}

فيلم "تايم لايف".. اكتشاف العادي وإعادة بنائه من جديد

سينما فيلم "تايم لايف".. اكتشاف العادي وإعادة بنائه من جديد
جاءت فضاءات فيلم "تايم لايف" مبهجة وغنية بالحركة والحياة
تحتاج السينما إلى مخرج مختلف يجيد اكتشاف العادي، يعرف كيف يستخرج الشعرية من التفاصيل الصغيرة، ينحت في الضوء ليولّد المعنى، يخرج من اللاشيء أشياء، يعيد تشكيلها حتى تصبح فيلمًا، يستدعي من خلاله الفن لينفث فيه الحياة ليخلّد ويبقى، وهو عمل ليس بمقدور أي مخرج أن يفعل مثله، لتفاوت الموهبة بين عالم المخرجين، فقط ينجح في هذا صاحب المرجعية الثقافية المتنوعة، والرؤيا الثاقبة التي تتكون من خلال تراكم التجربة ومخالطة كل الاتجاهات، والدليل أنه مرّ على اكتشاف السينماتوغراف قرن وربع، حقق فيها المخرجون آلاف الأفلام عبر كل الأزمنة، لكن الذاكرة النقدية والجماهيرية لا تزال تذكر وتتذكر العشرات من المخرجين فقط، هؤلاء من استطاعوا أن يقدموا أعمالا مختلفة، عكست بشكل أو بآخر رؤاهم وأحلامهم ونظرتهم للأشياء والحياة، مخالفين بذلك من سبقهم إلى هذا الفن، تمردوا عليهم ورسموا لأنفسهم ولغيرهم خارطة سينمائية أخرى، تجاوزوا بها الشرط التاريخي، وفتحوا أبواب المستقبل العصيّة على الفتح، ووحده من يملك الجرأة الفنية والفلسفية قادر على صناعة هذا التغيير والتحول الكبير في الفن السابع. 
لهذا نرى أن المخرج المختلف وكأنه يعتمد منطلق النّحات الأسطوري "بجماليون" الذي صنع تمثال امرأة ووقع في حبها، ودعا بعدها الإلهة فينوس لتبث الروح فيها حتى يصبح هذا الحب متبادلا وقابلا للتجسيد، هذا المخرج المختلف يشترك مع بجماليون في الأهداف والتميز وعملية الخلق والتكوين، لأن الأخير استطاع أن يأتي بما لم يقدر عليه "الآخر" الذي يقوم بنحت تماثيل عادية، يتم نصبها في القصور والمعابد والساحات، على عكس بجماليون الذي كان صاحب بصمة، وقدم عملا عكس عوالمه الداخلية، لهذا احتفت به الأساطير ولا يزال خالد الاسم إلى اليوم، رغم أن الإنسان الحديث يستأنس بما قدمه هذا الفنان ولكنه في المقابل لا يؤمن بواقعته وربما حتى بوجوده، فيما تم تناسي الآخرين الذين تجاوزهم التاريخ تماما.


















استقدمنا هذه الميثيولوجيا الإغريقية لخلق مقارنة بين فن قديم وآخر مستحدث، وان كانا متباعدين زمنيا، لكنهما يلتقيان في خاصية صناعة الخيال وترويضه، والتأسيس للحاضر والمستقبل، مع التنصل من الماضي والعاديّة، وصنع الاختلاف والمجازفة الفنية في تشكيله، وأكثر من هذا أن عناصر كل فن منهما تستند على الخيال والقص والحكايا وخلق العوالم السحرية، لتذهب بنا النتيجة إلى أن المخرج الذي يريد أن يصنع التميز والبصمة الفنية يجب أن يكون بجماليون سينما.

المخرج حميد بن عمرة.. مسافر زاده الكاميرا
حميد بن عمرة مخرج مختلف، ينتمي إلى المجموعة القليلة من المخرجين الذين سيتذكرهم التاريخ ويخلد أسماءهم، لأنه يملك كل الخصائص الضرورية التي تؤهله لهذا، ولم يأت هذا الحكم بشكل اعتباطي، بل جاء بعد أن وقفنا طويلا على تجربته الإخراجية في السنوات الأخيرة، من خلال ثلاثة أعمال سينمائية عصيّة على التجنيس، انتهج فيها خاصية الاختلاف والخروج من عباءة السينما الكلاسيكية، والتحرر من خصائصها السردية والفنية،

وذهبنا أكثر من هذا حين أجرينا معه قبل وقت ليس بالقصير مقابلة مطوّلة نشرت بموقع الجزيرة الوثائقية، عرفنا من خلالها مرجعية المخرج الذي سيّر هذه الأعمال وعالجها بتلك الطريقة، وقد اقتربنا من عوالمه الفلسفية والسينمائية بشكل أفضل، لنعرف طريقة عمله وتفكيره والثقافة التي يملكها، والرؤيا التي ينفذ بها أفلامه، مع العلم أنه يسهل اكتشاف هذه الأشياء بالاكتفاء بمشاهدة أفلامه فقط، لكن يمكن تأكيد هذه الأحكام بشكل قطعي عند التقرب منه أكثر، إذ يعتبر هذا المخرج المتفرد بأن السينما أولوية في يومياته، طاغية على أسلوب حياة، غاية وهدف في محطاته، وهذا ما نجده في أعماله الأخيرة: "هواجس الممثل المنفرد بنفسه" و "حزام" 2016، وفيلم "تايم لايف" 2019 الذي يعتبر آخر أعماله، مع التذكير بأن تجربته السينمائية تمتد لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن.
أفلام حميد بن عمرة هي مرآة عاكسة لروحه، ومحاكاة ذاتية لعشقه الجنوني للكاميرا؛ ومعادل موضوعي للسينما ومآلاتها، صيحة عالية في وجه الرداءة التي باتت تهددها، حاجز متين يقف في وجه جبروت السينما الاستهلاكية التي لم تعد تمثل سوى فئة تبحث عن الربح والانتشار في سبيل تحطيم الذائقة وإبادتها، لهذا جاءت أعماله لتُحدث قطيعة فعلية مع الماضي، وترسم للمستقبل صورًا جديدة هو من يختارها بعناية الرسام وألوانه، وبرهافة الشاعر وكلماته، وبحرص الفيزيائي ودقته، يحفر من خلال هذه العوالم في الذات البشرية، ليقدم للجمهور/العالم مشاهد مدمجة لصور ملتقطة في أوقات قريبة ومتباعدة زمنيا، جمعها خلال تواجده في فضاءات وجغرافيات مختلفة، ينسجها ويوصلها بخيط رفيع جامع، حتى يشكل بها لوحات متعددة، بعد أن يفجر فيها أحاسيس الجمال والخلق والحياة،

 وأكثر من هذا يتعدى حميد بن عمرة دوره كمخرج ويذهب أكثر من ذلك إلى عوالم التصوير والمونتاج والميكساج والتصميم، أي يجمع كل مهن وحرف الصناعة الفيلمية في عمله، من الإخراج إلى غاية تصميم ملصق الفيلم، إضافة إلى أن أفلامه هي تجسيد فعلي لمفهوم السينما المستقلة أو سينما المؤلف، التي تخرج من دائرة التمويل العام، سواء من الحكومات والجهات والرسمية، إلى صناديق الدعم المستقلة، لهذا هامش الحرية والرؤيا مرتفع جدا في أفلامه،  تنقل ما يراه المخرج مناسبا، يعكس تفكيره وأيديولوجيته ونظرته للحياة، وقد ساعد هذا في التحرر من التبعية الإنتاجية وشروطها المجحفة، وحرضته ليكون مخرجا مختلفا، صنع "بصمة" خاصة في عالم السينما، ووصل إلى مكانة متقدمة تسمح له أن يخرج فيلما دون أن يحتاج إلى إدراج اسمه عليه، لأن الأسلوب والمعالجة التي يعتمدها تعكسه وحده، وهذا أقصى ما يتمناه أي مخرج في العالم، وهو أن يصل إلى هذا التميز والاختلاف في صناعة الأفلام وإخراجها، في عالم يعج بالمخرجين.



الحفر في مسالك السينما وشعابها
يمتلك الفيلم الوثائقي "تايم لايف" 2019 لحميد بن عمرة خصائص سردية وجمالية منوّعة صنعت تميزه، إذ انعكست فيها مقدرة هذا المخرج في التعامل مع كل تفصيل بذكاء، وأكثر من هذا ولّد من هذه التفاصيل لغة سينمائية قوية يجمعها رابط فلسفي عميق وهو "الإنسان" وعلاقته مع الفنون والطبيعة والحياة والجسد والتشكّل والخلق والأشياء التي تحيط به،

وحفر عميقا في "ماهيّته" ليلامس شغاف القلب والروح، يحلل معادن البشر واختلافاتهم، كما طرح الكثير من الأسئلة الوجودية التي تبحث في أسباب التشظي الذي يصبيه – أقصد الإنسان- في مراحل حياته المختلفة، جرّاء الحروب والنكسات والسقوط الذي يمكن أن يحدث له في أي نقطة من هذا العالم، يمكن أن تتجسد في ذاتية "المخرج" الذي ظهر العديد من المرات في الفيلم، يسرد علاقته التكاملية بهذا العالم، ويفسر مدى قربه من الكاميرا التي ترافقه أينما رحل وارتحل، يلتقط بها كل ما يرى بأنه يتناسب والسينما. ولتعزيز هذه الذاتية نرى صورته هو شخصيا وهو يطل من نافذة طائرة ينظر إلى المدى والفضاء الممتد، يركب القطار الذي يلتهم المباني والمسافات، يطل من شرفة البيت يتأمل الوجود من عل، أو من خلال نظرات تأمل عميقة  لزوجته ستيفاني بن عمرة بطلة هذا الفيلم وشريانه، هذه الممثلة عكست في العمل العديد من الشخصيات باحترافية، فهي: المرأة/الأم/الزوجة/الصديقة/الزميلة/البطلة: المعادل الحقيقي للسينما، كل تحركاتها ومشاهدتها تحيل مباشرة إلى الحياة وتذهب لعمقها، أو لنقل تشير مباشرة إلى "زمان الحياة" وهو المعنى الذي تم اختياره ليكون عنوانا للفيلم، وتؤكد ستيفاني هذا من خلال أنوثتها، مشيتها، تعبيراتها، سردها الشعري، رقصها، حركاتها الرياضية، مشاهدها وهي في الحقل والشاطئ، لدرجة أنها توحدت مع عناصر الطبيعة وأصبحت جزءًا منها، وكأن المخرج حميد بن عمرة يريد إخبار العالم بأن المرأة هي جزء يصنع الحياة ويولّدها، وأكثر ما جسد هذا الطرح في "تايم لايف" هو مرافقة الكاميرا لعملية الإنجاب الطبيعي الذي قامت به ستيفاني  في البيت وبدون أي مساعدة، أنجبت "إنسانا" لهذا العالم، بعيدا عن الأطباء والمستشفيات، حتى أنها وجدت بعد هذا صعوبة في تدوين اسمه في سجلاّت الحالة المدنية، ومن هنا تبدأ الأسئلة العميقة، عن الوجود، وتبعية الإنسان إلى الآلة، وإلى التطور والحداثة، وهروبه من أبجدية الحياة بعمقها وسطحيتها، وابتعاده عن المباهج الجديدة، حتى يعود إلى المبتدأ، ليتصالح مع ذاته ومتغيراته التي عبثت بها أيادي الزمن. كما كان المخرج السوري محمد ملص أحد أبطال هذا العمل يوازن الخط الثاني الذي يسير جنبا إلى جنب مع الخط الذي تمثله الممثلة ستيفاني ويحفظ توازنها، وأكثر ما يمثله هو الشغف بالصورة وتجلياتها، العلاقة مع الكاميرا وكيفية النظر لها،

التوحد مع السينما إلى غاية أن يصبح فيها هو والسينما شيئا واحدا، وهي الحياة بكل ما تجمعه. وقد استطاع حميد بن عمرة أن يستثمر وجود هذا المخرج المهم في فيلمه حتى يستخرج منه تلك العلاقة، بدون أن يلجأ الى المقابلات الكلاسيكية التي تعتمد على السؤال والجواب، بل من خلال خلق الصور المعبرة والمجسدة لهذه الحالات، وعكسها كلغة سينمائية في المتن. وكمثال عن هذا التجسيد، قام بن عمرة بخلق مشهد قام فيه المخرج محمد ملص بتسلق سلّم وهو ينادي بصوت مرتفع "حرية..حرية...حرية"، وهو مشهد عميق وذكي، يعكس أولا ما يصبو إليه المخرج وما يريده، والشيء الثاني هو تجسيد حرفي لعنوان فيلم محمد ملص "سلّم إلى دمشق"، لكن سلّم حميد بن عمرة كان يتجه نحو السماء، نحو الحرية والانعتاق، وهو المنطلق الذي يتقاطع مع غاية محمد ملص، والذي قال جملة هامة تعكس بشكل قطعي علاقته بالسينما :"السلاح الوحيد الذي لدي هو الكاميرا"، وحتى تكون متعة الحفر في مسالك السينما أعمق وأجمل؛ يستعين بن عمرة بالناقد السينمائي الأردني عدنان مدانات، الذي قدّم شهادة في حق المخرج حميد بن عمرة، ورغم أنها جاءت على السريع، وهذا ما زاد في أهميتها، وهذا حين قال عن حميد بن عمرة بأنه "مخرج مختلف يشبه ماياكوفسكي"، والأخير هو شاعر ومناضل روسي كبير، انظم إلى جماعة المستقبليين التي نادت بضرورة التمرد على الماضي والإطاحة بالتراث الكلاسيكي، وهي مقارنة مهمة جدا أصاب فيها عدنان مدانات لوصف سينمائية حميد بن عمرة.

من فيلم "تايم لايف" 


















التعامل مع الكاميرا بدون عقدة
جاءت فضاءات فيلم "تايم لايف" 2019، مبهجة وغنية بالحركة والحياة، تحتفي بالألوان التي تريح البصر، وتستحوذ على تركيز المتلقي، مثل اللون الأحمر الذي انعكس في فستان الممثلة سيتفاني، وحذائها ذي الكعب العالي، أو اللونين الأزرق والأصفر وباقي الألوان الأخرى، وتسييرها في فضاءات خارجية يعكسها مثلا شخص على شاطئ البحر،

وآخر أعلى شجرة يتخذ هيئة عصفور، لمسة يد على عارض حديدي، نظرة شاملة على ما يحدث الثلج من متغيرات، وأكثر من هذا اختيار الوقت المناسب من السنة لالتقاط هذه المشاهد القوية والنقية، حيث يكون الطقس فيها مواتيا للتصوير، تكون الإضاءة فيه طبيعية ومريحة للعين، حيث تسهل من عملية خلق صور حية نابضة بالحياة، لا تعكس الفن السينمائي فقط، بل تتعداه إلى الفنون الأخرى، مثل الفوتوغرافيا والتشكيل، حتى الفضاءات الداخلية التي تقلص عادة من فرص تنوع الصورة ونقائها، غير أن حميد بن عمرة استطاع أن يستثمرها بطريقة جيدة، من خلال تأثيث الديكور بأشياء تسيّر بالمتلقي إلى بؤر معينة، إطار معلق على الجدار مثلا، كاميرا في يد ابنته، تعليق من شخصية ما، وعندما يريد تحويل التركيز إلى شخصية معينة أو صوت ما يقتل تلك الإكسسوارات ويحجبها، ليس بتشويش الصورة، إنما من خلال خلق بؤرة قوية تحتم على المتلقي إتباعها.

كما أن المخرج استطاع أن يقتل عنصر الوقت في فيلمه الذي تقدر مدته الزمنية بـ ( 110 دقائق)، وجاء هذا من خلال تنوع المشاهد وكثرتها واختلاف زوايا تصويرها، واعتمد في المونتاج على المشاهد القصيرة التي لا حشو فيها، ينتقل من خلالها من لقطة إلى أخرى بكل سلاسة، لتأتي مشاهده مولدة للمعنى ولا ثرثرة فيها، ولا اقصد بالثرثرة الكلام الملفوظ، بل اللقطات التي يتم تمديدها زمنيا، ولكنها في المقابل لا تقدم أي قيمة درامية أو فنية، كما خلق بالمونتاج لغة سينمائية ثالثة ساندت المنطوق والمصور، وكل هذا تصاحبه موسيقى - أفريقية على الغالب- سريعة الإيقاع تُحاكي المشاهد القصيرة، ما خلق فيلما يحبس الأنفاس، يسرق انتباه كل من يشاهده، وأكثر من هذا شاعريًا إلى أبعد حد.

يتعامل المخرج مع الكاميرا بكل راحة، كما يُظهر شغفه الكبير بهذه الآلة في كل ثنايا الفيلم وزواياه تقريبا، أين يمكن للمشاهد أن يرى ملتقط صور أحد مشاهد العمل بشكل عادي، وربما يكون هذا الشخص أحد ضيوف الفيلم كمحمد ملص مثلا، أو إحدى بناته الثلاث،

أين يظهر المُصور وهو يمسك الكاميرا في إطار اللقطة بشكل عادي، وربما ينعكس هذا في مرآة ما، كما حدث مع المخرج شخصيا في نواح عدة من العمل، إذ يتعمد هذا الظهور عن طريق انعكاس صورته في المرايا، وقد فعل هذا أكثر من مرة في أفلام أخرى، من هنا تظهر هذه المصالحة بينه وبين تلك الآلة التي تنقل شغفه الكبير، كما نلاحظ بأنه نقل هذا الشغف إلى بناته الصغيرات اللاتي نراهن في الفيلم وهن يحمل كاميرات ويصورن ويؤثثن بعض المشاهد ببراءتهن، ليكون الفيلم أكثر ذاتية للمخرج، ويؤكد من خلاله مدى اختلافه عن باقي المخرجين. كما أثبت أنه مخرج مختلف ومتمرد على السائد، استطاع أن يصنع فيلما سينمائيا مختلفا عن الأفلام العربية وربما حتى عن الأفلام الأجنبية الأخرى.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.