}

معرض بول سينياك.. سندباد الإبحار في اللون

أسعد عرابي 7 يونيو 2021
تشكيل معرض بول سينياك.. سندباد الإبحار في اللون
بانوراما للبحر الأبيض المتوسط من مركب بول سينياك

ما إن رفع الحظر الصحي العام (بسبب جائحة الكورونا)، حتى افتتح في اليوم نفسه، أي 20 أيار/ مايو، "متحف جاكومار أندريه" موسمه التشكيلي بفنان رائد يعتبر بوابة للحداثة والمعاصرة، هو المعلم بول سينياك (مولود في باريس عام 1863 م، ومتوفى فيها عام 1935 م). المعرض مستمر حتى التاسع عشر من تموز/ يوليو 2021 م.
سينياك نادرًا ما كان يستقر في طقس باريس الضبابي الرطب. فهو على سفر دائم في اتجاه دفء البحر الأبيض المتوسط في الجنوب، ييمم شطر "سان تروبيز" كل عام مستجيبًا إلى حنين غامض لعباب وموج بحره.

بول سينياك يرسم من مركبه مرفأ لاروشيل


تجتمع على جدران العرض، لأول مرة، سبعون لوحة استعيرت من مجموعات خاصة، يعرض أغلبها لأول مرة، وتصور في مجملها أسفار فناننا، سواء في عرض البحر، أم على مرافئه المتوسطية، عبورًا من فينيسيا (البندقية)، إلى اليونان، ولا يتوقف حتى بلوغه إسطنبول.




لوحات مسافرة صغيرة الحجم متفجرة الألوان سليلة التقاليد الانطباعية. فالتحول من المحترف الساكن إلى التصوير في المركب المائي وفد من مبادرة كلود مونيه بمركبه العائم على نهر السين، ثم انتقل إلى مركب أسفار متباعدة لدى محترف سينياك مع شده الترحال في عباب البحر.

* * *

يسمي بول سينياك مجموعته (بصفته المنظر للحركة) بـ"التجزيئية"، لكن الصحافة والنقد أشاعا مصطلحًا موازيًا لا يخلو من السخرية هو "التنقيطية"، تيمنًا بحياكة لوحاتهم بما يشبه التنقيط، وتأثيرهم على طباعة نقاط الأوفست والبث التلفزيوني. من أبرز الأسماء في المجموعة جورج سورا (توفي باكرًا، ويعده النقاد أشدهم موهبة، لكن جورج غروس كان أقربهم إلى التوليف بين تماوجات البحر والمدرج الموسيقي). وكان الانطباعي كامي بيسارو متميزًا ضمن مجموعته بالمبادرة التجزيئية. خُصص في المعرض لهذه المجموعة عشرون لوحة مستقلة في صالة خاصة.

مرفأ أنتيب، محطة مرَّ فيها سينياك 


استمرت، إذًا، هذه المجموعة في منطلقات التصوير الانطباعي محاولة الوصول به إلى أبعد من ذلك، وكان كلود مونيه بادر على هدي عالم البصريات شيفرول (وكتابه الموجه لحياكة ألوان الأقمشة والسجاجيد) إلى استبدال الخلط الكيميائي لعجائن اللون على الباليتا (صفيحة الخشب التقليدية)، بالوهم الفيزيائي بالتوليف البصري على شبكية العين. وذلك في الهواء الطلق، متحررًا من عتمة المراسم الكلاسيكية، يكفي أن نجاور لمسة اللون الأزرق بالأصفر حتى تراهما العين أخضر، منتعشًا بضوء الشمس والأرضية الناصعة البياض، ثم إن توخي اقتناص المقام اللحظي لزمان المشهد الطبيعي قاد إلى التسارع في أداء اصطياد المنظر قبل تبدل ألوانه، خاصة إذا كان الضباب يغلق الطبيعة. بول سينياك أراد أن يذهب في مختبره أبعد من هذه الآلية الديكارتيّة. أن يعدم أي أثر للتراكم اللوني، أو الصقل (رواسب منطق مقابلة مساحة النور بظلها المقابل)، وذلك بإنعاش الصراحة القزحية للون عن طريق رصف حياكة متجانسة من تموضعات اللمسات اللونية الأولية الست، معبرًا عن هذا التحول: من "الانطباعية إلى ما بعدها"، بعبارته النخبوية: "التجزيئية". ثم يشرح هذه المنطلقات الانعطافية في كتابه الشهير.




يبدو أنه لم يكن من السهل على بول سينياك تطويع قناعات جورج سورا (بقوة شخصيته وفنه المغاير لتنظيراته، ولو في حدود التفاصيل). هي إحدى الأسباب التي دفعته إلى تأليف كتابه الذي ينظر للاستراتيجية التجزيئية للفريق بكامله بصفته المسؤول، والمنظر الوحيد الذي يمثلها. فكان عنوانه شموليًا مؤسسًا للنقد خلال فترة تفريخ المدارس والتيارات.



"من أوجين دولاكروا إلى ما بعد الانطباعية"

جزيرة كورسيكا في لوحة سينياك


يُعدُّ الكتاب النقدي المعاصر الأول بعد كتاب أميديو فاساري، المصور العبقري، والمنظر الأول لعصر النهضة الإيطالية. صدر كتابه في نهاية القرن الخامس عشر، وعرّفنا من خلاله على رواد عصر النهضة الثلاثة، رافائيل، وليوناردو دافنشي، وميكيل أنجلو، وسواهم. كتاب سينياك أشد تأثيرًا، لأنه يفرق بين كتابة الفنانين أنفسهم، كوثيقة، أو شهادة تاريخية (بما فيها بيانات عصر تفريخ التيارات والمدارس وتسمياتها)، والفرق بين مهنة النقد الفني (القائم على التحليل) والانتقاد السلبي بمعناه الاستهلاكي (الصحافي)، وهو رأي فاساري نفسه. ويعرض هذا الكتاب للرحلة الفنية الحاسمة للرومانسي، أوجين دولاكروا، إلى الشرق (المغرب ثم الأندلس)، مسجلًا في دفتريه الثمينين ما أثاره كرسوم في الفن الإسلامي، ظهرت ثمرة هذا السفر في الأخير عند عودته، فأصبح يرسم الخط باللون الأحمر القاني بدلًا من الأسود. وازدادت لوحاته إشراقًا.




وهو ما حصل بعد عقود، مع بول كلي، ورحلته إلى تونس، وما جرى خلال أسفار سينياك، ومع هنري ماتيس، في قرطاجة، وما جرى مع رامبرانت نفسه بالنسبة إلى المنمنمات المغولية في شمال الهند.
يشرح الكتاب، إذًا، أن التجزيئية، أو التنقيطية، تمثل مرحلة متوسطة برزخية بين الانطباعية (ممثلة بمنهج كامي بيسارو، ومبادرته في هذا الاتجاه المتقدم)، وما عرف بتيارات "ما بعد الانطباعية"، ومنها بول غوغان (الرمزية)، الذي يقول: "إن الإنطباعيين يبحثون حول العين، وليس في المركز الخفي للفكر". وكذلك زميله فان غوغ (التعبيرية البسيكولوجية، أو الهمودية). وكذلك بيير بونار، الذي تمسك بداخلية المكان المنزلي، وعدم الإذعان لدعوة التصوير في الهواء الطلق، معتمدًا على مفاهيم الذاكرة والديمومة لدى الفيلسوف، هنري برغسون، مؤلفًا مجموعة (المتنبئون، أو الأنبياء)، هم الذين خرجوا بمواهبهم عن تقاليد الانطباعية. لكن أبرز مجموعة ما بعد الانطباعية كانت "الوحشية"، التي أسسها هنري ماتيس عام 1905م، إلى جانب أندريه ديدان، وجورج براك، وفلامينغ، وسواهم، حيث استخدموا جميعًا التقنية التنقيطية، مثلهم مثل "المستقبليين" في إيطاليا. علمًا بأن عصيان سيزان للانطباعية قاد في ما بعد إلى التكعيبية (بابلو بيكاسو، وجورج براك، ثم جوان غري، وفرناند ليجية).

التوقف عند مدينة البندقية


يمثل، إذًا، هذا الكتاب التحول من الرومانسية والكلاسيكية المحدثة والرمزية والاستشراق إلى رحاب شتى تفرعات ومخاضات وعصيانات الانطباعية. فإذا كانت لوحاته في المعرض تترصّد مشاهد أسفاره المتوسطية، التي انتهت إلى التجزيئية نفسها في الفسيفساء البيزنطية العثمانية، بمكعباته الصغيرة المزججة والمشوية، فإن كتابه يجسد الجانب النظري في قيادته للمجموعة الثورية. بقي أن نستدرك احتواء المعرض على عدد من اللوحات الورقية المائية التي تسجل لحظات التوقف خلال أسفاره على بعض المرافئ والمدن، ويصور فيها المراكب الشراعية والشواطئ، وسواها من القلاع. مجموعة أوراق تشبه دفاتر سياحة معلمه، أوجين دولاكروا، في فنون شرق المتوسط بين المغرب والأندلس. لذلك دعي فناننا "سندباد بحر الألوان".

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.