}

في رحيل صلاح القصب: تحويل مشهدية المسرح لصورة متحركة

علي لفتة سعيد 20 أغسطس 2026
أجندة في رحيل صلاح القصب: تحويل مشهدية المسرح لصورة متحركة
صلاح القصب
مات صلاح القصب، المخرج المسرحي العراقي الذي حوّل مشهدية المسرح إلى صورةٍ متحركة، بما عُرف بـ "مسرح الصورة". مات بعد أن عانى من المرض كثيرًا، لكنه كان يصبر عليه، لأنه ظل يحلم بالمسرح. ينهض ليجدّد الحلم، فينتكس صحيًا. وكثيرًا ما طالب تلامذته بإنصافه ورعايته صحيًا، لكنه مات ليجد عدد المشيعين أكثر بكثير من الذين سألوا عنه وهو في محنته الصحية.

إنه المخرج الذي ذاع صيته ليس على مستوى الوطن العربي فحسب، بل أيضًا على مستوى خشبات العالم، فهو المخرج والباحث الأكاديمي الذي وُلد في بغداد عام 1945. وبعد تخرّجه في كليّة الفنون الجميلة ببغداد، قسم الإخراج، عام 1968، واصل دراسته العليا في رومانيا، وحصل على الدكتوراه في الإخراج المسرحي عام 1980. ويُعد واحدًا من أبرز أعلام الإخراج المسرحي في الوطن العربي.

عمل أستاذًا لمادة الإخراج في كلية الفنون الجميلة ببغداد، وقدم أعمالًا كثيرة لاقت نجاحًا كبيرًا، ليس فقط لأفكارها وقدرة ممثليها، بل للدهشة التي أحدثها في تحريك مشهدية المسرح في نهاية سبعينيات القرن الماضي، حيث أرسى وأسس قواعد "مسرح الصورة"، إذ تميزت هذه المشهدية بالتمرّد على النصوص المكتوبة ذاتها، وإعادة صياغتها برؤية بصرية وشعرية تعتمد على كيمياء الصورة وفلسفتها.

وكانت مسرحية "هاملت"، التي قدمها عام 1980، واحدة من تلك الشواهد التي أبهرت المسرحيين. ولم يقتصر اهتمامه على الإخراج الفني المتجدد والتجريبي، بل أصدر عددًا من الكتب النظرية والتطبيقية المهمة حول السينوغرافيا والإخراج، مثل" مذكرات رحلة الرجل"، "صاحب المظلة السوداء"، "مسرح الصورة بين النظرية والتطبيق"، "فلسفة الكوانتم في مسرح الصورة"، "كيمياء الصورة والاشتغالات الفيزياصورية" و"التجريب في المسرح الصوري"

كان مولعًا بشكسبير حتى أنه أخرج له "هاملت" و"العاصفة" و"الملك لير" وكذلك "عطيل" و"ماكبث"، إضافة إلى مسرحياتٍ عديدة لكتاب آخرين منها "طائر البحر" و"الشقيقات الثلاث" و"الخال فانيا" و"أحزان مهرج السيرك" و"حفلة الماس" و"عزلة في الكريستال" وغيرها.

وأمام تجربته الكبيرة حصل على العديد من التكريمات، منها تكريم مهرجان القاهرة التجريبي/ 2006، وتكريم قلادة الرئيس للإبداع/ تونس 2007، وتكريم مهرجان قرطاج للمسرح العالمي/ تونس 2004 وكذلك تكريم مهرجان المسرح الأمازيغي/ المغرب 2008.

وهو المخرج الذي قدم مسرحياته في طوكيو وقطر ولبنان وتونس والقاهرة والأردن.

لم يكن الراحل صلاح القصب يفكّر في إخراج مسرحية يشاهدها المتفرّج ويفكّر معها فقط، بل ليتأمّلها أيضًا. حتى قال البعض إنه أكبر من مصطلح "مسرح الصورة"، كونه جعل الإخراج في المسرح العراقي مجالًا للتفكير والتأويل، وجعل الصورة كثيفة إلى درجة تتحول فيها إلى أداة لتوليد المعنى.

قدّم الراحل مسرحياته في طوكيو وقطر ولبنان وتونس والقاهرة والأردن


لكن هذا المعنى لم يشفع له في محنته مع المرض، رغم محاولات الجهات الرسمية في العراق إسعافه في الأسابيع الأخيرة. وربما كان يفكّر أن صورته لن تصرخ وهو على فراش المرض، بعد أن كانت تجربته قد جعلت الصورة لغة قائمة بذاتها، وجعلها تفكّر. وإن كانت مشكلته المحتملة أن كثافة الرمز والتجريد قد تجعل العرض أحيانًا شديد الصعوبة على المتلقّي.

مات بشبه إهمال، إن لم يكن الإهمال نفسه، بعد أن أمضى في صورة الحياة 81 عامًا. لذلك، فهو لا يستحق ما كان عليه في أيام محنته، التي تشبه محنة الكثيرين من المبدعين في العراق بعد عام 2003. فالقصب لم يكن فنانًا عابرًا، كان مخرجًا وأستاذًا وباحثًا ومنظّرًا، وترك مشروعًا مسرحيًا ذا أثر عربي، وأنتج بيانات وكتبًا في "مسرح الصورة"، واشتغل على تطوير لغة مسرحية خاصة.

وتكمن المأساة الحقيقية في أن الفنان لا يحتاج إلى تمثال بعد موته بقدر ما يحتاج، وهو حي، إلى رعاية صحية، وكرامة، ومؤسسة ثقافية تحمي منجزه، وأرشيف يحفظ أعماله، ومسرح يتيح له أن يعمل، واعتراف حقيقي بقيمته.

والأقسى أن العراق لا يفتقر إلى الفنانين الكبار، بل يفتقر كثيرًا إلى نظام مستمر لرعايتهم، وتكريم منجزهم، وحفظ ذاكرتهم. ومن هنا أيضًا، فإن رحيل القصب ينبغي ألّا يتحوّل إلى مجرّد بيانات نعي، بل ينبغي أن يكون مناسبة لطرح سؤال مؤلم: كم مبدع عراقي كبير نكتشف قيمته بعد أن يصبح اسمه في صيغة الماضي؟

فإذا كان واحدًا مثل القصب يتعرض إلى ما يمكن تسميته شبه الإهمال، وهو الذي جعل المسرحي العراقي يفكّر في السؤال: هل المسرح يُسمع ويُحكى، أم يُرى ويُحس ويُؤوَّل؟ فإن الخشية هي أن يتحول إلى "اسم في تاريخ المسرح" فقط، بينما القيمة الحقيقية له أن يبقى مشروعه موضع نقاش، وأن نختلف معه ونناقشه ونكشف نقاط قوته وضعفه. فهذا هو التكريم النقدي الحقيقي للفنان.


فراغ موحش، وساحة للقلق

يقول الكاتب المسرحي والأديب شوقي كريم حسن: "حين يمرض الكبار، لا يمرض جسدٌ واحد، بل ترتجف ذاكرة وطن بأكمله".

وأضاف أن القصب تعرّض إلى "نكسة صحية قاسية أفقدته القدرة على النطق، بينما يقف المسرح العراقي أمام امتحان الوفاء. الرجل الذي علّم أجيالًا كاملة كيف تُنطق الفكرة على الخشبة، صارع صمتًا لم يختره".

وأشار إلى أن الراحل "ليس اسمًا عابرًا في سجل المسرح، بل مدرسةً كاملة. فكم من طالبٍ تخرّج على يديه؟ وكم من ممثل اكتشف نفسه تحت إدارته؟ وكم من عرض أثار الجدل لأنه سبق زمنه، ورفض أن يكون المسرح مجرد وسيلة للتسلية؟".

وذكر أن الراحل "آمن بأن المسرح ليس مكانًا للراحة، بل ساحة لقلق العقل وامتحان الوعي. ولهذا بقيت أعماله حاضرة في الذاكرة، لأنها كانت تهزّ اليقين وتوقظ المخيلة". وأفاد بأنه ناشد الوزارة والمعنيين في العراق، خلال محنته الصحية، "ألا يتركوا القصب وحده"، مضيفًا: "ليس فردًا، إنه جزء من ذاكرة العراق الثقافية". ولفت إلى أن "حين يتم إهمال رموزنا وهم على قيد الحياة، فإننا نكتب شهادة فشلنا قبل أن نكتب رثاءهم".

أما الناقد المسرحي الدكتور رياض موسى سكران فقال إن القصب "تركنا لفراغ موحش، وهو يحلّق في رحلته الضوئية الأخيرة نحو الأبدية، تاركًا لنا عتمة السؤال وحيرة الصورة وظلمة اللحظة".

وأضاف أن "حلمه لم يتنفّس ضوء الفجر، وأمنياته لم تجد ملاذًا للبوح، فالمعنى الحقيقي للحياة يستدعي قراءة أخرى معدّلة". وأفاد بأن رحلته مع تكويناته الصورية "كانت منجمًا من أسئلة متوالدة عن أسرار الحياة والموت، مكتنزًا بالأحجار السحرية والعوالم السرية التي فتحت أبوابها على قراءات متعددة ومعانٍ متوالدة". وبيّن أن الراحل كان "عالمًا منفتحًا على جميع الأمكنة والأزمنة: الحلم والحقيقة، الجغرافيا والتاريخ، العلوم والفنون، الأحياء والحياة، الكائن والممكن، المعنى والمبنى، الراهن والماضي، الراحل والآتي، المحسوس والمتخيّل، الغياب والحضور، التجربة والتجريب، القبح والجمال، الممكن والمحال، الفعل والانفعال، السبب والنتيجة، الموت والحياة".

ويختصر سكران صورة القصب بقوله إنه "مثيل لغنى الوجود وتنوّع الحياة ذاتها، ومثيل لامتلاء الروح والوجدان، والامتداد الروحي والوجداني اللامتناهي للوجود والإنسان والحياة".

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.