}

شريهان "كوكو شانيل".. نجمة من "مملكة الزوال"

وائل سعيد 3 أغسطس 2021

ربما الحدث الأهم في عمل كمسرحية "كوكو شانيل"، هو عودة نجمة الاستعراض المصرية شريهان بعد غياب طويل عن المشهد الفني اقترب من عقدين منذ فيلمها الأخير "العشق والدم 2002 – إخراج أشرف فهمي"، وثلاثة عقود منذ ظهورها على خشبة المسرح: "شارع محمد علي 1991 – إخراج محمد عبد العزيز".

تتوقف القصة عند محطات من حياة أسطورة الموضة الفرنسية "كوكو شانيل 1883/1971"؛ بدءًا من النشأة في ملجأ أطفال، ومرورًا بالصعاب التي واجهتها في شبابها كمصممة أزياء تعاملت بمنهج البساطة وبفكر مغاير مع الموضة، إلى أن أحدثت طفرة غير مسبوقة في هذا المجال، جعلت مجلة "التايم" تختارها ضمن لائحة أهم الشخصيات العالمية الأكثر تأثيرًا في القرن العشرين؛ خاصة بعد ارتباط اسمها بالعديد من المشاهير عالميًا.   

عُرضت المسرحية أول أيام عيد الأضحى عبر منصة "شاهد"، وهي من إنتاج شركة العدل جروب برعاية الهيئة العامة للترفية في السعودية التي تُعاود تقديم المفاجآت للجمهور بعد حصولها على حقوق مسرحية "بودي جارد لعادل إمام 1999" في عرضها الأول منذ شهرين بعد تجميدها 22 عامًا.

قدمت شريهان عشرات الأعمال الفنية المتنوعة بين السينما والمسرح والدراما التلفزيونية، اتضح من خلالها مدى ما تتمتع به من قدرات تمثيلية لولا غلبة الطابع الانفعالي – المتزايد في كثير من الأحيان-  ليبقى تميزها الملموس في فن الاستعراض، وخاصة في مجال الفوازير.

الفوازير وفن الاستعراض     

بدأت الإعلامية المرموقة آمال فهمي فكرة تقديم الفوازير في شهر رمضان رغبة في تسلية جمهورها الصائم، من خلال برنامجها الإذاعي "على رأي المثل 1960". وسرعان ما انتقلت إلى التلفزيون مع بداية انطلاقه، بثلاثي أضواء المسرح "سمير وجورج والضيف أحمد". وفي منتصف السبعينيات اقتحمت الفنانة نيللي مجال الفزورة بمرونة لا تضاهى، مُسجلة العدد الأكبر في حصيلة الفوازير الرمضانية حتى منتصف التسعينيات. وفي الثمانينيات قدم الفنان سمير غانم نسخة جديدة من الفوازير تحت عنوان "فطوطة"، استطاعت اجتذاب الجمهور المصري والعربي على حد سواء، بعد طول احتكار لنجمتي الاستعراض نيللي وشريهان.

لمعت ثلاثة أسماء لنجوم خلف الشاشة في هذه المرحلة، ساهموا في معظم الأعمال المُقدمة، وعلى رأسهم المخرج فهمي عبد الحميد، الذي يُعد الأب الروحي في مجال الفوازير، بمصاحبة الكاتب عبد السلام أمين، تأليف وأشعار، وتصميم الاستعراض والرقصات للفنان حسن عفيفي والذي كثيرا ما كان يشارك كراقص أيضًا.


بظهور شريهان منتصف الثمانينيات في حلقات "ألف ليلة وليلة"، ومن بعدها فوازير "حول العالم"؛ ارتبطت الفوازير بفن الاستعراض وهو ما جعل البعض يحاول تكرار التجربة الاستعراضية لاحقًا حتى مطلع الألفية الجديدة، منهم شيرين رضا، سماح أنور، نادين، لوسي، نيللي كريم، لا سيما في ظل غياب الثنائي الأشهر نيللي وشريهان، إلا أن تلك المحاولات لم ترقَ إلى ما تم تقديمه سابقًا.

أما عن دراما الحركة نفسها، فسنجد امتدادها الطويل في التاريخ المصري منذ عهد الفراعنة، حيث سجلت نقوش المعابد العديد من القصص والحكايات كانت بمثابة بدايات أولية للدراما التعبيرية والرقص الإيقاعي وفن الباليه. ولا ننسى أيضا تاريخًا طويلًا من تراث الفولكلور الشعبي بمختلف تنويعاته.

رغم ذلك الميراث الضخم، لم يلمع سوى بعض الأسماء القليلة في هذا الفن الذي استقلبته السينما بحفاوة كبيرة منتصف القرن الماضي، فتألقت أسماء مثل نيللي مظلوم، كيتي، نعيمة عاكف وفريدة فهمي. اللافت للانتباه هو الغلبة لمشاركة المرأة في ذلك الميدان في غياب ملحوظ لتواجد الرجل، باستثناء الفنان محمود رضا مؤسس "فرقة رضا" التي قامت بتقديم العديد من الأعمال - محليًا ودوليًا- على مدار ما يزيد عن نصف قرن قبل أن ينتقل المُسمى تدريجيًا من نطاقه وتستخدمه الراقصات في خانة المهنة بالهوية الشخصية.

ولنعد مرة أخرى لشريهان.

   
حكايات ذاتية الصُنع

في رمضان الماضي، ظهرت الفنانة شريهان بعد غياب طويل في إعلان تجاري لإحدى شركات الاتصال في مصر، وقد يكون هذا الظهور بمثابة اختبار في نفس النجمة الغائبة للتعرف على مدى فعالية تجاوب جمهورها القديم، خاصة وقد أعربت عن سعادتها واندهاشها بالحفاوة الشديدة التي قُوبلت بها من المُشاهدين والتي فاقت توقعاتها. اللافت في القصة الدرامية للإعلان هو استدعاؤها لجزء من سيرة شريهان الذاتية يتعلق بالحادثة الشهيرة التي تسببت في خضوعها للعديد من العمليات ومراحل علاجية طويلة امتدت لسنوات، وهو نفس ما تكرر في دراما مسرحية "كوكو شانيل" التي كتبها وألف أشعارها مدحت العدل. 

في المقدمة يُخبرنا تتر المسرحية عن مشاركة البطلة في الرؤية الفنية للعمل، علاوة على أن الفكرة نفسها لشريهان، ثم تنويه - لا محل له من الإعراب- يؤكد أن "هذا عمل فني وليس مادة إعلانية مستوحى من قصة واقعية وتم تغيير الأسماء والأحداث لتلائم السياق الدرامي"- وكأنه تأكيد على أن العمل لا يخص حياة بطلته- وأخيرًا وصف للمسرحية بأنها "انحناءة شكر لعموم المرأة في العالم".

ابتعدت شريهان كثيرًا عن تقمص روح الشخصية المقدمة مرتكنة على سيرتها الذاتية على مستوى الأداء والتمثيل، حيث نستطيع العثور على ظلال لأكثر من شخصية قامت بتقديمها سابقًا. كما نلمح إشارة تربط بين ما حدث لشانيل مع أحد الضباط الألمان، وما حدث لشريهان مع نجل الرئيس السابق حسني مبارك.   

لقطة من مسرحية "كوكو شانيل"



صورة وكتابة وإخراج

يقول مخرج الإثارة هيتشكوك إن عناصر الفيلم الجيد ثلاثة: "السيناريو. السيناريو. السيناريو"، وهو ما يبرز أهمية الكلمة المكتوبة "الورق" في البناء الدرامي، ويوضح أحد مسببات ضعف العمل الفني، كما حدث مع مسرحية "كوكو شانيل" لا سيما وأنها التجربة الأولى لكاتبها في المسرح، رغم تنوع أعماله في السينما والدراما التلفزيونية.

لكن السقطة الأكبر في مسرحية العدل تمثلت فيما يمكن تسميته "بكتابة التفصيل"، حيث نسي المؤلف الشخصية الرئيسية في كثير من المواقف أثناء محاولته جاهدًا استحضار تاريخ البطلة المحبوبة، والنتيجة كانت أشبه بالهجين، على مستوى رسم الشخصيات والأحداث والحوار، كما تسللت الروح المصرية لمستويات عديدة من الحوار رغم أنه من المفترض أن يدور في فرنسا مثل نداءات للبيع من قبيل "قرب.. جرب.. معايا الشابوه"، أو أغنية المحاكمة ونستمع فيها "اللي خانت دم أخوها".

لن يبتعد الأمر كثيرًا في طريقة إخراج هادي الباجوري- وهي تجربته الأولى أيضا على خشبة المسرح-، التي حاولت المراوحة بين العناصر المسرحية والسينمائية، رغم ذكائه في استبقاء صورة شريهان القديمة الماثلة بقوة في أذهان جمهورها، بإبعاد الكاميرا عن وجهها مسافة كافية طوال العرض.  

ويبقى التميز الأكبر لمصمم الاستعراضات هاني أباظة، الذي تعامل برهافة وفطنة مع المعطيات الجديدة لجسد البطلة؛ فجاءت الرقصات كلها بسيطة في حركاتها من قبل المجاميع لتتجانس مع حركات شريهان الأكثر بساطة.  

تنتهي المسرحية بشانيل تجلس على ماكينة الخياطة متحدية ما مرت به ومُصرة على المضي قدما في تدوير الماكينة حتى تسكت فجأة وتبدأ في الصعود كأيقونة في عالم من السحر والخيال.


مملكة الزوال

وصف الفيلسوف الفرنسي جيل ليبوفتسكي مملكة الموضة بأنها زوال متجدد، متتبعًا تاريخ الظاهرة ومحطاتها المختلفة في مجتمع ما بعد الحداثة لفهم نطاق السلوك المتغير للإنسان؛ حيث (الرؤية الجدلية للحداثة تؤكد الأداء التدريجي للعقلانية العالمية من قبل حركة مضادة ذات توجهات خاصة، ولكن قوة الحكم الذاتي للمجتمع مرتبة حسب الموضة، فتعمل على العقلانية والرعونة؛ ترجمة دينا مندور- المركز القومي للترجمة). وهو ما يفتح الباب للتفكير في موضوع فن الاستعراض الذي أعادته شريهان في قالب يتقصى مسألة الموضة؛ تلك الموضة المتغيرة دائما كي تواكب تطور المجتمعات وتغيراتها المستمرة، لا سيما وخلال الفترة الماضية - منذ عرض المسرحية- غلبت الحفاوة في موضوع استقبال عودة شريهان، وتواترت العديد من التصريحات كان من أبرزها حديث العدل عن مشروع كبير سيخرج للنور في الفترات القادمة تباعًا من خلال عدة أعمال من بطولة شريهان، تتمحور حول تقديم بعض الشخصيات النسائية في تاريخ الفن، ما يلقي بحمل كبير على عاتق النجمة العائدة، كي لا تقع في فخ الغواية لمملكة الزوال.
 

لقطة من "كوكو شانيل"

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.