}

"رصيف الهموم": مبادرة متواضعة لجمهور متعطش

صدام الزيدي صدام الزيدي 18 يوليه 2025
سينما "رصيف الهموم": مبادرة متواضعة لجمهور متعطش
بوستر الفيلم

بعد غياب عن التفاعل مع جمهوره عبر قناته الرسمية على يوتيوب استمر قرابة نصف عام، عاد الممثل اليمني الشاب فواز التعكري، قبل أيام، بفيلم قصير حمل عنوان: "رصيف الهموم"، يحكي في ثماني دقائق ونيف، معاناة الشباب اليمني في الحصول على العمل بعد التخرّج، وفي المجمل معاناة السواد الأعظم من اليمنيين اليوم، حيث تنعدم فرص العمل لدى نسبة كبيرة من السكان في عموم المحافظات اليمنية، في سياق ظاهرة مستفحلة تم تغذيتها على نحو كارثي في ظروف حرب مستمرة تجاوزت عقدها الأول وانقسامات سياسية وفراغات خرجت عن قدرة الدولة وإمكانياتها، مع أنها مسؤولة عن توفير فرص للأيدي العاملة والقيام بواجبها المنصوص عليه قانونًا.
قبل بث فيلم "رصيف الهموم" على قناة الممثل واليوتيوبر فواز التعكري وصفحات على فيسبوك، كان هناك ترند أخذ مساحة واسعة من تفاعلات اليمنيين على منصات التواصل الاجتماعي، تحت عنوان "أنقذوا التعكري"، الذي أشيع أنه يمر بأزمة نفسية شديدة ترك بسببها قناته على اليوتيوب وتوقف فيها عن نشاطه في التمثيل وصار متشردًا، وبالفعل ظهرت مقاطع فيديو يظهر فيها التعكري في ظرف نفسي صعب، عندما بادر ممثلون مشهورون على رأسهم الفنان عامر البوصي وغيره، إلى تطمين الجمهور أن التعكري بخير وسيتجاوز محنته الراهنة ومنهم من نشر مقاطع يظهر فيها رفقة التعكري واعدًا جمهوره بالعودة مجددًا برغم ما مرّ به نفسيًا وروحيًا.
وبالتزامن مع نشر الفيلم القصير "رصيف الهموم"، كانت حملة التضامن مع التعكري لإخراجه من محنته النفسية نجحت في رفع عدد الاشتراكات في قناته على يوتيوب بنسب تفاعل كبيرة أفضت إلى تحقيق حلمه بوصول قناته لعدد المليون مشترك، وهو حلم ظل يراوده على مدار سنوات من السهر والتعب والإعداد لمحتوى تفاعلي دأب على نشره بوتيرة كبيرة منذ تأسيس القناة في مطلع عام 2017، كرّسه لمناقشة ظواهر اجتماعية ومواضيع وقضايا عديدة ترتبط بيوميات المواطن اليمني ومشاكله الاجتماعية والاقتصادية التي لا تنتهي.
ولا يكتفي اليوتيوبر التعكري بتقديم محتوى كلامي يقوم على السرد المباشر والممل، وإنما يعمد إلى تنويع الأسلوب بين الكلام المباشر والمشهد التمثيلي والصورة المعبرة والأدوات الموسيقية المصاحبة، ولا يفعل ذلك بمفرده، بل بمعية آخرين من أفراد الأسرة والأصدقاء وأصوات واعدة أو متمرسة في فن الدراما والتمثيل من البيئة القريبة أو البعيدة، كما هو لافت في فيلم "رصيف الهموم"، الذي اشترك فيه فنانون معروفون هم: توفيق الأضرعي، نزار السنفاني، عبد الله أزهر، كضيوف شرف، إضافة إلى: علي العزاني، ديانا ضبعان، خالد المحضار، الطفلة نسرين القحطاني، وسليمان العابد.




والفيلم خرج إلى النور بجهد مشترك، بدءًا من النص، حيث كتبه التعكري نفسه، وليست المرة الأولى له، فهو عادةً يكتب نصوص المحتوى التفاعلي لقناته، لكن اللافت أن الفيلم من إخراجه أيضًا وهي إشراقة جديدة لمبدع يمني محبوب وله قاعدة واسعة من الجمهور والمعجبين ويتابعه الملايين من مشاهدي المسلسلات الرمضانية اليمنية ومنها مسلسلات بثتها قنوات تلفزيونية يمنية وتزامن بثها في قناة "العربي 2" أيضًا.
وضمن طاقم العمل على الفيلم القصير، برز الشاب عماد العلفي كمساعد مخرج وإدارة تصوير، وهو من أسرة يمنية عُرفت باشتغالها في فن الإخراج الدرامي. والفيلم أيضًا من مونتاج: فكري الحكيمي، وشارك في الغناء المصاحب للمشاهد، عبد الملك الحداء (اقتباس من أغاني الفنان ذائع الصيت حسين محب)، وبقية القائمة ضمت كلًا من: أصيل الشريجة: توزيع وتسجيل ومكساج؛ ضياء الحرضي: عود؛ عبد الوهاب الأشول وأيمن الزمزمي: إنتاج.
يسرد الفيلم حكاية شاب يمني متزوج وله طفلة في بدايات عقدها الثاني، تستجوبه زوجته في صالون البيت مطالبةً إياه بتوفير متطلبات المصروف اليومي للأسرة، تأخذ الزوجة شهاداته ومؤهلاته العلمية الورقية وترميها في وجهه في حالة غضب شديدة. يخرج الزوج ومعه ابنته الجائعة على أساس أن يأخذ لها مشتريات من الخضار ومتطلبات الطبخ من بقّال بالجوار لتعود بها لأمها التي تنتظر في البيت، لكن الطفلة ستذهب مع أبيها حتى يجد حلًا لتعود بالمصروف للبيت بعد ذلك، يمضي التعكري والطفلة في بحثه عن عمل، لكن قبل ذلك، عند باب العمارة يستوقفه المؤجر غضبانًا ملوحًا بعصا في وجهه ومهددًا بطرده هو وأسرته بسبب تراكم إيجار الشقة المؤجرة لهم منذ سنة كاملة. يذهب التعكري فور ذلك ومعه ابنته، إلى البقّال ليستقبلهما هو الآخر بحالة غضب واستنفار رافضًا الاستمرار في بيعهم مصروفات لأن المبلغ المسجل في دفتر الحساب وصل سقفًا أخيرًا. تجلس الزوجة حائرة في مطبخ المنزل جائعة وحائرة والدموع تنهمر من عينيها حيث أعيتها الحيلة من مطبخ فارغ من كل شيء. يصل (التعكري) إلى رصيف يتجمع فيه عمال في انتظار من يأتي لتشغيلهم. يجلس التعكري (بطل الفيلم) وبجواره ابنته التي تتضوّر جوعًا منذ الصباح. يشرع أحد الشبان في الترنم بأغنية وفي يده أداة عمل. في الجوار أيضًا يجلس مهمومًا عامل آخر بشعر رأسه ولحيته البيضاوين وقد أعيته الحيلة هو أيضًا في انتظار فرصة عمل بالأجر اليومي. يتأمل الجميع في فراغ البلاد ويبكي الجميع بصمت بمن فيهم التعكري وابنته. وينتهي الفيلم على إيقاع الغناء الحزين.


تفاعلات...


منذ الساعات الأولى التي تبعت بث الفيلم في اليوتيوب ومنصات التواصل، تباينت ردود فعل الجمهور اليمني بين مؤيد ومعارض لمسألة نجاح الفيلم كعمل فني حقيقي من عدمها، بالنظر إلى ما أحدثه من ضجة في الوسط التفاعلي اليمني. أضف إلى ذلك، المدة التي استغرقتها الأغنية في الفيلم كانت رتيبة وأخذت أكثر مما ينبغي في حيز قصير للغاية، ما تسبب في هجوم واسع على التعكري وفريق عمله إلا من قلة قليلة أشادت بهذا العمل الفني.
وفي السياق نفسه، رأى الناقد قائد غيلان أن بداية الفيلم كانت جيدة، لكنه توقف عند تلك البداية (أي الفيلم القصير)، عجز عن إتمامها، فقد ترك القصة المؤثرة التي بدأها وقطعها بأغنية طويلة ومملّة ليس لها أي ضرورة في العمل، ثم أصبحت هي كل العمل حيث توقف عندها، كما حشر فيها لقطات واقعية مما بثته القنوات التلفزيونية. وهذه الجزئية تحديدًا اتفق ناشطون وتابعون كثيرون على أنها كانت ضربة قاصمة لعمل فني لم يكن محتواه حصريًا بالكامل.
وفي المجمل، تشهد اليمن كسادًا لافتًا في إنتاج أفلام درامية قصيرة، وما أُنجز في هذا الصدد في السنوات الماضية، سواء الدرامية السريعة أو التوثيقية المتنوعة، يكاد يكون محدودًا للغاية، وذلك يرجع إلى عدة أسباب تندرج في السياق العام لغياب الفيلم السينمائي اليمني تمامًا ولاختلالات كثيرة ما زالت ترافق المنتج الدرامي الموسمي في البلد بالرغم من غزارة وكثافة ما أُنتج في السنوات الأخيرة وملامح التحديث البسيطة في تفاصيل كثيرة منها. 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.