تُعرّف المصورة الصحافية الفرنسية جوس دراي نفسها بأنها "مصوّرة المقاومة"، هي التي بدأت عام 1987 بتوثيق الحكايات اليومية لمقاومة الشعب الفلسطيني، مقدمة صورة بانورامية شاملة على مدار عقود حول حيوات الفلسطينيين ونضالاتهم ضد الاحتلال الإسرائيلي وسياساته الاستعمارية العنصرية.
وافتتح المتحف الفلسطيني ببلدة بير زيت القريبة من مدينة رام الله، للمصورة دراي، أخيرًا، معرض "بأم عيني"، ويضمّ مجموعة من الصور الفوتوغرافيّة التي التقطت بعدستها، موثّقة مراحل مختلفة من حياة الفلسطينيّين في الأرض المحتلّة، وفي مخيّمات اللجوء، بدءًا من انتفاضة الحجارة عام 1987، وانتهاءً بفترة انتفاضة الأقصى التي اندلعت في الأشهر الأخيرة من عام 2000.
يعدّ المعرض بمثابة أرشيف حيّ لعلاقة متداخلة بين الماضي والحاضر، يساعدنا في فهم اللحظة الراهنة، والحدود اليوميّة بين العادي والملحمي في حياة الفلسطينيّين، وما بينهما من طقوس للحياة والموت والانتظار، ويضعنا أمام مشاهد قديمة جديدة، بلا تسلسل زمني أو خطّ روائي ناظم، لنقرأها كيفما نشاء، ومن أين نشاء، ولنفتح باب السؤال حول أيّ المنعطفات القادمة سيحملنا إلى الحريّة.
والمتجوّل في المعرض، يرى أن وراء كل صورة من بين ما يزيد عن الخمسين، حكاية، منها ما يبعث على الدهشة، كتلك الصورة التي تظهر طفلين فلسطينيين يتسلقان براميل إسمنتية مغطاة بالزفت، عمد الاحتلال إلى استخدامها لإغلاق شوارع مخيم الشاطئ للاجئين، شمال قطاع غزة في عام 1992، إبان انتفاضة الحجارة، وذلك لفحص ملابس الأطفال، والتحقق من محاولة مغادرتهم المخيم، لمقاومة الاحتلال برشق ما تيسّر من حجارة الأرض، بحيث تعلق المادة التي عادة ما تستخدم في تعبيد الشوارع على ملابسهم، ويتم التعرف إليهم، ومن ثم اعتقالهم.
وتُظهر صورة أخرى فلسطينية مسنة في قرية المزرعة الشرقية قرب مدينة رام الله، في يوم من أيام الإضراب الشامل، أعلنته القيادة الموحدة للانتفاضة عام 1989، وأخرى لفتية من مخيم قلنديا للاجئين قرب القدس يرفعون العلم الفلسطيني في العام نفسه، عندما كان ثمن رفع العلم، وقتذاك، الموت برصاص جنود الاحتلال قنصًا.
ومن بين صور "الانتفاضة الأولى"، كما يطلق عليها شعبيًّا في فلسطين، واحدة لسيدتين تحملان صورة للشهيدة الفتاة شنّارة، التي استشهدت برصاص جنود الاحتلال في مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين بغزة عام 1989، وأخرى لأفراد عائلة في المخيم نفسه يتجمعون حول صورة ابنهم المعتقل في سجون الاحتلال.
وفي صورة أخرى توثق دراي زيارة سيدات فلسطينيات لمقابر شهداء من أقاربهن في مقبرة مدينة البيرة بالضفة الغربية في أول أيام العيد من العام نفسه، وثالثة توثق خروج المصلين من أحد مساجد مدينة نابلس، ذات صلاة جمعة، بالتزامن مع توزيع بيان القيادة الموحدة للانتفاضة، في حين أظهرت رابعة صورة لعائلة أسير من "إذنا" قضاء الخليل، تقف على أنقاض منزلها الذي دمرته قوات الاحتلال، عقابًا على مشاركته في التصدي لها خلال انتفاضة الحجارة.
وفي مرحلة "ما بعد أوسلو" ما قبل انتفاضة الأقصى، تبرز العديد من الصور التي كانت تبرز حالة من التفاؤل إزاء عودة القيادة الفلسطينية في منظمة التحرير الفلسطينية إلى أرض الوطن برئاسة الرئيس الراحل ياسر عرفات، فتظهر صورة تعود إلى عام 1994، احتشاد مواطنين من قطاع غزة على حدود رفح، في انتظار دخول قوات الشرطة الفلسطينية إلى القطاع للمرّة الأولى، بموجب اتفاق "غزة – أريحا أولًا" المنبثق عن اتفاقيات أوسلو.
ومع الوقت يتحول الواقع على الأرض، ويخبو الأمل تدريجيًا بتحوّل السلطة إلى دولة، فتعكس صور الفرنسية دراي حالة اللاسيادة أو السيادة المنقوصة للسلطة الفلسطينية، ومن بينها صورة تعود إلى عام 1997، يظهر مزارع بلباسه الفلسطيني التقليدي محتجزًا من جنود إسرائيليين، بينما كان عائدًا من أرضه المحاذية لمستوطنة "غوش قطيف"، التي أقيمت على أراضي خان يونس في قطاع غزة، في حين تُظهر أخرى احتجاجًا للمزارعين الفلسطينيين في ذات الزمان والمكان ضد جرائم الاحتلال والمستوطنين.
وثمة صور عدّة ترصد الأوضاع خلال انتفاضة الأقصى عام 2000، والانتشار المهول للحواجز العسكرية، وإرهاصات بناء جدار الفصل العنصري على الأراضي المحتلة عام 1967 في الضفة الغربية، لفصلها عن الأراضي المحتلة عام 1948، علاوة على جدران تعزل المستوطنات عن محيطها، وخاصة في قطاع غزة قبل الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب عام 2005، كتلك الصورة التي تعود إلى عام 2001، وتُبرز جدارًا يفصل مستوطنة "غوش قطيف" عن مدينة خان يونس.
وفي الضفة الغربية والقدس تبرز عدسة دراي الحواجز العسكرية، وبدايات بناء جدار الفصل العنصري في مناطق عدة، بدون أن يغيب العنصر البشري عن الصور، والذي هو محورها، فنرى فلسطينيين عند حاجز عسكري قرب مخيم قلنديا للاجئين عام 2002، وحاجزًا عسكريًا ينتصب عند مستوطنة "هار حوما" (جبل أبو غنيم) التي أقيمت على أراضي بيت لحم في العام نفسه.
ويظهر في صورة تعود إلى عام 2002 أيضًا، زوجان مسنّان باللباس التقليدي الفلسطيني، يحاولان تجاوز أولى الأساسات لجدار الفصل العنصري في "أبو ديس"، شرق القدس، وأخرى لفتى يسرق بنظرة خاطفة مشاهد ألفها قبل وضع المداميك العملاقة الأولى للجدار في المنطقة ذاتها، في حين تصوّر ثالثة تحضيرات قوات الاحتلال لبناء جدار الفصل العنصري عبر رسم مسار من الأسلاك الشائكة أمام مخيم قلنديا للاجئين عام 2001، بينما تبرز رابعة فلسطينيات يتنقلن في طريق ترابية وعرة، إثر إغلاق الطرق الرئيسة ما بين مدينتي رام الله ونابلس في العام الأول من انتفاضة الأقصى.
وفي لقاء مصوّر معها، يبث في غرفة مظلمة بالمتحف الفلسطيني، ويشكل جزءًا من تكوين المعرض الفني، قالت المصورة الصحافية الفرنسية جوس دراي: "التقطت هذه الصور على مدار سنوات، في القرى والمدن والمخيّمات، وفي مخيّمات اللاجئين في لبنان وسورية... أعتقد أنّها تتيح مساحة لفهم حقيقة الشعب الفلسطيني، إذا أراد العالم أن يرى الصور، ولكن المشكلة تكمن في أن أحدًا لا يريد رؤيتها، كما لا يريدون رؤية الشعب الفلسطيني".
وشدّدت دراي: "من خلال هذه الصور، نرى كيف عاش الناس رغم كل شيء، يصنعون خبزهم، ويتظاهرون، ويدفنون موتاهم ويذهبون إلى المقابر، وهي ليست مجرد توثيق، ولا يمكن تقديمها من دون ذكر الأماكن، أو من دون ذكر فلسطين... إنها بمثابة سردية تاريخيّة لأناس وشعب على أرضه، أو في المنفى، لكنه لا يزال يشير دائمًا إلى أرضه".
بدورها تؤكد قيّمة المعرض مرح خليفة: "في حالتنا الفلسطينيّة، لم يكن خيار توثيق ما يجري بالصوت والصورة متاحًا دائمًا، وهو ما جعل حياتنا عرضة للتشويه والإسكات والإنكار، كما حدث في نكبة عام 1948، عندما انشغل الناس بالنجاة وبسلامة الأرواح والأبناء عن التوثيق أو الكتابة، وحين سرقت حياتنا وممتلكاتنا والأدلّة على وجودنا بالصور والوثائق أمام أعيننا، إذ يوضّح المعرض أن فلسطين ليست نصًّا تراجيديًا واحدًا، لكنّها زمن تتداخل فيه ملايين القصص والحكايات الفردية والجماعية، التي نُسجت من تجارب المقاومة، والحياة المريرة والملهمة في آن، وهو ما تختزله أمامنا هذه الصور".
ويأتي هذا المعرض في خضم حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وتدمير مخيّمات اللاجئين وتهجير سكّانها في شمال الضفة، وتهويد القدس، والتوسع الاستيطاني على حساب الأرض الفلسطينية بشكل غير مسبوق، علاوة على الاجتياحات العسكرية اليومية، وما يرافقها من قتل واعتقال واقتحام منازل وتخريب وتدمير وإهانات في كامل الجغرافيا الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما فيها القدس، كما يأتي في وقت غمر فيه ما جرى ويجري في فلسطين وعلى أرضها العالم بملايين المقاطع الصوتية والصور والفيديوهات التي تبدو وكأنّها مشاهد من أفلام الرعب.
وإذا كنا قد سمعنا حكايات النكبة والنكسة، وما بينهما وبعدهما من لحظات مصيرية تاريخية، من أجدادنا وآبائنا، أو عايشناها بأنفسنا، فإن الأجيال الشابة التي باتت هي مشعل النضال اليوم بكافة أشكاله، يمكنها عبر صور الفرنسية جوس دراي الاطلاع على تلك القصص، كما يمكنها مقاربة الماضي الصعب بواقع أصعب مع كل صورة، وكل صرخة، وكل جسد مُسجّى، وكل حجر سقط فوق رأس ساكنيه، وكل هجرة إلى الجنوب، وكل نزوح في الخيام، فالمشهد يعيد نفسه، ولكن بما هو أكثر قتامة ووحشية، فدراي صورت للأجيال الشابة، ولمن يرغب بالتعرف على الحكاية الفلسطينية المأساوية تحت الاحتلال في العالم، قصصًا لم يشاهدوها، ولكنهم باتوا يشاهدون ما هو أصعب بأم عينهم، أو عبر هواتفهم المحمولة.
وافتتح المتحف الفلسطيني ببلدة بير زيت القريبة من مدينة رام الله، للمصورة دراي، أخيرًا، معرض "بأم عيني"، ويضمّ مجموعة من الصور الفوتوغرافيّة التي التقطت بعدستها، موثّقة مراحل مختلفة من حياة الفلسطينيّين في الأرض المحتلّة، وفي مخيّمات اللجوء، بدءًا من انتفاضة الحجارة عام 1987، وانتهاءً بفترة انتفاضة الأقصى التي اندلعت في الأشهر الأخيرة من عام 2000.
يعدّ المعرض بمثابة أرشيف حيّ لعلاقة متداخلة بين الماضي والحاضر، يساعدنا في فهم اللحظة الراهنة، والحدود اليوميّة بين العادي والملحمي في حياة الفلسطينيّين، وما بينهما من طقوس للحياة والموت والانتظار، ويضعنا أمام مشاهد قديمة جديدة، بلا تسلسل زمني أو خطّ روائي ناظم، لنقرأها كيفما نشاء، ومن أين نشاء، ولنفتح باب السؤال حول أيّ المنعطفات القادمة سيحملنا إلى الحريّة.
والمتجوّل في المعرض، يرى أن وراء كل صورة من بين ما يزيد عن الخمسين، حكاية، منها ما يبعث على الدهشة، كتلك الصورة التي تظهر طفلين فلسطينيين يتسلقان براميل إسمنتية مغطاة بالزفت، عمد الاحتلال إلى استخدامها لإغلاق شوارع مخيم الشاطئ للاجئين، شمال قطاع غزة في عام 1992، إبان انتفاضة الحجارة، وذلك لفحص ملابس الأطفال، والتحقق من محاولة مغادرتهم المخيم، لمقاومة الاحتلال برشق ما تيسّر من حجارة الأرض، بحيث تعلق المادة التي عادة ما تستخدم في تعبيد الشوارع على ملابسهم، ويتم التعرف إليهم، ومن ثم اعتقالهم.
وتُظهر صورة أخرى فلسطينية مسنة في قرية المزرعة الشرقية قرب مدينة رام الله، في يوم من أيام الإضراب الشامل، أعلنته القيادة الموحدة للانتفاضة عام 1989، وأخرى لفتية من مخيم قلنديا للاجئين قرب القدس يرفعون العلم الفلسطيني في العام نفسه، عندما كان ثمن رفع العلم، وقتذاك، الموت برصاص جنود الاحتلال قنصًا.
ومن بين صور "الانتفاضة الأولى"، كما يطلق عليها شعبيًّا في فلسطين، واحدة لسيدتين تحملان صورة للشهيدة الفتاة شنّارة، التي استشهدت برصاص جنود الاحتلال في مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين بغزة عام 1989، وأخرى لأفراد عائلة في المخيم نفسه يتجمعون حول صورة ابنهم المعتقل في سجون الاحتلال.
وفي صورة أخرى توثق دراي زيارة سيدات فلسطينيات لمقابر شهداء من أقاربهن في مقبرة مدينة البيرة بالضفة الغربية في أول أيام العيد من العام نفسه، وثالثة توثق خروج المصلين من أحد مساجد مدينة نابلس، ذات صلاة جمعة، بالتزامن مع توزيع بيان القيادة الموحدة للانتفاضة، في حين أظهرت رابعة صورة لعائلة أسير من "إذنا" قضاء الخليل، تقف على أنقاض منزلها الذي دمرته قوات الاحتلال، عقابًا على مشاركته في التصدي لها خلال انتفاضة الحجارة.
وفي مرحلة "ما بعد أوسلو" ما قبل انتفاضة الأقصى، تبرز العديد من الصور التي كانت تبرز حالة من التفاؤل إزاء عودة القيادة الفلسطينية في منظمة التحرير الفلسطينية إلى أرض الوطن برئاسة الرئيس الراحل ياسر عرفات، فتظهر صورة تعود إلى عام 1994، احتشاد مواطنين من قطاع غزة على حدود رفح، في انتظار دخول قوات الشرطة الفلسطينية إلى القطاع للمرّة الأولى، بموجب اتفاق "غزة – أريحا أولًا" المنبثق عن اتفاقيات أوسلو.
ومع الوقت يتحول الواقع على الأرض، ويخبو الأمل تدريجيًا بتحوّل السلطة إلى دولة، فتعكس صور الفرنسية دراي حالة اللاسيادة أو السيادة المنقوصة للسلطة الفلسطينية، ومن بينها صورة تعود إلى عام 1997، يظهر مزارع بلباسه الفلسطيني التقليدي محتجزًا من جنود إسرائيليين، بينما كان عائدًا من أرضه المحاذية لمستوطنة "غوش قطيف"، التي أقيمت على أراضي خان يونس في قطاع غزة، في حين تُظهر أخرى احتجاجًا للمزارعين الفلسطينيين في ذات الزمان والمكان ضد جرائم الاحتلال والمستوطنين.
وثمة صور عدّة ترصد الأوضاع خلال انتفاضة الأقصى عام 2000، والانتشار المهول للحواجز العسكرية، وإرهاصات بناء جدار الفصل العنصري على الأراضي المحتلة عام 1967 في الضفة الغربية، لفصلها عن الأراضي المحتلة عام 1948، علاوة على جدران تعزل المستوطنات عن محيطها، وخاصة في قطاع غزة قبل الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب عام 2005، كتلك الصورة التي تعود إلى عام 2001، وتُبرز جدارًا يفصل مستوطنة "غوش قطيف" عن مدينة خان يونس.
وفي الضفة الغربية والقدس تبرز عدسة دراي الحواجز العسكرية، وبدايات بناء جدار الفصل العنصري في مناطق عدة، بدون أن يغيب العنصر البشري عن الصور، والذي هو محورها، فنرى فلسطينيين عند حاجز عسكري قرب مخيم قلنديا للاجئين عام 2002، وحاجزًا عسكريًا ينتصب عند مستوطنة "هار حوما" (جبل أبو غنيم) التي أقيمت على أراضي بيت لحم في العام نفسه.
ويظهر في صورة تعود إلى عام 2002 أيضًا، زوجان مسنّان باللباس التقليدي الفلسطيني، يحاولان تجاوز أولى الأساسات لجدار الفصل العنصري في "أبو ديس"، شرق القدس، وأخرى لفتى يسرق بنظرة خاطفة مشاهد ألفها قبل وضع المداميك العملاقة الأولى للجدار في المنطقة ذاتها، في حين تصوّر ثالثة تحضيرات قوات الاحتلال لبناء جدار الفصل العنصري عبر رسم مسار من الأسلاك الشائكة أمام مخيم قلنديا للاجئين عام 2001، بينما تبرز رابعة فلسطينيات يتنقلن في طريق ترابية وعرة، إثر إغلاق الطرق الرئيسة ما بين مدينتي رام الله ونابلس في العام الأول من انتفاضة الأقصى.
وفي لقاء مصوّر معها، يبث في غرفة مظلمة بالمتحف الفلسطيني، ويشكل جزءًا من تكوين المعرض الفني، قالت المصورة الصحافية الفرنسية جوس دراي: "التقطت هذه الصور على مدار سنوات، في القرى والمدن والمخيّمات، وفي مخيّمات اللاجئين في لبنان وسورية... أعتقد أنّها تتيح مساحة لفهم حقيقة الشعب الفلسطيني، إذا أراد العالم أن يرى الصور، ولكن المشكلة تكمن في أن أحدًا لا يريد رؤيتها، كما لا يريدون رؤية الشعب الفلسطيني".
وشدّدت دراي: "من خلال هذه الصور، نرى كيف عاش الناس رغم كل شيء، يصنعون خبزهم، ويتظاهرون، ويدفنون موتاهم ويذهبون إلى المقابر، وهي ليست مجرد توثيق، ولا يمكن تقديمها من دون ذكر الأماكن، أو من دون ذكر فلسطين... إنها بمثابة سردية تاريخيّة لأناس وشعب على أرضه، أو في المنفى، لكنه لا يزال يشير دائمًا إلى أرضه".
بدورها تؤكد قيّمة المعرض مرح خليفة: "في حالتنا الفلسطينيّة، لم يكن خيار توثيق ما يجري بالصوت والصورة متاحًا دائمًا، وهو ما جعل حياتنا عرضة للتشويه والإسكات والإنكار، كما حدث في نكبة عام 1948، عندما انشغل الناس بالنجاة وبسلامة الأرواح والأبناء عن التوثيق أو الكتابة، وحين سرقت حياتنا وممتلكاتنا والأدلّة على وجودنا بالصور والوثائق أمام أعيننا، إذ يوضّح المعرض أن فلسطين ليست نصًّا تراجيديًا واحدًا، لكنّها زمن تتداخل فيه ملايين القصص والحكايات الفردية والجماعية، التي نُسجت من تجارب المقاومة، والحياة المريرة والملهمة في آن، وهو ما تختزله أمامنا هذه الصور".
ويأتي هذا المعرض في خضم حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وتدمير مخيّمات اللاجئين وتهجير سكّانها في شمال الضفة، وتهويد القدس، والتوسع الاستيطاني على حساب الأرض الفلسطينية بشكل غير مسبوق، علاوة على الاجتياحات العسكرية اليومية، وما يرافقها من قتل واعتقال واقتحام منازل وتخريب وتدمير وإهانات في كامل الجغرافيا الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما فيها القدس، كما يأتي في وقت غمر فيه ما جرى ويجري في فلسطين وعلى أرضها العالم بملايين المقاطع الصوتية والصور والفيديوهات التي تبدو وكأنّها مشاهد من أفلام الرعب.
وإذا كنا قد سمعنا حكايات النكبة والنكسة، وما بينهما وبعدهما من لحظات مصيرية تاريخية، من أجدادنا وآبائنا، أو عايشناها بأنفسنا، فإن الأجيال الشابة التي باتت هي مشعل النضال اليوم بكافة أشكاله، يمكنها عبر صور الفرنسية جوس دراي الاطلاع على تلك القصص، كما يمكنها مقاربة الماضي الصعب بواقع أصعب مع كل صورة، وكل صرخة، وكل جسد مُسجّى، وكل حجر سقط فوق رأس ساكنيه، وكل هجرة إلى الجنوب، وكل نزوح في الخيام، فالمشهد يعيد نفسه، ولكن بما هو أكثر قتامة ووحشية، فدراي صورت للأجيال الشابة، ولمن يرغب بالتعرف على الحكاية الفلسطينية المأساوية تحت الاحتلال في العالم، قصصًا لم يشاهدوها، ولكنهم باتوا يشاهدون ما هو أصعب بأم عينهم، أو عبر هواتفهم المحمولة.


تحميل المقال التالي...