يقدم الفنان الفلسطيني زيد هلال في مشروعه الطموح "وعد فولكلور 1917" ما هو أبعد من مجرد إعادة إحياء للأغاني التراثية الفلسطينية. إنه يقدم رؤية فنية متكاملة، ومشروعًا ثقافيًا يعيد قراءة التاريخ وصياغة الهوية في قالب موسيقي معاصر.
اختيار عام "1917"، في إشارة واضحة إلى وعد بلفور، ليس مجرد عنوان، إنّه الإطار الذي يضع هذا العمل الفني في سياق المواجهة المستمرة، حيث يصبح الفن والفولكلور سلاحًا لحراسة الذاكرة وتأكيد الوجود.
المشروع الذي خرج في شكل ألبوم غنائي موسيقي في ثماني أغنيات يبرع في تقديم صورة غير نمطية ومتعددة الأبعاد للهوية الفلسطينية، متنقلًا ببراعة بين حالات شعورية مختلفة تجتمع لتشكل وجهًا كاملًا للإنسان الفلسطيني.
ثمّة وجوه متعددة لـ"وعد فولكلور 1917"، أولها وجه التحدي والمواجهة: الذي يتجلى في أغانٍ مثل "حيّد"، و"الأعادي"، و"شيل شيل""... هنا، لا نجد الحزن، أو الشكوى، إنّما التحدي الصريح والمباشر.
أغنية "حيّد" أمر مباشر للمحتل بالابتعاد، مدعومة بصوت السيدة بدرية يونس الأرشيفي الذي يمثل صوت الأرض والجذور، ليرد عليه جيل زيد هلال بطاقة الروك، مؤكدًا استمرارية الصمود، أما "الأعادي" فتنتقل من نداء الأخوة ("خيّا يا سامي") إلى نقد سياسي حاد في مقطع "راب" جريء يربط التراث بهموم الحاضر.
ويحضر أيضًا وجه الحب والجمال الإنساني، حيث يكشف الألبوم عن قلب فلسطين النابض بالحب والجمال. أغنية "يا عيونك" هي قصيدة غزل رقيقة، تتحول فيها الحبيبة إلى رمز للوطن، وتصبح تفاصيلها (عيونها، كفوفها) استعارة لجغرافية الأرض وجمالها. وبالمثل، تقدم أغنية "زهرة" الفرح كفعل مقاومة، حيث تصبح الدبكة ورقصة الفتاة التي تزينها الكوفية احتفالًا بالهوية واستمرارية الحياة.
أما وجه الفداء والتضحية، فيبرز كقيمة إنسانية عميقة في أغنية "بيا ولا بيك"، التي هي أغنية فداء لا تكتفي بالتمني بتحمل الألم عن الحبيب (الذي يرمز للوطن)، بل تعد بالسهر والمداواة، محولةً الحزن إلى فعل صمود إيجابي من خلال التكاتف والرعاية.
| |
| تنقسم أغنيات "وعد فولكلور 1917"، إلى قسمين، حسب الفنان زيد هلال في حديثه مع "ضفة ثالثة"، كل منهما يضم أربع أغنيات |
وتنقسم الأغنيات في "وعد فولكلور 1917"، إلى قسمين، حسب الفنان زيد هلال في حديثه مع "ضفة ثالثة"، كل منهما يضم أربع أغنيات، أولها الأغنيات الفولكلورية التي قام بإعادة تقديمها على طريقته، وهي: "حيّد"، و"يا عيونك"، و"بيا ولا بيك"، و"الأعادي"، التي اكتشفها وقدّمها للمرّة الأولى، في حين أن الأغنيات الأربع التي تشكل بمجموعها القسم الثاني، أي الأغاني التي كتب كلماتها من روح الفولكلور، وقام بتلحينها وتوزيعها بشكل ينسجم مع طريق التلحين والتوزيع في أغنيات القسم الأول. وهذه الأغنيات الخاصة، هي: "شيلي شيل"، و"زهرة"، و"أصحاب الليل"، و"أنا من فلسطين".
ولكل أغنية من الأغنيات حكايتها، التي فصّلها هلال، فأغنية "حيّد" تعكس الحياة السياسية والاجتماعية في فلسطين والأردن، حيث تدور أحداثها حوالي عام 1936، في ثورة فلسطين الكبرى، إثر القمع والظلم القائم من قبل الانتداب البريطاني، وتدور حكايتها بين غبيشي الثائر، وحسنى الجميلة، بحبهما لبعضهما، بحيث تقدم غبيشي للزواج منها، لكن والدها يرفضه لأسباب طبقية ومجتمعية، فيهربان، ما يدفع الأب إلى الاستعانة بالقائد العسكري "أبو حنيك" (البريطاني المعروف بغلوب باشا) لقتل غبيشي، واستعادة ابنته حسنى، حيث قام الفنان زيد هلال بالاستعانة بصوت الفنانة بدرية يونس منذ خمسينيات القرن الماضي، وإضافة توزيعه وصوته إليها لتجسيد الحالة بشكل متجدد من دون خدش روح الأغنية الأصلية.
أما أغنية "بيا ولا بيك"، فهي من التراث الشعبي في منطقة حوران، وهي منطقة تاريخية تقع جنوب سورية، وتمتد إلى شمال الأردن، وتتميّز بثقافتها البدوية والفلاحية الغنية، وتحكي الأغنية قصة حب حزينة بين شاب وفتاة فرقتهما الظروف الاجتماعية والمادية، بحيث حُرمت الفتاة من معشوقها لفقره، ومن ثم زُوّجت لغيره، فعبّرت عن ألمها ليلة زفافها بهذه الكلمات، التي أصبحت لاحقًا أغنية تراثية تتناقلها الأجيال، وتجسّد وجع الفراق والحرمان والخذلان من المجتمع، كما تعكس مشاعر العاشقَيْن اللذين فرض عليهما واقع لم يكونا يرغبان فيه.
أغنية "الأعادي" هي واحدة من الأغاني التراثية الفلسطينية غير المعروفة التي قام هلال بإعادة إحيائها بالتعاون مع "جفرا" للإنتاج الفني في مدينة رام الله الفلسطينية، حيث بدأت الفكرة من فيديو لـ"حجّة" فلسطينية (مسنّة) كانت تغنّي داخل خيمة تقليدية وهي ترتدي الثوب الفلسطيني المطرّز، فقام باستخراج صوتها من الفيديو، وبنى عليه توزيعًا موسيقيًا جديدًا يمزج بين صوتها الفطريّ التراثي والصوت المعاصر، تتناول كلمات الأغنية روح المقاومة والحيرة التي عاشها الفلسطينيون خلال بدايات الاستعمار البريطاني، حيث يقول أحد الأسطر: "هاتوا الجريدة وهاتوا قلمها، تنشوف فلسطين مين استلمها"، في إشارة إلى حالة الضياع التي تبعت وعد بلفور عام 1917، حين سلّمت بريطانيا فلسطين للحركة الصهيونية من دون إرادة شعبها، وقدمها هلال، كما أشار لـ"ضفة ثالثة"، كمثال لما يمكن إنجازه من خلال إعادة إحياء الأشعار والأغاني الفلسطينية التراثية المنسية بتوزيع حديث.
"زهرة" الأغنية التي كتبها بنفسه، تحمل اسم جدّته لوالدته، والتي لطالما كانت ترتدي "المنديل" الفلسطيني والثوب المطرّز، رمزًا خالدًا للمرأة الفلسطينية. في هذه الأغنية، يتخيّل "كيف كان أجدادنا يحبّون بعضهم بعضًا، ذلك الحبّ الخجول، الرقيق، والبسيط... إنها تحية لذاك الزمن القديم، حيث لم تكن المشاعر تُقال بالكلمات، بل تُحسّ في النظرات والأحلام الصامتة، حيث الرجل في الأغنية يتردد في الاقتراب من الفتاة، لا يعرف حتى اسمها، لكنه يتخيل مستقبله معها، يبنيان بيتًا صغيرًا، ويجلسان معًا في ساحة الدار تحت شجرة الياسمين"، لذا فإن "زهرة" الجدّة، تظهر هنا أغنية عن الحب البريء، النقي، الذي يعكس تراثنا وهويتنا.
أغنية "شيل شيل"، أو "تحيا فلسطين"، والتي تحوّلت إلى أيقونة عالمية عبر المواقع الموسيقية المتخصصة، أو كواحدة من الأغنيات التي تتردّد في المسيرات التضامنية مع الشعب الفلسطيني، جاءت "تجسيدًا للألم العميق والنداء العاجل الناتج عن الإبادة المستمرة في غزة، ولصرخات الأطفال الفلسطينيين غير المسموعة، وتعكس صمت العالم أمام هذه الوحشية"، فمن خلال دمج أصوات جوقة الفولكلور الفلسطيني من النساء الكبيرات في السن مع جوقة الشباب، يتحول هذا العرض الحي إلى أكثر من مجرد أداء فني؛ إنه إعلان عن وحدة الشعب الفلسطيني عبر الأجيال... "نحن نغني معًا، كشعب واحد، صامد في وجه الظلم اليومي، ونعيد صدى نداء للتحرير والكرامة والأمل".
ولا يمكن إغفال الشكل الموسيقي للأغنيات، الذي هو عبارة عن حوار عالمي بروح فلسطينية، فالسمة الفنيّة الأبرز لمشروع "وعد فولكلور 1917" تكمن في هويته الموسيقية المُتفرّدة، حيث الدمج الخلاق والجريء بين التراث والأنماط الموسيقية العالمية.
الفولكلور هو النواة، ففي قلب كل أغنية هنالك لحن أو روح فولكلورية فلسطينية واضحة، تقودها آلات شرقية أصيلة، مثل البزق والناي والكلارينيت، في حين يبرز التوزيع المعاصر كجسر للعالمية، حيث تم تغليف هذه النواة التراثية بتوزيعات موسيقية حديثة ومتنوعة، فنحن نسمع طاقة الروك في "حيّد"، وإيقاعات الجاز اللاتيني والسالسا الراقصة في "أنا من فلسطين"، وأجواء "الفانك" الهادئة في "أصحاب الليل"، ورقة أغاني "البلاد" في "يا عيونك"... هذا التنوع يثبت أن الموسيقى الفلسطينية قادرة على التحاور مع كل ثقافات العالم.
وتميّز الألبوم (المشروع) بالأداء الحي، حيث أن اختيار تقديم الألبوم على شكل جلسات حية قرار فني ذكي، يمنح الموسيقى طاقة خامًا وصادقة، ويخلق إحساسًا بالتفاعل الجماعي والحميمية، وكأن المستمع جزء من هذه السهرة الفنية.
وما يميز المشروع الحائز على منحة "مِشكال" للفنون الأدائيّة، أيضًا، أنه مشروع فكري، وليس مجرد أغانٍ، حيث أن "وعد فولكلور 1917" ليس مجرد تجميع لأغانٍ تراثية، بل مشروع متكامل له مفهوم ورسالة، إذ يستخدم الفن للرد على لحظة تاريخية مؤلمة، ويؤكد أن الثقافة خط الدفاع الأخير عن الهوية، كما يتميّز بالجرأة في التجريب الموسيقي، عبر القدرة الفائقة والذكية على دمج أنماط موسيقية تبدو متباعدة (مثل الفولكلور، والراب، أو الدبكة والفانك) بشكل عضوي ومقنع، ما ينتج عنه صوت جديد ومبتكر، علاوة على تقديم صورة إنسانية شاملة، بحيث ينجح في تقديم صورة متوازنة للفلسطيني؛ فهو المقاوم الشرس، وهو أيضًا العاشق الرقيق، والمحب للحياة والسمر والرقص. إنه يكسر الصورة النمطية، ويقدم الإنسان في كل حالاته.


تحميل المقال التالي...