في عام 1984 عُرض الفيلم الروائي الأول للمخرج السوري محمد ملص "أحلام المدينة"، وحقق يومها مكانة مهمة في السياق السينمائي السوري بما حمله من قيم جمالية أولًا، ثم بما قدمه من رؤية فكرية مثيرة وعميقة لمرحلة سياسية عاصفة سبقت الوحدة السورية - المصرية عام 1958، وأعني بالذات مرحلة حكم أديب الشيشكلي أو ما عرف بعد ذلك ولزمن طويل مرحلة الديكتاتورية العسكرية، وما بشرت به نهاية الفيلم من استشراف التجربة الوحدوية مع مصر.
في "أحلام المدينة" قدم ملص الصورة الأخرى لدمشق من خلال رؤية ما كانت تعيشه من صراعات اجتماعية تخفيها عن الرؤية المباشرة العناوين السياسية الكبرى، وما تحمله عادة بلاغة النشيد ورطانة الهتاف، خصوصًا تلك الصراعات التي تنهش لحم المجتمع ذاته وتجعله في مواجهة العناوين السياسية، العاصفة والمنشغلة عمدًا عن جوهر المسألة السياسية بالغوص بعيدًا في حلم الوحدة العربية باعتبارها المنقذ والمخلص إذ يسقط الطاغية وتلوح في ليل دمشق رايات الوحدة العربية.
وفي عام 1996 عرض الجزء الأول من مسلسل المخرج هيثم حقي والكاتب نهاد سيريس "خان الحرير"، وعرض الجزء الثاني في عام 1998، وخلق جدلًا سياسيًا ساخنًا حول ما قدمه المسلسل من نقد حاد للتجربة الوحدوية العربية الأبرز في اختبارها الأول والأهم في مرحلة الاستقلال ونشوء الدول العربية الحديثة.
الأهم سياسيًا وفكريًا في مسلسل "خان الحرير" هو الجزء الثاني الذي تناول الصراعات السياسية القاسية والعميقة داخل سورية (الإقليم الشمالي) في شقيها السياسي والاقتصادي بما عكسته تلك الصراعات من رؤى وإرادات متباينة بل متناقضة رأيناها خصوصًا في شخصية "مهندس النسيج" الذي جسده الفنان جمال سليمان، والذي رأى كل من شاهدوه أنه يرمز لسياسة الاستقلال الاقتصادي الحر والحياة البرلمانية، وتحديدًا يرمز للشخصية السياسية التي لعبها في الحياة السياسية السورية السياسي السوري الراحل خالد العظم، والتي اعترض صاحبها على "سياسات دولة الوحدة" ولم يعترض على الوحدة ذاتها. هنا بالذات أشير إلى تلك الحوارات الثمينة وبالغة القيمة والمضمون التي جرت بين "الأستاذ مراد" (جمال سليمان) وبين ضابط الأمن الذي كان يتهمه بالعداء لدولة الوحدة، ففي الوقت الذي كان "الأستاذ مراد" يؤيد الوحدة العربية التي "لا تختفي فيها سورية من الوجود" والتي تقوم دولتها على الحريات السياسية والاقتصادية وبالذات حرية الصحافة والأحزاب، يقف ممثل "دولة الوحدة" موقفًا مناقضًا لذلك.
أتذكر أن عرض الجزء الثاني من "خان الحرير" بما حمله من حوارات سياسية ساخنة، كان سببًا مباشرًا في اعتراضات (ناعمة) من "الأحزاب الوحدوية الناصرية السورية" والتي كانت تشارك في "الجبهة الوطنية التقدمية" التي كانت تتبع لحزب البعث، وهو جدل دفع الرقابة السياسية في سورية لحذف كل المشاهد التي جرت فيها تلك الحوارات السياسية، ما تسبب في اقتطاعات زمنية كبرى من حلقات المسلسل جعلته يكاد يقتصر على مشاهد مغنية وراقصة الملاهي "فضة".
في حديث لي مع الفنان جمال سليمان في تلك الأيام، ذكرت له معاناتي مع مشاهدة "خان الحرير" مع تلك الاقتطاعات، فنبهني أن أشاهده من "قناة المستقبل" اللبنانية التي كانت تعرضه، وأتذكر أن تلك الواقعة كانت الأولى وربما الأخيرة التي "تنازلت" فيها "دولة البعث" ولو قليلًا وبصورة هامشية لصالح حلفائها من أحزاب "الجبهة الوطنية" في سورية التي رأت في حوارات المسلسل مساسًا بالناصرية.
من اللافت هنا الإشارة إلى المسافة الشاسعة التي كانت تفصل بين الرؤية السياسية والثقافية السورية لمسلسل "خان الحرير" ومعها بالطبع دولة الوحدة السورية - المصرية، وبين الرؤية الأخرى للنخب السياسية والثقافية المصرية المتلاحقة، والتي لم تكن تعيش تلك التجربة الوحدوية من المكان السوري، والتي ظهرت عند عرض المسلسل حيث عبر مثقفون مصريون كثيرون عن دهشتهم وتفاجئهم من آراء زملائهم السوريين وصعوبة تفهمهم لموقفهم، وقد اعتبر المثقفون السوريون أن أبرز ما يرونه قد غاب عن تلك الوحدة بالذات هو غياب الحرية حيث أخذوا على صناع الوحدة من القادة السوريين موافقتهم على وحدة تغيب فيها الحريات. وتساءل آخرون كيف أمكن لأولئك القادة السوريين أن يتخيلوا موافقة جمال عبد الناصر على حرية الأحزاب وحرية الرأي في سورية وهو يمنعها في مصر، أو أن يحافظ لهم على النظام الاقتصادي الحر الذي كان سائدًا في سورية، فيما كان ناصر يتوجه نحو سياسات تقوم على التأميم وتحكم الدولة في الحياة الاقتصادية في صورة مباشرة.
نقول ذلك وفي البال أن تلك التجربة الوحدوية العربية كانت يتيمة، ولعل فشلها في تكرار نفسها مرة أخرى وحتى بين أي بلدين عربيين آخرين كان في أحد أسبابه أخطاء الوحدة الأولى والأخيرة حتى هذه اللحظة التي نعيشها، فرأينا العرب كشعوب ودول تتطلع لإقامة كيانات عربية مستقلة تحتفظ بوجودها المستقل في أية تجربة محتملة للوحدة.
قيمة مسلسل "خان الحرير" تبدأ من السيناريو الذي كتبه الروائي الحلبي نهاد سيريس ببراعة فنية وموضوعية احترمت الوقائع التاريخية والتزمت بها وبشروطها بعيدًا عن الرغبوية وما تؤدي إليه من انحرافات وانحيازات تجانب الحقائق وتتنكر لها، ومن المهم هنا التأكيد على براعة الرؤية الإخراجية التي حقق من خلالها المخرج هيثم حقي واحدًا من أجمل أعماله ومن أهم محطات الدراما التلفزيونية السورية في ذروة إنتاجها، خصوصًا وأن هذا العمل الدرامي الذي ذهب نحو السياسة منذ بدايته جعل تلك السياسة تدور في مسرح صناعة النسيج وما كانت تعيشه سورية عمومًا وحلب بالذات من إرهاصات تطوير الصناعة، وخصوصًا صناعة النسيج التي تتوفر لها موادها الخام الضرورية في وجود القطن كأحد المنتجات الزراعية الأساسية في سورية.
لافت وبالغ الأهمية أن "خان الحرير" قد ترافق عرضه مع عرض مسلسل آخر كان يتناول وقائع تاريخية من الحرب العالمية الأولى حمل كثيرًا من المغالطات التاريخية الواضحة، بالرغم من أنها وقعت في مرحلة تاريخية كانت مفصلية بالغة الأهمية في تلك المرحلة التي شهدت رحيل الدولة العثمانية وبدايات تشكيل الدول الوطنية العربية المستقلة، ومعها واقعتي "سايكس بيكو" و"وعد بلفور" وما حققتاه من خسارات عربية في كافة المجالات وأعاقتا تطوّرنا في كل مجالات الحياة.


تحميل المقال التالي...