}

"المعرض العام للفنون" الـ45: إعادة قراءة المشهد التشكيلي المصري

وائل سعيد 11 يوليه 2025
تشكيل "المعرض العام للفنون" الـ45: إعادة قراءة المشهد التشكيلي المصري
بوستر المعرض
على مدار ثلاثين يومًا، تُعاد قراءة المشهد التشكيلي المصري من قلب دار الأوبرا بالقاهرة، حيث تتواصل فعاليات الدورة الخامسة والأربعين من المعرض العام للفنون، والتي انطلقت في الخامس عشر من يونيو/ حزيران وتستمر حتى منتصف يوليو/ تموز. يشارك في الدورة الجديدة أكثر من ثلاثمائة فنان وفنانة، عبر 420 عملًا فنيًا تتنافس على مختلف الوسائط من التصوير والحفر إلى الرسم والخزف والجرافيك، مرورًا بالنحت والتجهيز في الفراغ وفنون الميديا والفن التفاعلي. ويظل هذا الحدث في تقليده السنوي محاولة ساعية لوضع خريطة بصرية عامة لملامح المشهد التشكيلي المصري خلال الموسمين المنصرمين.
تُعدّ هذه الدورة إحدى المحطات التمهيدية نحو الاحتفال باليوبيل الذهبي للمعرض، بحسب التصريحات الصادرة عن إدارته والتي أعلنت أن سلسلة التحضيرات انطلقت فعليًا منذ الدورة 44 وتستمر حتى الدورة 49. وفي سابقة تُسجل للمرة الأولى في تاريخ المعرض، جرى تعيين الفنانة إيمان أسامة قوميسارًا عامًا، لتصبح بذلك أول امرأة تتولى هذا المنصب الذي ظل لسنوات طويلة حكرًا على الرجال. كذلك ضمّت قائمة الاحتفاء بالراحلين اثني عشر اسمًا بارزًا من بينهم حلمي التوني وعصمت داوستاشي، الذي أتحفنا بعمل مميز في دورة سابقة بعنوان "الرجل المريض"؛ وهو مجسم رباعي نتابع من خلاله مرثية رجل في أواخر العمر أفسدت عليه أمراض العصر مُتعة النهايات. لذلك لم يكن من الغريب أن يصدر رباعيته بهذه الكلمات: "الرجل المريض، رباعية أنجزتها في هذا الزمن المريض الذي أفسد الحياة والناس، وأفسد متعة النهايات ونحن نتأمل بحزن غروب الضمير".

تكريم الفنان جورج البهجوري من حفل الافتتاح 

من بين القائمة يأتي اسم الفنان كمال خليفة الذي وافته المنية أواخر العام الماضي عن عمر ناهز الثمانين عامًا، تاركًا خلفه تجربة ثرية في التصوير الفوتوغرافي اعتاد أن يشارك الكثير منها عبر صفحته الشخصية تحت عناوين مثل: ذاكرة الوطن وفي موكب النور. فيما اقتصرت قائمة التكريم على ثمانية من رواد الجيل الذين وُلدوا في ثلاثينيات القرن الماضي، من قبيل أحمد مرسي وجورج البهجوري، في حين لم تضم القائمتان من الفنانات سوى رباب نمر وزينب السجيني، التي تعود مشاركتها إلى الدورة الأولى من المعرض، بلوحتها الشهيرة "أمومة".
امتدت التكريمات لتشمل أربعة من القائمين على مهام القوميسار العام خلال الدورات السابقة، من بينهم قوميسار الدورة الحالية وذلك قبل حتى أن تتضح ملامح الدورة أو تُختتم فعالياتها. اللافت في هذا السياق كان إدراج قوميسار دورة العام الماضي ضمن المكرّمين، رغم كونها إحدى أكثر الدورات إثارة للجدل، حيث شهدت احتجاجات وامتناع عدد من الفنانين عن المشاركة، وصلت في بعض الحالات إلى حد المقاطعة، اعتراضًا على سياسات الإدارة الجديدة آنذاك. على جانب آخر، استحدثت دورة هذا العام برنامجًا فكريًا مصاحبًا للفعاليات تنوع بين الدراسات النقدية المواكبة وعقد عدد من الجلسات الحوارية لمناقشة مختلف الموضوعات الفنية، افتُتح البرنامج بجلسة تحت عنوان "الفن التشكيلي في عيون السينما"، تلك الشاشة التي طالما قدّمت الفنان التشكيلي في صورة نمطية يغلُب عليها الطابع الكاريكاتوري أو الساخر، لعل من أشهرها شخصية "عيسوي" التي جسدها الفنان أحمد راتب في الفيلم الكوميدي "يا رب ولد" 1984 للمخرج عمر عبد العزيز.

"اللحظة" للفنانة آلاء نجم 

استضافت الجلسة وزير الثقافة أحمد هنو والفنان حسين فهمي، رئيس مهرجان القاهرة السينمائي، ومن جانبه دعا الوزير إلى تنظيم معرض تشكيلي يتزامن مع انطلاق الدورة المقبلة من المهرجان، ولم تكن هذه الدعوة هي الأخيرة لهنو ضمن برنامج دورة هذا العام.

في مواجهة السلع المعمرة

يعتبر المعرض العام الحدث التشكيلي الأكبر في مصر منذ انطلاقه في أواخر الستينيات تحت مسمى "المعرض القومي" في البداية، ما يعكس الرغبة في الاهتمام بكافة التوجهات والمدارس الفنية من كل المحافظات حيث يتيح تجمع عدد كبير من الفنانين ومن مختلف الأجيال، ويعد ذلك بمثابة مؤشر دوري لرصد واقع الحركة الفنية والمشهد التشكيلي. انطلقت الدورة الأولى من المعرض سنة 1969 تزامنًا مع الاحتفال بالألفية الأولى على نشأة مدينة القاهرة، وجاء في كلمة بدر الدين أبو غازي - وزير الثقافة حينها: "إذا كان هذا المعرض قد ارتبط هذا العام بألفية القاهرة، فإن بدايته ينبغي أن تلقى استمرارها لتكون تقليدًا في حياتنا الفنية، على أن تجربة البداية بكل ما فيها، يجدر أن تكون دليلًا موجهًا لخطة الإعداد للمعارض القادمة بهدف إرساء تقاليد لهذا المعرض الرسمي الذي يستحق أن يكون أكبر ظواهر النشاط السنوي في مجال الفنون".
قبل أن تنطلق دورة هذا العام، اشتعلت التوقعات داخل الوسط الفني، حيث علّق الكثير من التشكيليين آمالًا كبرى على أن تكون هذه الدورة بداية لتحول نوعي طال انتظاره، يعيد الاعتبار للفن التشكيلي داخل استراتيجية الثقافة الرسمية خاصة مع تولي حقيبة وزارة الثقافة لأحد أبناء المجتمع الفني. في المقابل لم يكن من الصعب تبين مدى التشابه والتكرار بين هذه الدورة وما سبقها من دورات، بداية من سناريو العرض للأعمال المشاركة؛ حيث اتفق الجميع تقريبًا على نفس النهج؛ عمل تجريبي يلفت الانتباه ويكون في استقبال الزوار قبل الدخول، وغالبًا ما يستعان في صنعه بالمخلفات والمواد المركبة، بعد ذلك يجد الزائر نفسه في البهو الرئيسي للقصر ومن الواضح أن فضاءه الكبير أغرى الجميع لتخصيصه بعمل ضخم يستمر في لفت انتباه الداخل، وهو ما كان هذا العام.
إلا أن المفارقة الحقيقية كانت في الدعوة التي أطلقها الوزير في الافتتاح إلى تغيير عنوان الحدث من المعرض العام إلى "معرض مصر" بداية من الدورة القادمة، وهي دعوة حماسية في حاجة إلى دراسة خاصة في ظل التصاعد المتنامي مؤخرًا للخطاب الوطني الرسمي، الذي بات يقحم اسم "مصر" في كل فعالية أو مناسبة على اختلاف نوعها؛ على سبيل المثال، هناك عدد ضخم من المعارض تقام على مدار العام تحت نفس الشعار، منها ما يهتم بالسلع المعمرة ومنها ما يعرض السيراميك والأدوات الصحية، هذا بجانب معارض المدارس واللحوم والخضروات بالطبع. على الأرجح هذا ما فات الوزير ورغب إثره بتغيير اسم المعرض العام، وإن لم يفته التأكيد على التطور الملحوظ في أداء قطاع الفنون التشكيلية، واعدًا بعودة عدد من الفعاليات المتوقفة في القريب في مقدمتها: بينالي الإسكندرية والقاهرة، اللذان ما يزالان يحتفظان باسميهما، حتى الآن على الأقل.

عن الدهشة وأشياء أخرى

في كلمتها، أكدت قوميسارة الدورة الحالية على أن إدارة المعرض حرصت على تقديم أعمال تشكيلية قادرة على إثارة الدهشة...، "الدهشة، تلك اللمحة الأولى الصادقة التي يسعى الفنان لأن يقدمها إلى جمهوره"، وهو ما وجد صداه عند عدد من الفنانين في أعمالهم المشاركة، من بينهم على سبيل المثال الفنانة آلاء نجم التي اتجهت إلى تسجيل لحظة الدهشة في عيون مجموعة من الأطفال يقفون بين الطيور والأشجار من خلال عمل بعنوان "اللحظة"، طباعة على ورق. ومن أجواء النوستالجيا تنسج الفنانة جيهان سعودي عوالم لوحتها "الشارع المصري"، تصوير أكريليك، حيث تتصدر صورة أم كلثوم اللوحة ومن حولها تتناثر مجموعة من مفردات الشارع كبائع السجائر وسائق العربة بخلاف المارة.
فيما أنه للسنة الرابعة يشارك ملك الرسم في الهواء، الفنان جلال جمعة، في المعرض بعمل نحتي بعنوان "صياد السمك"، نحت حديد وسلك، يستعين بالتيمة الأشهر لمفهوم الرزق "السمكة"، واضعًا إياها أسفل قدم الصياد تجسيدًا للمثل الشعبي المصري القائل: "رزقه في رجليه"... ولا شك في أن التراث الشعبي بقصصه البسيطة يعد من أكثر الموتيفات الفنية شيوعًا لرسم صور غنية بالحياة.
يقول د. سعيد المصري في كتابه "إعادة إنتاج التراث الشعبي": "تُعلمنا دراسات علم الاجتماع وعلم الفولكلور والأنثروبولوجيا الثقافية والدراسات الثقافية على مدى القرن الماضي أن البشر يواجهون الحياة بما لديهم من موروثات ثقافية، وبهذه الموروثات ومعها يُغيرون حياتهم ويتغيرون".
مثلما تنوعت المواد والخامات والمدارس الفنية في مشاركات دورة هذا العام، تعددت أيضًا الموضوعات وتباينت في كثير من هذه الأعمال، كذلك كان من السهل متابعة ملامح التطور أو الاختلاف في بعض التجارب الفنية؛ مثل تجربة الفنان خالد حافظ الذي يشارك هذا العام بلوحة "التاريخ المرئي للأشياء، علاقات الربيع"، أعمال متعددة الوسائط والخامات على ورق معاد تدويره بالإضافة إلى أعمال نحتية مستخرجة من اللفائف، بينما لجأت تجربته العام الماضي لعمل مركب بعنوان "جرم أسود"، مزج فيه بين الرقمي والمادي آخذًا بيد المشاهد مباشرة إلى ساحة المعركة، حيث نصبت حلبة ملاكمة في منتصف حجرة العرض إلا أن أرضيتها لم تتجاوز رقعة شطرنج وقف عليها ملكان يتناحران بعد أن فقد كل منهما جيشه بالكامل، وفي الخلفية نتابع مجموعة من الأحداث تجري على الحائط من خلال أجهزة بروجيكتور سلطت على ثلاث حوائط على شكل U تعرض شاشتها مشاهد عديدة لحروب ومجاعات تاريخية بداية من "هتلر" وحتى "بوتين" ومن على شاكلتهما من المهووسين، ما يعكس مفهوم تفكيك رموز السلطة والخراب، وربما لو أُعيد إنتاج العمل في هذا التوقيت لانضمت وجوه جديدة للقائمة.
من بين الأعمال المشاركة في الدورة الـ45، يلفت الانتباه مشاركة أكثر من عضو من لجان الاختيار والفرز ضمن الأعمال المعروضة، ويأتي في مقدمتهم الفنان وليد قانوش، رئيس قطاع الفنون التشكيلية، الجهة المنظمة للحدث والذي يشارك بعملين من مجموعته "ألعاب العقل" تصوير زيت، كما يشارك الفنان عمر الفيومي، عضو لجنة اختيار قسم التصوير، بعمل بعنوان "إيزيس" خامات مختلفة، في مفارقة تطرح تساؤلات مشروعة عن مفهوم "التمثيل العادل" وتضارب الأدوار في مثل هذه الفعاليات؛ فحتى وإن كانت اللوائح المنظمة لا تمنع مشاركة المسؤولين أو أعضاء اللجان بأعمالهم، فإن الحد الأدنى من "الموضوعية" كان يستدعي منهم عدم دخول التنافس.

"الحذاء الذهبي"، محمد أبو النجا 


كذلك الحال مع الفنانة والممثلة سماء إبراهيم التي تشارك بعمل مركب رغم عضويتها في لجنة اختيار التصوير الضوئي وفنون الميديا والتجهيز في الفراغ، يقدم العمل حالة تعد من أبرز حالات الفن التفاعلي، وقد استلهمت سماء فكرتها من سيرة والدتها التي رحلت العام الماضي بعد معاناة مع المرض، من هنا جاء اسم العمل "رشيدة" مصحوبًا ببعض من تفاصيل السيرة الشخصية: كرسي متحرك، صور فوتوغرافية، وإكسسوارات حميمة تحيل إلى عالم الأمومة. الجديد الذي تقدمه سماء يتجسّد في مشاركتها الحيّة بالأداء الجسدي داخل هذا الحيز الذي يمثل حجرة أمها، في صياغة مركبة وصاخبة بصريًا تمزج بين المسرح والتمثيل والفن التشكيلي، وتفتح الباب أمام لغة فنية جديدة، لا تعتمد على إمكانيات جاهزة بقدر ما تعتمد على طموحات ملحقة.
على جانب آخر، كان للقضية الفلسطينية نصيب من الحضور سواء عن طريق جزء من لوحة أو من خلال تخصيص عمل بكامله، مثل مشاركة الفنان وليد عبيد بعمل تصويري بعنوان "لقطات صارخة"، فيما تأتي مشاركة الفنان محمد أبو النجا تحت عنوان "الحذاء الذهبي"، تجهيز في الفراغ من خامات متعددة، وتدور الفكرة الرئيسية للعمل حول المدن المتهدمة من خلال تتبع أثر ذلك على كل ضحايا الحروب، سواء في غزة أو فيما استجد من نزاعات أخرى، وفي الجزء المتبقي من العمل يطرح أبو النجا صورة عبثية عن طريق عقد مقارنة بين "الحذاء الذهبي" الممزق الموضوع في مقابلة موزة مثبتة بشريط لاصق؛ في تقليد للعمل الفني الشهير "موزة معلقة" للفنان الإيطالي ماوريتسيو كاتيلان الذي بيع بملايين الدولارات عام 2019، بهذه الرسالة يلخص أبو النجا فلسفة عمله المركب موجهًا بهذه المفارقة رسالة إلى المجتمع الغربي واصفًا إياه: هذا الجانب الذي يحتفي بأشياء لا تدوم، وفي الوقت ذاته يتغاضى عن رؤية الحقائق.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.