القصة بدأت عندما اختتمت الفرقة آخر عروضها في فيلادلفيا في الأول من آب/ أغسطس 2018. لم يكن أحد يتوقع أن تستمر فترة الغياب كل هذا الوقت، لكن الأمور لم تكن على ما يرام خلف الكواليس. المغني الرئيسي ثوم يورك، البالغ من العمر 57 عامًا، كان يواجه أصعب فترة في حياته بعد وفاة زوجته السابقة راشيل أوين بسبب السرطان في كانون الأول/ديسمبر 2016. العلاقة التي استمرت 23 عامًا وأثمرت طفلين تركت فراغًا هائلًا في حياة يورك.
"كنت بحاجة لشيءٍ أتمسك به"، يقول يورك عن تلك الفترة المظلمة. الموسيقى التي كانت دائمًا ملاذه الآمن أصبحت مصدر ألم. "الموسيقى كانت تؤلم، لأنك تمر بصدمة حقيقية. كنت أجلس على البيانو وأشعر بألم جسدي فعلي". الفنان الذي تزوج لاحقًا من الممثلة الإيطالية داجانا رونسيوني في 2020، اعترف أنه لم يمنح نفسه الوقت الكافي للحداد، وأن حزنه كان يظهر بطرق غير متوقعة جعلته يدرك ضرورة الابتعاد.
عازف الجيتار إد أوبراين لم يكن في حال أفضل. الموسيقي الذي عانى من نوبات اكتئاب متكررة عبر مسيرته وصل إلى القاع في 2021. "مررت بليلة مظلمة طويلة جدًا للروح"، يعترف أوبراين الذي وصف تجربة الجولة الأخيرة بأنها كانت مدمرة: "استمتعت بالحفلات الموسيقية لكنني كرهت كل شيء آخر. شعرنا بالانفصال، بالإرهاق الشديد المُدمر". أوبراين الذي بدأت معاناته مع الاكتئاب بعد جولة ألبوم OK Computer الأسطوري في 1998، يتذكر تلك الفترة بمرارة: "كنت وحيدًا في صيف كأس العالم 98. كنت في أسوأ حالاتي على الإطلاق. المفارقة كانت قاسية - أنت في قمة النجاح، لكنك في الحضيض نفسيًا".
خلال سنوات التوقف السبع، لم يجلس أعضاء الفرقة مكتوفي الأيدي. ثوم يورك وجوني جرينوود شكلا مع عازف الدرامز توم سكينر فرقة The Smile التي أصدرت ثلاثة ألبومات كاملة في عامين فقط - إيقاع إنتاجي مذهل مقارنة بوتيرة "راديو هيد" البطيئة المعهودة. الألبوم الأول "A Light for Attracting Attention" صدر في أيار/ مايو 2022 وحصد إشادات نقدية واسعة، تبعه "Wall of Eyes" في كانون الثاني/يناير 2024، ثم "Cutouts" في تشرين الأول/ أكتوبر 2024.
الإعلان عن العودة جاء مفاجئًا، خاصة بعد تصريحات يورك الحادة في تشرين الأول/ أكتوبر 2024 عندما قال لإحدى الإذاعات الأسترالية: "لا أعرف شيئًا عن عودة ’راديو هيد’ ولا أهتم حقًا بأي شكل من الأشكال. لا إساءة لأحد وشكرًا لاهتمامكم، لكن أعتقد أننا كسبنا الحق في فعل ما يناسبنا من دون الحاجة لتفسير أنفسنا". لكن في 3 أيلول/ سبتمبر 2025، أُعلن رسميًا عن الجولة الأوروبية التي ستبدأ في مدريد في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر، ثم تنتقل إلى بولونيا، لندن، كوبنهاغن، وتختتم في برلين في 12 كانون الأول/ ديسمبر. أربع حفلات في كل مدينة، كلها بنظام "العزف في المنتصف" حيث يحيط الجمهور بالمسرح من جميع الجهات- تنسيق لم تستخدمه الفرقة منذ 1993.
أسعار التذاكر عكست الطلب الهائل، حيث تراوحت بين 55 و135 يورو للمقاعد العادية، بينما وصلت تذاكر الـ VIP إلى 295 يورو. النظام الجديد لتوزيع التذاكر اعتمد على التسجيل المسبق للحصول على رموز دخول خاصة، مع إعطاء الأولوية للمقيمين بالقرب من أماكن الحفلات وحد أقصى 4 تذاكر لكل شخص. فيليب سلوي كان الأكثر تفاؤلًا بشأن العودة: "العام الماضي، اجتمعنا للتدريب فقط من أجل المتعة. بعد توقف دام سبع سنوات، كان شعورًا رائعًا أن نعزف الأغاني مرة أخرى ونعيد الاتصال بهوية موسيقية أصبحت راسخة بعمق داخل كل واحد منا الخمسة".
كولين جرينوود كشف تفاصيل البروفة الصيفية: "اجتمعنا في الصيف لبضعة أيام وعزفنا جميع الأغاني واستأنفنا من حيث توقفنا في 2018. كان ممتعًا ولطيفًا أن نرى الجميع. كنا سنقوم بثلاثة أو أربعة أيام لكن أنهيناها بعد يومين لأنه كان جيدًا وما زلنا قادرين على القيام بذلك". المعجبون انقسموا بين الفرح والإحباط. من حصلوا على رموز الدخول للتذاكر عبروا عن سعادتهم الغامرة، بينما وصف الآخرون شعورهم بأنه "مثل المرور بانفصال عاطفي". البعض انتقد نظام التوزيع الذي شعروا أنه لم يكن عادلًا مع المعجبين القدامى.
أما عن المستقبل، فيبقى غامضًا. لا توجد خطط مؤكدة لألبوم جديد، ولا جولات إضافية بعد كانون الأول/ ديسمبر 2025. ثوم يورك قال ببساطة: "أنا فقط مذهول أننا وصلنا إلى هذا الحد. لم نفكر بما بعد الجولة". سلوي أضاف: "في الوقت الحالي، ستكون هذه العروض فقط، لكن من يدري إلى أين سيقودنا كل هذا". إد أوبراين، الذي تغلب على اكتئابه من خلال التأمل والإقلاع عن الكحول، قال عن عودته للفرقة: "أحد الأشياء الجميلة التي نتجت عن خروجي من الاكتئاب كان إدراك مدى حبي لهؤلاء الأشخاص. قابلتهم عندما كنت في السابعة عشرة". الجولة ستضم قائمة من 65 أغنية تتغير كل ليلة، تشمل أعمالًا من جميع ألبومات الفرقة التسعة. ليست مجرد جولة لم شمل تقليدية، بل عودة موسيقيين نضجوا بشكل منفصل ليعزفوا معًا من جديد، محملين بتجارب الألم والشفاء والإبداع الفردي.
عودة "راديو هيد" في 2025 ليست قصة نهاية سعيدة مضمونة، بل فصل جديد في رحلة فرقة رفضت دائمًا اتباع القواعد التقليدية. الفرقة التي غيرت وجه موسيقى الروك البديل في التسعينيات والألفية الجديدة تعود إلى المسرح، لا لتلبية توقعات أحد، بل لأنها أخيرًا أرادت ذلك من جديد.


تحميل المقال التالي...