}

"نعم" صرخة يائسة لمخرج إسرائيلي: "أصبحنا جحيم الإنسانية"

ندى الأزهري 3 أكتوبر 2025
سينما "نعم" صرخة يائسة لمخرج إسرائيلي: "أصبحنا جحيم الإنسانية"
نفّذ لبيد فيلمه هذا سرًا تقريبًا في إسرائيل
يواصل المخرج الإسرائيلي نداف لبيد في فيلمه السابع مساءلة جذوره، ومن بعيد، حيث يعيش اليوم، يخرج مجددًا على العالم بفيلم هجاء حاد للمجتمع الإسرائيلي، وما ترتكبه إسرائيل من إبادة جماعية. إنه الفيلم الأول بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 حققه إسرائيلي غادر بلده منذ أربع سنوات ليستقر في فرنسا، لأنه "لم يعد قادرًا على تحمل المسؤولية الأخلاقية لما ترتكبه بلاده".
"نحن الإسرائيليين أصبحنا جحيم الإنسانية"، يعبّر نداف لَبيد مؤخرًا في حوار مع صحيفة فرنسية. فيلمه الأخير "نعم" (2025) صرخة يائسة من القلب تعكس بعمق إحباط إنسان يرى بلاده تغرق في دوامة من الظلام. الفيلم يُعرض حاليًا في الصالات الفرنسية، وكان اختير في مهرجان كان 2025 في قسم "أسبوع المخرجين"، وليس في المسابقة الرسمية، ربما لإدانته المباشرة والصارمة للمجتمع الإسرائيلي ككل، واستفزازه لهذا المجتمع بوضعه أمام المرآة ليدرك حقيقته، وربما لأسباب أخرى، لكنها لا تتعلق بالمستوى الفني لفيلم يثير إعجابًا ببراعته البصرية وابتكار وغزارة نصه السينمائي، وإخراجٍ أبرز قدرة صانعه على التعبير عن أمور عدة في آن، لا سيما تجسيده "الروح الجماعية للمجتمع الإسرائيلي" بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر. من هنا تميز وجرأة مخرج داوم على تقديم أفلام صادمة لإسرائيل تبرز عنصريتها وعدوانيتها.
لبيد يسمي الأشياء بمسمياتها في أفلامه وفي لقاءاته من دون أدنى مواربة، أو خشية، وأحيانًا بصراحة تربك وتفاجئ الإعلام الفرنسي الذي يتجنب بعضه تصريحات من نوع أن الإسرائيليين مع كل ما يحدث في غزة، وإنهم، على عكس بقية العالم، لا يفهمون هذا الرفض الدولي: فهم في نظر أنفسهم الضحايا، المعتدى عليهم كما يقول لبيد. لا بدّ أن المزعج في فيلم "نعم" للإسرائيليين ومؤيديهم كونه، خلافًا للأفلام السياسية التقليدية التي تُحلّل الأسباب الملموسة لما حدث معيدة إياها لأخطاء السياسيين، يتحدث عن الناس العاديين الذين يعيشون حياتهم اليومية، من الاستيقاظ صباحًا، وممارسة الحب، والتقبيل، واحتساء القهوة... تلك اليوميات التي يربطها لبيد بما يحدث في غزة، لأنها في رأيه الطريقة الوحيدة للنظر إلى الأمور بصدق. فيلمه يدور حول أولئك الذين لا يرتكبون أي خطأ، والذين يعيشون حياتهم مثل بطله وزوجته. ليبيّن ما معنى عيش الحياة في سياق الحرب، وليستنتج أن لا شيء يحمينا من الأهوال التي ترتكبها مجتمعاتنا كما حصل مع أبطاله العاديين.





نفّذ لبيد فيلمه هذا سرًا تقريبًا في إسرائيل، فهو بات رمزًا للمعارضة هناك. ورأى عدد من أفراد طاقمه يغلقون الباب في وجهه عندما اقترح عليهم المشروع. كما واجه رفض عددًا من الفنيين متابعة العمل معه بحجة موضوع الفيلم وتوجهات المخرج السياسية. وهكذا في كل يوم من أيام التصوير، كان أحد الفنيين يقرر الانسحاب. حتى أن المخرج اضطر للاستعانة بخبير مكياج صربي، لأن جميع فناني المكياج في إسرائيل كانوا "يتميزون" بوطنيتهم المتطرفة على ما يبدو.

يقدم الفيلم رسالة واضحة في إدانتها للمجتمع الإسرائيلي

في الفيلم ثمة شيء من تماهٍ مع فكرة "منطقة الاهتمام" (2023) للبريطاني جوناثان غلازر، حيث يسعى قائد معسكر أوشفيتز وزوجته إلى بناء حياة أحلام لعائلتهما في منزل تجاور حديقته المعسكر، وتُسمع منه صرخات الضحايا. المجتمع الإسرائيلي في "نعم" لا يكتفي بمعرفة ما يجري، بل إن بعض أفراده في مواجهة كارثة غزة يذهبون إلى "تلة الحب"، على الجانب الآخر من الحدود ليراقبوا الإبادة بتشفٍّ واستمتاع. لبيد يصور أفرادًا يرتكبون اللامعقول ويذهبون في تطرف مواقفهم السياسية والاجتماعية إلى الحدّ الأقصى. ولأول مرة في مسيرته المهنية، يقرر صاحب السينما المتمردة أن يُخضع أبطاله، أن يجعل من النعم موقفًا. وعوضًا عن أبطال سابقين متمردين عبر مواقف رافضة لمجتمعهم، اختار لبطله الخضوع هذه المرة. ربما عن يأس واقتناع بأن زمن اللا قد ولّى.
في "نعم"، بطله "ي" موسيقي موهوب يقدم مع زوجته ياسمين، مُدرِّسة الرقص، فنهما وروحيهما وجسديهما لمن يدفع أكثر في مجتمع موبوء. في المشهد الافتتاحي للفيلم حفل للمجتمع المرفه يبدو وكأن كل شيء فيه هُيّئ ليكون مبهجًا، مبهرًا لكن ما يحدث من تجاوزات ذهبت في جنونها إلى حدها الأقصى، يجعله أبعد ما يكون عن البهجة، وأشبه بحفلة تنكرية مذهلة ومقرفة (تكرر هذا في مشاهد أخرى). مشهد خارجي في حديقة فخمة، حيث مترفون لاهون، وموسيقى صاخبة مصحوبة بتأثيرات صوتية وإيقاع لاهث يخلق دوارًا ويساهم في هزّ أحاسيس المشاهد بقوة تتناسب مع غرابة ما يجري. يراقص البطل زوجته شبه العارية، ويفعل كل ما لا يمكن تخيله من مبالغات لتسلية الضيوف، يعوي كالكلاب، يلعق أحذيتهم، يغرق نفسه في المسبح... وكأن "ي" بفضل حركاته الغريبة التي تدفع على الاشمئزاز وسلوكياته غير التقليدية، يحاول النجاة من مستنقع يعيش فيه الآخرون. إنه المبصر في بلد العميان. هؤلاء، ومنهم أغنياء حرب وأثرياء جدد وضباط، نخب تتسلى في حفلات غير مكترثة، بل ومبتهجة بما يحدث على مسافة قريبة منها. إنها إسرائيل في أعقاب أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر.
لدى "ي" أحاسيس غامضة، وهنالك ما يمنعه من الانغماس تمامًا والانضمام لتعصب قومه ورغبتهم المحمومة في الانتقام، وهي لا تظهر بوضوح إلا في القسم الثاني من الفيلم بعد أن يُكلّف بمهمة تلحين نشيد وطني جديد، مهمة بالغة الأهمية ستغير مساره. يبدأ في الانتباه على نحو أعمق إلى ما يجري حوله في غزة، وكيف يستقبل الإسرائيليون العاديون والمسؤولون هذا بمزيد من مشاعر انتقامية داعية للتضامن المجتمعي أمام العدو. يهتم المخرج بالطبع بما جرى في 7 تشرين الأول/ أكتوبر في مشهد تصف فيه صديقة "ي" ما حدث بتأثر شديد. من دون محاولة لموازنة بين الفعلين، تبدأ رحلة "ي" في البحث عن كلمات لنشيده، واكتشاف مجتمعه، ولن تكون من دون نتائج على حياة الأسرة وخياراتها في العيش في هذا المكان.
في أسلوب مباشر ومفرط في مبالغاته ومواقفه السوريالية، يقدم الفيلم رسالة واضحة في إدانتها للمجتمع الإسرائيلي، وهجاء لحكامه. ولكن هذا الجانب المُبالغ فيه والغريب يبدو وسيلة ناجعة للوصول إلى خلاصة الواقع، وتلمس خطورته لفنان لم يعد يؤمن بعودة إسرائيل إلى رشدها، ولا الإسرائيليين إلى التفكير بما يجري. يتبدى هذا في مشهد "تلة الحب"، ووقوف البطل عليه، وكأن قهر العالم كله تجمع فيه. وفي مشهد إلقاء النشيد الذي يؤلفه "ي" أخيرًا بعد رحلة شاقة في أرجاء وطنه ويغنيه أطفال. ومع أنه أغنية انتقام تتحدث عن إبادة غزة، وتحثّ أطفال إسرائيل تحديدًا، وجميع اليهود عمومًا، على تدمير الفلسطينيين، فإن الجميع يوافق عليه.
هذا النشيد استُخدم لرفع معنويات الجنود في الجبهة، ويُسمى أغنية "أطفال جيل النصر" كما يشرح لبيد في حوار مع صحيفة "لا دوفين" الفرنسية (16 أيلول/ سبتمبر 2025) ويقول "إن هؤلاء الأطفال، على عكس آبائهم المتساهلين للغاية، لن يرضوا بالانتصارات الصغيرة: النصر الحقيقي هو إبادة العدو. نُعزي أنفسنا بقولنا: "سيكون الأطفال أفضل حالًا"، لكن هذا غير صحيح"".
نداف لبيد (1975) درس الفلسفة والتاريخ والسينما، وعمل صحافيًا وناقدًا تلفزيونيًا، قبل أن ينتقل إلى السينما. برزت نظرته المنتقدة لبلده منذ فيلمه الأول "الشرطي" (2011)، الذي تحدى المفاهيم السائدة، و"الحقائق" المفروضة. مخرج يرفض الإملاءات وكل ما يمكن اعتباره أمورًا مفروغًا منها، يعلن عن تضامنه مع القضية الفلسطينية، ويقول إنه يشعر بالانتماء إلى آسيا، على العكس من مواطنيه الذين يتجهون بأحلامهم وخيالهم نحو أوروبا. وقد استخدم لبيد التعبير الفني باعتباره وسيلة لانتقاد مجتمع تسيّره هواجس أمنية وتتحكم فيه نزعات عدوانية وانتقامية.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.