}

من تحت الرماد: غزة كما يرسمها محمد الحاج

بثينة حمدان بثينة حمدان 25 أكتوبر 2025
تشكيل من تحت الرماد: غزة كما يرسمها محمد الحاج
من مجموعة "يوميات نازح" تحت الإبادة للفنان محمد الحاج
في غزة تنقسم حكايات المبدعين إلى ما قبل الإبادة وخلالها، فيها بدأت حكاية الفنان التشكيلي محمد الحاج، هذا مرسمه، وهذه جامعته، وفي كل شارع وحي له معرض وجداريات توثق أحلام وأوجاع مدينة باتت تحت الرماد.
في رصيده أربعة معارض فنية ضمت أكثر من مائتي لوحة استخدم فيها تقنيات مبتكرة أضافت بُعدًا ثالثًا إلى العمل، أُنتجت تحت أزيز ووجع ست حروب مرت على قطاع غزة، واليوم ما زال حيًّا بفنه فأنتج أكثر من ست مجموعات فنية تحتوي كل منها بين 13 إلى 24 لوحة عدا عن عشرات المعارض الدولية. شهدت هذه الأعمال تحولات فنية تحت الإبادة فلم يعد للوحات الكبيرة من مكان، وبات الحجم المقبول وضمن المتاح هو بحجم ورق الطباعة A4، بما يتلاءم وحالة النزوح وعدم الاستقرار وضعف الإمكانيات المادية.
محمد الفنان التشكيلي ابن مدينة غزة، ومعلم الفنون في مدرسة الكرمل الثانوية للبنين، شارك مؤخرًا في جناح إسطنبول ضمن فعاليات بينالي غزة عبر لوحات جدارية يرسمها بالنيابة عنه الفنان التركي "فرقان" حيث يعيد رسم مجموعة من رسوماته، كما يستعد للمشاركة في معارض تنظم في نيويورك، إضافة إلى مجموعة جديدة جار العمل عليها بمنحة من مؤسسة القطان لعام 2026.
فقد محمد مرسمه وسط مدينة غزة في الهجوم الثاني على مجمع الشفاء الطبي، المرسم الذي زرته شخصيًّا في كانون الأول/ ديسمبر عام 2021 وهناك شاهدت لوحات ضخمة، أذكر أن اللونين الأزرق والفيروزي كانا يمتزجان في بعض لوحاته بدرجات خارجة عن المألوف والمستمدة بالتأكيد من انعكاسات بحر غزة.
إحدى اللوحات أطلق عليها "شرف المحاولة" كانت تتحدث عن خبر تحرير أحد الأسرى، جسد فيها بألوان الفحم ألم الحرية فبدا الأسير وكأنه أحد القضبان. شاهدتُ أيضًا جدارية تمثل بانوراما لملامح الوطن من الساحل الفلسطيني وصولًا إلى الضفة والقدس، الوطن كما كان وكما هو في قلوب الفلسطينيين.

البدايات... نحو الاحتراف

محمد من قرية كوكبة قضاء غزة، ولد في ليبيا وعاش فيها طفولته إلى أن عاد وعائلته مع توقيع اتفاقية أوسلو، لكن الاحتلال رفض دخوله وعائلته وتم احتجازهم على معبر رفح مع ست عائلات أخرى، جرت مفاوضات أخرى إلى أن تم دخولهم.
درس محمد الفنون وصار معلمًا في مدرسة الكرمل الثانوية للبنين، ثم بدأت أحداث انتفاضة الأقصى وعاش معاناة الغزيين مع حاجز نتساريم وبناء المستوطنات الإسرائيلية التي طوقت القطاع.

جزء من جدارية تهدمت أجزاء منها في مدينة غزة 


أحب رسم الزخارف الهندسية والنباتية، وصقلت الجامعة موهبته باستخدام ألوان الزيت والأشغال الفنية المتنوعة لكن المناخ الغني في قطاع غزة جعل من الفن غاية ووسيلة واحترافًا استثنائيًّا أطلق إبداعه.
شارك في المعارض الفنية الجماعية مع جمعية الفنانين التشكيليين ومركز رشاد الشوا الثقافي وهي أماكن دمرها الاحتلال مع بداية الحرب، وقال: "كنت أحلم بالشهادة والوظيفة لكن المناخ الفني الغني في قطاع غزة كرّس لدي الشغف للفن وعلمني ما لم أتعلمه خلال سنوات الدراسة".
كان للفنانين الفلسطينيين في الوطن والشتات أثر كبير في صقل موهبته ونظرته الفنية ومنهم كامل المغني وفتحي غبن وسليمان منصور وفيرا تماري ونبيل العناني. وحظي مشروع تخرجه في الجامعة بإشراف الفنان الراحل كامل المغني والذي تأثر بأسلوبه، وهو عبارة عن أربعة أعمال فنية، وقد شجعه أستاذه الراحل المغني على تحويل المشروع لاحقًا إلى معرض فني.


المعرض الأول... بتوليفة خامات خلّاقة

وهكذا كان لنصائح أستاذه وملهمه أثر في تنظيم معرضه الأول بعد عامين من تخرجه أي في عام 2007 حيث قال: "جسدت أول لوحة احترافية في المعرض أعمالًا نحتية بارزة اعتمدت تقنية استخدام الكرتون وتحويله إلى مجسم ثلاثي الأبعاد وتثبيته بمواد خاصة وتوظيف ألوان الأكريليك المعتمة مع لمسة أخيرة من ألوان أكريليك نحاسية".
ساهم هذا المعرض بتحويل العمل الفني ليصبح قطعة فنية مسكوبة لفتت أنظار الجمهور والفنانين، لا سيما مع وجود العديد من المعارض التقليدية والتي تعتمد فكرة عرض لوحات أو كانفاس أو نحت على الطين كالمعتاد.

لوحة منجزة من عام 2021 


أربعة وعشرون عملًا فنيًّا تتناول قضايا تتعلق بالهوية الفلسطينية والتراث الشعبي والوطني، كما تتطرق للعمارة التقليدية والمباني وقبة الصخرة، ووحدات زخرفية مستوحاة من التطريز الفلسطيني.
واعتبر محمد أن آثار الحروب جميعها انعكست بالتأكيد على أعمال الفنانين وأقساها الإبادة الحالية، ومهما تأثرت الأدوات والرسومات لكن المحتوى ثابت، فهو يتعلق بعلاقة الإنسان بالمكان، وقال: "كنت أغير أدواتي، فكرة استخدام النحت البارز على الكرتون، وفي مرحلة ثانية رسمت بأقلام الحبر، كما استخدمت ورق الجرائد والغراء".
في عام 2013 وصلت أعماله إلى المدن الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس والداخل المحتل، في حين لم يسمح له الاحتلال بالتنقل، وساهم بأعماله في نقل موضوع العمارة التقليدية القديمة في غزة... عبر عشرين لوحة كانفاس تصويرية وحس تعبيري نقل تفاصيل حضارة عمرها خمسة آلاف عام في غزة إلى هذه المدن بل وإلى خارج فلسطين. 

"النزوح"... متلازمة ما قبل الإبادة

في عام 2021 أي قبل الإبادة نظم معرضه الثالث بعنوان "النزوح displacement" والذي ترك أثرًا كبيرًا عليه استمر إلى الآن، فقد كان يحمل استشرافًا للمستقبل عبر تركيزه على تجسيد فكرة النزوح والتهجير والبحث عن الملاذ الآمن للسكان بعيدًا عن الحروب.
توسع المعرض في طرحه ليشمل ليس فقط الحروب والأزمات في فلسطين بل وفي المنطقة العربية وتأثيرها على ديموغرافية السكان ولجوئهم للبحث عن ملاذ آمن، وكانت غزة جزءًا أساسيًّا في البحث عن الأمان.
وجاءت الإبادة عام 2023 لتطلق أضخم حالات النزوح والترحال بدءًا من غزة، وعاش محمد متلازمة الأفواج البشرية في الأعمال التي أنتجها، وهو اليوم نازح، بل نازح فقد مدينته-معرضه الأول.

فنان نازح... بلا مأوى أو مدينة

كان مرسم الفنان محمد الحاج الذي تأسس عام 2020 ويضم أعماله المنجزة وتلك التي في طريقها للعرض يزخر بالزوار بمن فيهم الفنانون الشباب، ويحتضن دورات وورشًا فنية متنوعة، وكان آخر أعماله قبل الإبادة- وهو نتاج ورشة بمشاركة مجموعة من الفنانين- معرضًا بتقنية الحفر والطباعة على الخشب والجلد بعنوان "شظايا المدينة" في المركز الثقافي الفرنسي.
حول المعرض قال محمد: "تناولنا أثر التحولات على ديمغرافية غزة المدينة والمخطط الحضري للمدينة، وهو محاولة لاستحضار غزة القديمة والمحطات التي مرت بها، نتجت عنها أعمال لـ27 فنانًا وفنانة من أرجاء قطاع غزة بينهم اليوم من هم شهداء مثل حليمة الكحلوت، وصديقي ضرغام قريقع والذي كان عضوًا في فريق العمل ومسؤولًا عن اللوجستيات، وهناك فنانون سافروا وآخرون أصيبوا".

لوحة ضمن مجموعة "خريطة الإخلاء" 


"لكن في آذار/ مارس 2024 في غزة جاءنا الخبر بمحاصرة مجمع الشفاء الطبي قرب المرسم ونجا المرسم حينها، سكنه أحد النازحين آنذاك وحافظ على مقتنيات المرسم، كنت أرغب بالعودة لحماية لوحاتي ووضعها في مكان آمن، لكن جاء الحصار الثاني للمجمع وفيه تم القضاء على المرسم وتدميره مع الأبنية المحيطة ومنها حارة الفنانين التي تضم محترف شبابيك للفن المعاصر وجامعة دار الكلمة والمركز الفني التابع لها، وهي أهم ثلاثة عناوين فنية في غزة".
وهنا علق محمد: "تدمر رصيد فني لعشرين عامًا من لوحات وكتب فنية ومقتنيات خاصة ولقاءات وذكريات، ومع ذلك لم أشعر بالإحباط وواصلت إنتاج أعمال جديدة وصلت إلى ستين عملًا تحت الإبادة بأحجام صغيرة وفق المتاح".

مجموعات تحت الإبادة

كنت أتابع أعمال محمد خلال الإبادة، حيث أنتج أكثر من ست مجموعات هي "يوميات نازح" وتضم 24 عملًا بحجم ورقة الـA4، حبر على ورق، ومجموعة "أبو الكوفية": رصاص على ورق والتي تشارك بنسخ منها في معرض بينالي غزة الدولي في أميركا وإيطاليا وإسطنبول، و"دائرة الحياة": ألوان مائية على الورق باستخدام اللون البني تعالج النازحين ويومياتهم، ومجموعة "وجوه نازحة" ألوان أكريليك مائية على ورق، ومؤخرًا مجموعة "خريطة الإخلاء" والتي تشارك في المتحف الفلسطيني في أسكتلندا ومجموعة "ذاكرة البلاط" لم تنشر بعد تتعلق بالبلاط التقليدي الفلسطيني، ومجموعات أخرى قيد العمل.
واجه محمد لحظات قاسية وفقد أقارب وأصدقاء وكان الرسم معركة إضافية مليئة بالتحديات حيث قال: "معاناتنا كفنانين تشمل عملية نقل اللوحات وتوفير الأدوات، خاصة أن المكتبات التي تبيع الأدوات الفنية كانت موجودة في مدينة في غزة، ومعظمنا نزحنا إلى الوسط والجنوب".
وأضاف: "حملت عند أول نزوح دوسيه فيه بعض الدفاتر وأقلام الرصاص، لأننا توقعنا أنها أزمة مؤقتة وسنعود، لم نعرف أننا نعيش عامين فوق الخيال. الهدنة الأولى كانت فرصة للعودة إلى غزة والحصول على أدوات أخرى بأسعار خيالية، حاولت أن أكون مقتصدًا في الأدوات، وفي نيسان/ أبريل العام الماضي وصلتني أدوات من صديق لي يعيش في القدس، وهذه شكلت نقلة نوعية لأعمالي الفنية، ومع ذلك أركز على المحتوى أكثر من الأدوات ونوعها".  

لوحات تحت مرمى النار

كانت أكثر اللوحات قسوة بالنسبة لمحمد تلك التي تعبر عن معاناة النزوح تحت القصف ومشهد استلام المساعدات الجوية، ووجدانيًّا فإن مجموعة "أبو الكوفية" هي الأقرب إليه كونه يتحدث فيها عن هويته وعن الفلسطيني الهائم على وجهه والباحث عمن يستجيب لندائه وعن أي مكان يثبت فيه أقدامه.
حصل محمد على فرص المشاركة في معارض مهمة في الجناح الفلسطيني في بينالي فينيسيا 2024 والذي سبق أن شارك به عام 2022 وسافر إلى إيطاليا وهناك رأى الجناح الروسي مغلقًا بسبب الحرب على أوكرانيا، في حين منعت فلسطين من المشاركة حين كان الرأي العام مساندًا لإسرائيل.
وخلال هذه الإبادة نجحت فلسطين بتنظيم معرض متزامن مع بينالي فينيسيا في قصر مورا بالمدينة وذلك بجهود فيصل صالح، مؤسس ومدير المتحف الفلسطيني في أميركا، وكانت المشاركة الأولى ضمن فعاليات فينيسيا، واضطرت إسرائيل لإغلاق جناحها في البينالي خوفًا من ردة فعل الزوار.
هكذا سافرت نسخة من لوحاته التي دمرتها الحرب إلى فينيسيا، كأنها تمثّله وتتمم رسالته هناك، الفن الذي بزغ من الركام ليحكي عن الركام.
دمرت الحرب مرسمه ومعظم لوحاته، وبقي هو الفنان الناجي بأعمال لا تنضب... فأي نجاة هذه التي تعيد إحياء مدينة كاملة صارت تحت الرماد... لكنها حية في أرجاء العالم.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.