مع أنها درست بادئ الأمر الرياضيات والفيزياء، إلا أن رلى حلواني، المصوّرة والفنانة الفلسطينية، باتت، مع مرور الوقت والمشاريع الفنية، واحدة من أبرز الأسماء العربية في أوروبا، وليس مبالغة إن قلنا في العالم، مع أن رحلتها بدأت مصادفة، حين تعرفت في سنتها الجامعية الرابعة على فتاة تدرس التصوير، حيث كانتا تقيمان في كندا، وكان ذلك عام 1986.
ومنذ دورة التصوير الأولى، لمس أستاذها الكندي موهبتها الكبيرة في التصوير الفوتوغرافي كفن، بعد أن كان رفض التحاقها بدورته، لعدم امتلاكها حتى المفاتيح الأساسية لهذا العالم. ومع التصوير، ارتفع منسوب اهتمامها بالسياسة، بعد أن كان منخفضًا إلى درجة كبيرة حين كانت تقيم في فلسطين، التي باتت تشكل بوصلتها الأساس في جلّ مشاريعها الفنيّة لاحقًا، مع أن والدها وأشقاءها تعرضوا للسجن في زنازين الاحتلال أكثر من مرة، ولفترات متفاوتة.
مشروعها الفني الأول عكس شغفًا لم يكن بعالم السياسة، ورغبة في نقل حقيقة ما يجري في فلسطين إلى العالم، فكان حول التهجير، بشكل أو بآخر، ولكن من دون شعارات، أو صراخ، فشكلت صورها المعالجة انعكاسًا لحكاية أسرتها، فاستعانت بطفلتين لتجسداها وشقيقتها، وكأنهما جزء من المأساة الفلسطينية، التي تواصلت في هذا المشروع بصور مُركبّة بطريقة فنيّة (فوتو مونتاج) حول مجزرة صبرا وشاتيلا... كان ذلك مشروعها الفنّي الأول كطالبة تصوير، وكان ذلك في عام 1987.
وكان مشروعها الثاني يتعلق بالنحت، فبعد أن شكلت منحوتة لرجل يجلس على مقعد، قامت بتحطيمه وتصويره، مرحلة تتلو أخرى، ما أثار حفيظة أستاذ النحت، لكن فكرة هدم المنحوتة وتوثيق عملية الهدم استهوته، خاصة بعد أن شرحت له الدلالات المتعلقة بكون هذا الرجل يمثل فلسطين التي يجري هدمها تارة ببطء، وتارة بتسارع أكثر، وأن الشجرة، حيث كان يجلس بالقرب منها ترمز إلى الحروب، وقد نفذت المشروع مستعينة بضوء سيّارة، هي التي لا تزال تستخدم هذا الضوء كمصدر إنارة في عديد مشاريعها الفنيّة حتى أيامنا هذه.
حين عادت حلواني إلى فلسطين، كانت اتخذت قرارًا بأن تقتحم ميدان التصوير الصحافي، ولكن بشكل موقت، لكونها عادت منبهرة بهالة انتفاضة الحجارة، ويهمها التعرف على كثير من تفاصيلها، مشيرة إلى أن نقطة التحوّل كانت مع تصويرها جنازة الطفل الشهيد نضال العربوشي في نابلس، حتى إنها حين عادت إلى منزلها تملكتها نوبة من الصراخ حول جدوى الموت في سبيل الأرض، لافتة إلى أنها كانت على الدوام في حالة صراع جدلي مع والدها حول السبق في الأهمية، وأيهما أكثر جدوى لفلسطين: ناسها أم أرضها!
وانخرطت حلواني في التصوير الصحافي، وباتت تعيش حكايات الناس انطلاقًا من الميدان، حيث المواجهات، وحيث لكل عائلة حكاية، وهو ما سعت إلى عكسه في صورها عالميًا، حتى أنها اعتقلت مرات عدة على يد قوات الاحتلال، وتعرّضت لإطلاق النار أكثر من مرّة، بل وأصيبت برصاص مطاطي أيضًا، هي التي كانت تخطط ألا تزيد مدّة عملها في التصوير الصحافي على أشهر عدّة، لتواصل في هذا الميدان العمل لما يزيد على ثماني سنوات، منذ عام 1989، وحتى عام 1997، وهي الفترة التي عرّفتها أكثر على فلسطين وناسها.
وتذكّرت حلواني، خلالها حديثها عن تجربتها، في حوارية أدارتها الفنانة فيرا تماري، في المتحف الفلسطيني ببلدة بير زيت، أخيرًا، حكاية تلك الصورة في أبو ديس، حين وجدت نفسها وحدها في مواجهة مستوطن ترجل من سيارته، وصوب سلاحه الأوتوماتيكي جهتها، فما كان منها إلا أن وضعت كاميراتها فوق رأسها، وارتمت أرضًا، معتقدة أنها النهاية، إلا أنه بات يضحك بصوتٍ مرتفع، بينما هربت لتنجو من موت كان يبدو محققًا. هي حادثة ظلّت تلقي بظلالها عليها لأيام عدّة، ولا تزال تعلق في ذاكرتها، رغم مرور قرابة ربع قرن على الحادثة.
كما شددت حلواني على تلك الصورة التي كانت قد كبّرتها ووضعتها في غرفتها، وهي للاستقبال الجماهيري الأول للرئيس الشهيد ياسر عرفات، عند عودته إلى أرض فلسطين.
وثمة حادثة دفعتها لهجر عالم التصوير الصحافي، وتحديدًا حين كانت في الخليل ذات يوم في تسعينيات القرن الماضي... "كنتُ أصوّر مواجهات في الخليل، وكان ثمّة شابٌ في عمر السادسة عشرة، وكنت تحدثت معه أكثر من مرة بينما يلهو ورفاقه، وكان يسألني عادة عن الكاميرا والتصوير... أصيب وهو يرمي الحجارة على جنود الاحتلال، ثم عاد وهو يعرج مواصلًا رمي الحجارة، حتى أصيب برصاصة ثانية، التقطت صورة له، وكان الخوف يتملكني على مصيره، لكني غادرت المنطقة بعد أن ارتفع منسوب الخطورة فيها، وما إن وصلت المكتب حتى علمت باستشهاده... حين دققتُ في الصورة، ووجدت أنه استشهد ولا يزال يمسك الحجر بيده، شيء ما تغير في داخلي، ومن حينها تركتُ العمل بالتصوير الصحافي الميداني، وقررت العودة إلى الفن من بوابة الفوتوغرافيا".
حصلت حلواني على إقامات فنيّة عدة خارج فلسطين، وتحديدًا في الولايات المتحدة الأميركية، وأوروبا، وخاصة فرنسا، وحصلت على درجة الماجستير، وبدأت تدريس التصوير بالتوازي مع إقامة مشاريع فنيّة بالاتكاء على التصوير، وبما يحاكي الرواية الفلسطينية بطرائق مغايرة على مستوى الشكل والمضمون، في آن.
كان من بين هذه المشاريع الفنية ذلك الموسوم بـ"اجتياح سلبي"، وناقش حال البلاد بعد عشر سنوات على توقيع اتفاقيات "أوسلو"، "غير منطقي"، وهو مشروع فنّي فوتوغرافي حول الاستيطان، و"ألفة" الذي سلطت الضوء فيه على معاناة العابرين إلى ومن القدس عبر "قلنديا"، و"بيض وخبز نيّئ"، وتناولت فيه بالصور حكاية نوال نخلة في مخيم الجلزون للاجئين الفلسطينيين قرب مدينة رام الله، هي المولودة بعد نكبة عام 1948 بعامين، حيث لا صور فوتوغرافية إلا واحدة توثق وجود أسرتها قبل التهجير، مع أن ذاكرتها تحوي كثيرًا من الصور التي ورثتها من حكايات عن والديها، منها كيف أن والدتها تركت البيض نيئًا قبل أن تغادر أرضها ومنزلها مضطرة، لعلها تنجو وعائلتها، وهو ما كان.
وفي معرض "المفتاح"، سلطت حلواني الضوء على حكاية الستينية ثريا فرح، وكان قد تمّ تهجير أسرتها من قرية "زكريا" عام 1948، لتعيش في مخيم "العروب" للاجئين الفلسطينيين قرب مدينة الخليل، وفي معرضها "شِعر"، وثقت بكاميرتها شيئًا حول محمد إبراهيم العزة المُهجّر من "تل الصافي" قرب الخليل في عام 1948، واشتهر بكتابة القصائد منذ كان طالبًا في مدارسها، قبل النكبة بأعوام، وبقي على قيد الكتابة لعقود طويلة من حيث يعيش في مخيم الدهيشة للاجئين في بيت لحم، علاوة على صور أرشيفية له عالجتها بطريقتها، كان من بينها صورة له في يافا وهو على دراجته الهوائية، ما يُظهر أن الحواضر الفلسطينية المحتلة في عام 1948، وما حولها، كانت عواصم ثقافية بامتياز، أما مشروعها "إلى أبي" (2015)، فكان إهداء إلى والدها، في حين كان مشروعها "لك يا أمي" (2021) مُغايرًا، ومستوحى من حكايات الأم وعائلتها، كما كان في سابقه اتكأ على حكاية الأب وحكايتها والعائلة معه.
أما مشروع "لهم" (2024)، فهو من أجل اللاجئين، كما أكدت حلواني، وهو استكمال لمشاريع سابقة، من وحي حكاية أبو سليمان أبو الليل، هو الذي تعرفت إليه في عام 1998، لكونه عاش في قرية مهجرة، وتوجهت وإياه، قبل رحيله، إلى "لفتا" القريبة من القدس، والتي هجّر منها، مؤكدة على الدوام بأن الاحتلال "حوّل لفتا من جنة إلى قرية أشباح"، وهو المشروع الذي توسع ليشمل كافة اللاجئين، مع حالة اللجوء الجديدة المستمرة في أعقاب السابع من أكتوبر، مشيرة إلى أنه "امتدادًا لأعمالي السابقة، وجميعها مشاريع شخصية للغاية بالنسبة لي، تستكشف الهوية الفلسطينية، وتاريخًا من الدمار والحنين إلى أرضنا، بحيث يغوص في عوالم لم أستكشفها من قبل، من خلال دراسة تاريخ فلسطين من منظور اللاجئين الفلسطينيين".
تقول حلواني عن "الفصل الأخير"، وهو عنوان المشروع القادم لها: "من خلال هذه الصور المُعدلّة تقنيًّا، لم أهدف فقط إلى نقل الندوب الجسدية للحرب، والهياكل المنهارة، والحياة المحطمة للعائلات النازحة، بل أيضًا الصدمات النفسية الأعمق التي توارثتها الأجيال، بحيث تجمع بجودتها العاكسة، ما بين الماضي والحاضر، لخلق حوار بصري، يُبرز العنف الدوري للحرب والكفاح المستمر من أجل الهوية والبقاء... ينبغي أن تنقل هذه الصورة إلى المتلقي دعوة لرؤية التكلفة الباهظة للحرب على روح الأمة، وبالتالي تكريم الروح العنيدة التي تصمد بين الحطام، فضلًا عن رسالة للحزن والتحدّي".


تحميل المقال التالي...