سجّل المركز الوطني للجيوفيزياء في لبنان موجات زلزالية عقب التفجير عادلت قوة 3.8 درجة على مقياس ريختر، وهو رقم كافٍ وحده لتخيّل حجم ما جرى.
وقد أكد بيان مشترك صادر عن رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، أن قوات الاحتلال الإسرائيلية استخدمت 700 طن من المتفجرات، بحجة تدمير أنفاق تابعة لحزب الله في محيط الموقع. وهو رقم ضخم جعل المنظمات الدولية المعنية بحماية الآثار تتحرك على الفور.
فقد وجّهت "إيكوموس"، المنظمة الدولية للمواقع والمعالم، نداءً عاجلًا طالبت فيه بإجراء تقييم فني فوري ومستقل في الموقع للوقوف على الحالة الإنشائية للقلعة، ودعت إسرائيل إلى تقديم بيان رسمي مفصّل عن طبيعة التفجير وحجمه وموقعه الدقيق، وعن تأثيره المحتمل على البنية الأثرية. أما اليونسكو فعبّرت، على لسان متحدث باسمها لصحيفة "The Art Newspaper"، عن قلقها إزاء التأثير المحتمل على سلامة الموقع، مشيرة إلى ضرورة تقييم فني لتحديد حجم الضرر.
في المقابل، سارعت وزارة الثقافة اللبنانية إلى نفي تدمير القلعة، موضحة أن الانفجارات ربما تسببت بأضرار، لكن تقييم الموقع بات مستحيلًا ما دام تحت الاحتلال الإسرائيلي. وذهب خبراء لبنانيون إلى أن نقطة الانفجار تبعد نحو 800 متر عن القلعة، وأن المختصين غير قادرين أصلًا على الوصول إلى المنطقة للتحقق من حجم الضرر ميدانيًا. لكن ما لا خلاف عليه، بحسب هؤلاء الخبراء أنفسهم، هو أن الانفجار غيّر ملامح المشهد الطبيعي والثقافي المحيط تغييرًا جذريًا.
والمفارقة أن إسرائيل، المنسحبة من اليونسكو منذ عام 2019، لم تكتفِ بالغياب عن المنظمة، بل أرسلت وفدًا بصفة مراقب إلى الدورة الثامنة والأربعين للجنة التراث العالمي، المنعقدة في بوسان بكوريا الجنوبية في 25 تموز/ يوليو الماضي، لتعترض هناك رسميًا على ترشيح قلعة بوفور للتراث العالمي. اعتراض لم يمنع إدراجها، إلى جانب خمس قلاع صليبية أخرى تحمل أسماءها العربية والأوروبية معًا: تبنين (طورون)، وشقرا (الدبية)، ودير كيفا (مارون)، وشماع.
وليست قصة بوفور مع الاحتلال جديدة. فقد سبق لدولة الاحتلال أن حوّلت القلعة إلى قاعدة عسكرية لها طوال 18 عامًا، بين 1982 و2000، قبل أن تستعيدها القوات الإسرائيلية مجددًا أواخر مايو/ أيار الماضي، ضمن ما وصفته بالهجوم البري العسكري ضد حزب الله. وهو ما دفع الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى إدانة الهجوم، واصفًا إياه بأنه استمرار للانتهاكات الإسرائيلية في جنوب لبنان، ولا سيما التفجيرات التي تطاول البنية التحتية والمعالم الأثرية المدرجة على قائمة التراث العالمي، محذرًا من أن هذه الأعمال ألحقت أضرارًا جسيمة بمعظم قرى الجنوب وهددت سلامة سكانها.
هكذا تجد قلعة شهدت قرونًا من الحروب الصليبية والمملوكية والعثمانية نفسها اليوم أمام اختبار من نوع مختلف: أن يتقرر مصيرها الأثري وسط نار حرب لا تزال مشتعلة، وأن يُترك الحكم على ما بقي منها لخبراء لا يستطيعون حتى الاقتراب من حجارتها.


تحميل المقال التالي...