعني بالنسبة له شيئًا ما، والقاص صاحب فكر، لكنه لا يدبّج ضرورةً المقالات الفكريّة ولا الفلسفيّة، إنه يفكر بالقصّ ويتفلسف به، ويعبر من خلاله عن إرائه التي شكلتها ثقافة عميقة وحس مرهف"(5).
تابعت منذ فترة قريبة حوارًا متلفزًا(6) بين الناقدة والروائيّة الأميركية سوزان سونتاغ وبين الكاتب ومؤرخ الفن البريطاني جون برجر، وهما يناقشان القصة القصيرة. وقد كان برجر شفاهيًّا باعتباره ينتمي للقرية، بينما كانت سونتاغ تتحدث عن نصها الذي ينتمي للمدينة، وكيف يؤثر ذلك في النص. وبخلاف نصه الذي يقوم على الشفاهي، أو المحكي، كان نصها يبنى على نصوص الآخرين، ليتتبع النقاش الأشخاص الذين تدين لهم القصة في وجودها، وليفحص الأسس والخيارات التي اتخذتها في تطورها، وسبب ذلك كان الحوار الذي امتد لستين دقيقة فحصًا للأسس في ارتباطها بالمعنى، وللمصطلحات في جوهرها، الذي لا ينقطع عن واقعها.
وفي الحالة النقدية العربية، فإن قابلية أي حوار نقدي تفقد مسوغاتها إذا كانت استعراضًا للمصطلح الذي نشأ في تربة غريبة، من دون فهم المعنى الذي كوّنه في تربتنا. وهذا بعض مما تعاني منه رؤيتنا النقدية التي حاولت مواكبة التجريب القصصي، الذي اختبرته القصة منذ ستينيات هذا القرن، مع إغفال السؤال الأهم، لماذا كان التجريب والتجديد يأتي من خارج العالم الذي يتشكل فيه؟
وأي معنى للقصة إذا لم تكن تعبيرًا عن قطعة من الحياة، أو سؤالًا يشغل الكاتب، وكل ذلك له مغزى، لكنه ليس المعنى بكليته، إنه إشارة أو لافتة كتلك التي نجدها في الحديقة، وهي تدلنا على المسار من دون أن تحجبه.
يكتب فؤاد قنديل في "فنّ كتابة القصة": "إنّ القصّة القصيرة ينتظرها دور ليس هو الدور الذي تنهض به الرواية، أو القصيدة، أو المسرحيّة، ويجب أن تكون لها الخصوصيّة التي من أجلها يسعى لها المتلقي ليجد لديها تجربة بشريّة محدودة كتبها صاحبها بدراميّة عالية".
المراجع والإحالات:
(1) مأزق القصة القصيرة، مقال منشور في الدستور، د عمر الخواجا، 2021.
(2) جائزة الملتقى، الكويت، وهي جائزة سنوية أدبية كويتية تأسست سنة 2015، وتعد الجائزة الأهم في الوطن العربي المخصصة لفن القصة القصيرة العربية المطبوعة في كتاب.
(3) موريس نادو، تاريخ السريالية، ترجمة: نتيجة الحلاق، سورية، منشورات وزارة الثقافة،
1992.
(4) زيتوني، لطيف، معجم مصطلحات نقد الرواية، بيروت، دار النهار للنشر، 239 صفحة، ص 6.
(5) فؤاد قنديل، فن كتابة القصة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2002.
(6) لقاء سوزان سونتاغ، جون برجر، أن نقصّ قصة، 2017 (يوتيوب).
*كاتبة سورية.


تحميل المقال التالي...