تجربته الممتدة تجاوزت حدود استحضار المشهد الشعبي وتسجيل إيقاعه، واتجهت نحو تمثيل هذه اللحظات بوصفها جوهرًا داخليًّا مشحونًا بالمعنى. خلال مشاركته الأخيرة في "سمبوزيوم بنك القاهرة الدولي" في العاصمة الأردنيّة عمّان، قدّم يكن مجموعة من أعماله التي تنتمي إلى مشروعه الفني الإشكالي والمُغاير، وتناول نقاد ومهتمّون خلال ندوة خاصة تجربته من زوايا مختلفة، مركّزين على خصوصيّة رؤيته وتفرّده في التعامل مع الموضوع الشعبي، وقدرته على صوغ مشاهد مألوفة بلغة تشكيلية تتجاوز المألوف.
نبرة اللوحة الأولى
يشكّل المقهى في أعمال سعد يكن فضاءً مكتملًا لا يتجزأ عن الجوهر الفني للعمل. هو مكان تتجسّد فيه الأرواح، وتتمازج فيه التفاصيل الدقيقة مع النبض الإنساني: طاولات متهالكة، نوافذ نصف مفتوحة، ستائر تتدلّى كأنها تنصت إلى الغناء، كؤوس شاي مرصوصة بإهمال مدروس، وأصابع تلامس النرجيلة كأنها تداعب الزمن بحساسيّةٍ فائقة.
المقهى هنا ليس خلفية ساكنة، وإنما هو مسرح يوميّ تجري عليه طقوس الحياة. الرجال الجالسون، العازفون، السامعون، النادل، وضوء المصباح، جميعهم يدخلون في علاقة إيقاعية تولّد مناخًا بصريًّا حيًّا. في بعض الأعمال، يبدو المشهد كأنه لحظة جماعية من الصمت الذي يسمع أكثر مما يُقال. هذه المقاهي تظهر بوصفها أماكن للتأمل والحميمية، كما لو أنّها محطات روحية تحرس ذاكرة المدينة.
يمنح سعد يكن الموسيقيين حضورًا مركزيًّا في لوحاته، حيث يظهرون كمجموعة تمثّل نبضًا خفيًّا يحرّك بقية التفاصيل، ويتجاوز أداؤهم حدود الأغنية نحو بناء الإيقاع الداخلي للمشهد. وجوههم تحمل ملامح حادّة، بارزة، غائرة أحيانًا، وكأنها نُحِتت أكثر مما رُسمت. اليد الممدودة نحو الوتر، الرأس المائل، العيون المغلقة، وتلك النظرة المُجهَدة التي تنبثق من التعب والطرب، تشكّل ملامح سرد غير مباشر، سرد ينبع من النغمة.
في عدد من اللوحات، يظهر العازف وحده، يمسك آلته كأنّه يحتضنها، جالسًا وسط صمت كثيف يملأ اللوحة. وفي لوحات أخرى، يظهر الموسيقي ضمن فرقة، تتوزّع داخل فضاء بصري متماسك، تسيطر عليه نبرة إيقاعية موحّدة. هذا الحضور يتجاوز حدود الحالة الطربية، ويتصل بجذر أعمق يتعلق بالانتماء إلى صوت المدينة وإلى الطقس الذي يحوّل الغناء الشعبي إلى طقس داخلي متأصل.
مناخات تلامس الذاكرة
يعتمد سعد يكن في تكويناته على توازن داخليّ بين العناصر، متجاوزًا الخطوط المستقيمة والتناظر الميكانيكي، ويصوغ لوحاته بطريقة تُشبه نحت كتل متراصّة من الجسد واللون والحركة. تظهر الأجساد متكتلة أحيانًا، متلاصقة، وكأنها وُجدت لتكون نصبًا حيًّا، لا مشهدًا عابرًا. من هذا التراصّ تولد طاقة اللوحة، وتكتسب بُعدها الزمني.
زمن اللوحة عند يكن يتخذ طابعًا مكثّفًا، مستمدًّا من لحظة مشدودة إلى أقصاها، وليس من تدفّق زمني مستمر. النظرات، الإيماءات، تموضع الكراسي، واتجاه الضوء، كلها تفاصيل تترابط لتصنع وحدة درامية مشبعة. في هذه الوحدة، تنبع الملحمية من شدة تركّز المشهد، لا من اتساعه. كلّ جزء في اللوحة يعمل كمركز، واللوحة برمّتها تتحوّل إلى نقطة احتدام سرديّ.
ينسج سعد يكن ألوانه بروح خافتة تحمل طبقات شعورية متعددة، مستخدمًا إيّاها كأدوات بناء داخلي، متجاوزًا التعامل معها كمجرد زينة سطحية. يحمل اللون عنده وظيفة بيئية، تحاكي المناخ العام للّوحة: الأزرق يأتي محمّلًا بظلّ رماديّ، والأحمر يقترب من طين قديم، والبنّيّ يندمج مع درجات من الحنّة الداكنة. هذا التدرّج الحميم يمنح المشهد بُعدًا زمنيًّا، كما لو أنّ اللوحة مطويّة في صندوق خشبيّ قديم محفوظ بعناية.
ينبعث الضوء من داخل العناصر، ويعكس حالة تأملية، من دون ارتباط بمصدر محدّد، فيما الخلفيّات تبدو مغسولة باللون ومشبعة بالسكون المرئي، بعيدًا عن الفراغ التام. بهذا المزج يخلق سعد يكن توازنًا بين الحضور والغياب، بين ما يُرى وما يُستشعر.
تحضر مدينة حلب في كل لوحةٍ وكل لمسةٍ من أعمال سعد؛ تظهر في الطرابيش، في الجدران المتشققة، في تفاصيل المقهى، وفي التعبير على الوجوه. تسكن المدينة الشخصيات، وتسري في اللوحة مثل صوت غناء خافت لا يتوقّف.
تبدو البيئة الحلبية متجذّرة في كلّ مشهد، رغم خلوّ اللوحات من معالم محدّدة، بينما تحمل الشخصية في طيّاتها ملامح الأزقّة، وتحمل الحركة اليومية إيقاع الحارة القديمة، ويعيد التوزيع الداخلي للمكان إحياء ذلك الشعور الذي تمنحه المدينة لسكّانها: مزيج من الضيق والاتساع، من الصمت والثراء، من الحميميّة والانفتاح.
من الشعبي إلى الملحمي
المشهد الشعبي البسيط في أعمال سعد يكن يتطوّر تدريجيًّا إلى لحظة درامية مكثفة، وينبع هذا التحوّل من تركيز داخليّ شديد، وليس من ضجيج خارجي. الوجه الشعبيّ الذي يرسمه يكن يحمل نوعًا من الكرامة الهادئة إلى جانب القسوة والألم.
تنكمش اللوحة وتشتدّ حتى تغدو أقرب إلى قطعة نحتية، أو نصب صغير للحظة مأساوية. هذا التوتّر داخل المألوف يجعل من أعماله مساحات ملحمية تلتقط الشقاء الإنساني من دون افتعال، وتمنح المشهد الشعبيّ أفقًا رمزيًّا أوسع.
ولعلّ القسوة في الملامح والانكماش في التكوين، يضعان المتلقّي أمام لحظة مشبعة بالقوّة، تُروى من دون كلمات. هي لحظة خارجة من سياق اليوميّ، لكنها مشدودة إليه بخيط من الحنين الصامت.
في إحدى أبرز لوحاته تظهر فرقة موسيقية داخل مقهى صغير. يجلس العازفون على خشبة مائلة، ويتسلط الضوء عليهم بزاوية تخلق توازنًا بين البؤرة والظل. يرفع المغنّي يده، وعيناه مغمضتان، والجمهور في حالة صمت مُصغٍ. ينبض المشهد من الداخل مستمدًّا نبضه من السكون أكثر من الحركة، وتتحوّل اللوحة إلى طقس جماعيّ للإنصات.
في لوحة أخرى، يجلس ثلاثة رجال قرب طاولة، يعزف أحدهم الناي. تبدو الوجوه مشدودة، والحركة شبه غائبة. يفيض التعبير الهادئ من المشهد، ويملأ اللوحة بشحنة شعورية خفية. الضوء هنا لا يضيء، بل يهمس.
أما لوحة "العازف المنفرد"، فتقدّم شخصية وحيدة داخل غرفة شبه خاوية، تمسك بالعود كأنها تستند عليه. النافذة مفتوحة قليلًا، والجدران تميل بانحناءة غير منتظمة. فيما تتحوّل العزلة إلى مركز توهّج، والموسيقى إلى لغة داخلية تتجاوز الصمت.
تحتوي أعمال سعد يكن على طبقات من الإيقاع والحركة والانفعال، وتُبقي الناظر معلقًا في لحظة تتردّد بين الماضي والزمن الحيّ. طريقته في بناء اللوحة، واستخدامه للألوان، وتعامله مع الموضوع الشعبيّ، تضعه ضمن مسار خاص على خارطة التشكيل العربي.
في كلّ عمل يُعيد رسم تفاصيل حياة تنبض رغم الخفوت، ويصوغ من عناصر بسيطة مشهدًا بصريًّا كثيفًا يفيض بالمعنى. لوحاته لا تُعيدنا إلى مدينة غابت، لكنها تخلق مدينة جديدة داخل كل مشاهد، مدينة تسكنها الموسيقى، ويضيئها اللون، وتحرسها الذاكرة.
سعد يكن: وُلد الفنان التشكيلي سعد يكن في مدينة حلب عام 1950. بدأ دراسته الفنية في مركز الفنون التشكيلية بحلب، ثم انتسب عام 1971 إلى كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، حيث حلّ في المرتبة الأولى في مسابقة القبول.
على مدى مسيرته الطويلة، أقام أكثر من خمسين معرضًا فرديًّا في عدد من الدول العربية والأوروبية، إضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية وكندا. كما شارك في أكثر من مائة وخمسين معرضًا جماعيًّا في بلدان مختلفة حول العالم.
نال خلال مشواره الفني عددًا من الجوائز والميداليات التقديرية تقديرًا لتجربته الإبداعية المتميزة ومساهماته البارزة في المشهد التشكيلي.


تحميل المقال التالي...