}

"إلى عالم مجهول": صورة عن الفلسطيني اللاجئ

يوسف الشايب 19 يوليه 2025
سينما "إلى عالم مجهول": صورة عن الفلسطيني اللاجئ
يتناول الفيلم حكاية صديقين فلسطينيين: "شاتيلا" و"رضا"
للخروج بفيلم روائي ناجح، لا بد من تضافر عناصر عدّة، لجهة تقديم تجربة مؤثرة وجذابة للجمهور والنقاد على حد سواء، وهو ما كان مع فيلم "إلى عالم مجهول"، الروائي الطويل الأول لمخرجه الفلسطيني الدنماركي مهدي فليفل، والذي حاز العديد من الجوائز في المهرجانات العالمية والعربية، وكان آخرها ظفره بجائزتي لجنة التحكيم الخاصة والجمهور في مهرجان عمّان السينمائي الدولي.
هذه العوامل تتمثل أساسًا في القصة الأصيلة والمبتكرة في آن، بعيدًا عن الكليشيهات، وبمعالجة مبتكرة للمضامين، على أن تكون الأحداث مترابطة ومتسلسلة منطقيًا، بدون الالتزام بالمفاهيم العتيقة والصارمة من حيث التراتبية في التسلسل، لكن مع المحافظة على ذلك الصراع واضح المعالم وذا قدرة مغناطيسية هائلة لجذب الجمهور على المستويين الفكري والشعوري في ذات الوقت، مع اشتماله على رسائل ضمنية يُترك فيها للمشاهد مساحة التأويل الممتعة بالنسبة له، أو مُباشِرة لكن بدون أن تشعر المتلقي أنه في حجرة بفصل أمام معلم يلقنه شيئًا من منهاج رديء.
ويتناول الفيلم حكاية صديقين فلسطينيين: "شاتيلا" و"رضا"، اللذين تقطعت بهما السبل في العاصمة اليونانية، حيث يعيشان ظروفًا صعبة، هما اللذان حلما بالوصول إلى شمال أوروبا بحثًا عن حياة أفضل ومستقبل أكثر استقرارًا، كما يتتبع محاولاتهما اليائسة لتأمين المال اللازم للحصول على جوازات سفر مزورة، ويصورهما وهما يتخبطان في عالم التهريب، والمخاطر التي تنتهي، والتي تجعل من الأمل في تحقيق ما يصبوان إليه أكثر خفوتًا.

يسلط الفيلم الضوء على الواقع المأساوي للاجئين الفلسطينيين

ويسلط الفيلم الضوء على الواقع المأساوي للاجئين الفلسطينيين، وغيرهم من اللاجئين، الذين يجدون أنفسهم عالقين بين وطن فقدوه وحلم يصعب تحقيقه في أوروبا، مُظهرًا مدى اليأس الذي يمكن أن يدفع الأفراد إلى اتخاذ قرارات صعبة ومحفوفة بالمخاطر من أجل البقاء.
وكعادة أفلام فليفل، يركز الفيلم على الجانب الإنساني العميق للشخصيات، وعلاقاتهما المعقدة، وصراعاتهما الداخلية، متكئًا على ما يعرف بـ"الواقعية القاسية"، بحيث يتناول الفيلم موضوع الهجرة واللجوء بأسلوب واقعي وصريح، مبتعدًا عن أي مساحيق تجميلية، لعله يعكس التحديات الحقيقية التي يواجهها الفلسطينيّان الشابان، وهو ما كان فعلًا.
وعلاوة على تميّز الفيلم في تقديم صورة غير مُنمقة لواقع اللجوء كحالة ترافق الفلسطيني منذ ما يزيد عن القرن، وفي أكثر من احتلال، على عكس بعض الأفلام التي قد تبالغ في تصوير المعاناة أو تقع في فخ المعالجة الدرامية الفجّة المليئة ببكائيات تجعل محدّد العيون السائل (الآيلاينر) يسيح من الحرارة غير المبررة للمشاهد فيشوه مظهره العام، وينعكس على بنائه الداخلي أيضًا، نجح فليفل في تقديم حكايته متكئًا على نهج واقعي قد يراه البعض قاسيًا أحيانًا، لكونه لا يخشى في إظهار الجوانب المظلمة لليأس، والخداع، والتصرفات غير المتوقعة التي يلجأ إليها الأفراد من أجل البقاء، وكأنه يحاكي عن قصد أو دونه ما يحدث في يوميّات حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، بدون تجريد الشخصيات من إنسانيتها، بل على العكس، يزيد من عمقها وصدقيتها.
وهذا يتجلي في تركيز الفيلم على حكايات المنسيين أو الهامشيّين، فـ"شاتيلا" و"رضا" ليسا مناضليْن سياسييْن، وهما محض شخصين يحلمان بحياة كريمة، أو واقع أفضل، وهنا كان لهذا التركيز على "العاديين" في ظروف غير عادية أحد مكامن قوة الفيلم، إذ يُظهر كيف تُطحن الأرواح تحت وطأة الظروف القاسية، وكيف تتغيّر مفاهيم الأخلاق والنجاة.

يمكن وصف تكوين شخصيات الفيلم بالمتقن

وتشكل العلاقة بين الصديقين، رغم تعقيداتها، قلب الفيلم النابض، في مزيج من الصداقة العميقة، والاعتماد المتبادل، وأحيانًا التوتر حد الخلاف وليس الاختلاف، وكأن فليفل في "إلى عالم مجهول" يعمد إلى إبراز انعكاسات الظروف المأساوية على الروابط الإنسانية، وكيف يمكن للأمل واليأس أن يتداخلا في ديناميكية علاقة ما، فتفسد المعادلة الكيمائية لها، أو تغيّرها بعض الشيء، أو لبعض الوقت، أو أكثر، ما يجعل المشاهد جزءًا من هذه العلاقة، يعيش ويتعايش معهما، بل ويُدرك أبعاد معاناتهما.
ويمكن وصف تكوين شخصيات الفيلم بالمتقن، خاصة أنها تمكنت من تشكيل رافعة للحكاية، وإلقاء القبض، بالمعنى الإيجابي للمصطلح، على الجمهور، فكانت الشخصيات وخاصة "شاتيلا" و"رضا" عميقة ومركبة، لا أحادية البعد، بل تحمل تناقضات وعيوبًا ومزايا تجعلها أقرب للواقع، كما أنها شخصيات قابلة للتطور، بحيث تمر بتحولات خلال الفيلم، ما يعكس تأثير الأحداث عليها، علاوة على كونها ذات دوافع واضحة، إذ إن أفعال الشخصيات مدفوعة بمنطق داخلي، حتى لو كانت دوافع "سيئة"، مع اختلافات تأويل المصطلح زمكانيًا.
وفي هذا الإطار، يجب الإشادة بالأداء المتميز لكل من محمود بكري (شاتيلا) وآرام صباح (رضا)، الذي أضفى مصداقية كبيرة على الشخصيات وجعلها حقيقية في عيون المتلقي، فقد كان الممثلان مقنعين في تجسيد دوريهما، حيث القدرة على إظهار العواطف والدوافع الداخلية للشخصية بصدق، علاوة على كونهما متفاعلين مع بعضهما البعض بإيجابية، وهو ما تحدثنا عنه، وعن ضرورته في خلق كيمياء ما بينهما على الشاشة من جهة، وبينهما وبين الجمهور في قاعة العرض من جهة أخرى.
ويستمر فليفل في هذا الفيلم في استكشاف مواضيعه حول الهوية الفلسطينية في الشتات، ومفهوم الوطن الذي قد يصبح مجرد ذكرى أو حلم بعيد، طارحًا السؤال العتيق والطازج في آن كما هو الجرح النازف حول الانتماء، وتعدد معانيه، خاصة عندما تغيب الجغرافيا الحاضنة، وحول كيفية الحفاظ على الذات في عالم لا يعترف بوجودك أو حتى بكينونتك بالأساس.
وكون أن دور المخرج محوري في تحويل النص المكتوب إلى عمل مرئي، وهو كاتبه في هذه الحالة، كما غالبية الأفلام الروائية الفلسطينية التي تنحو باتجاه "سينما المؤلف"، فقد كان فليفل في فيلمه الروائي "إلى عالم مجهول"، ذا رؤية فنية واضحة وشاملة، أبدع في إظهار ما يريد من كل مشهد، كما هي حاله في إدارة الممثلين واستخراج الأفضل من كل واحد منهم، علاوة على براعة لغته السينمائية، وهو ما تبدّى عبر توظيف زوايا الكاميرا، وحركتها، والإضاءة، والألوان، وغيرها لخدمة القصة والمزاج العام للفيلم، الذي نجح مخرجه في الحفاظ على إيقاع مناسب لأحداثه، بما يجذب المشاهد، ولا يشتت انتباهه.
ولكون مهدي فليفل مخرجًا ذا خلفية وثائقية ذات حضور لافت، وعادة ما يستخدم أسلوبًا بصريًّا يجمع بين الجمالية الفنية والواقعية الخام، فقد ساهمت المشاهد التي التقطها بعيني مبدع حقيقي، في بناء جو من القلق والضياع، يعكس جوّانية الشخوص، علاوة على الألوان الرمادية والمساحات المظلمة التي تعزز الشعور باليأس والضياع.
وقد يجد البعض أن إيقاع الفيلم بطيء في بعض الأحيان، لكونه يركز على حالة الانتظار والتخبط اليومي للشخصيات، لذا قد يظهر بعض من التكرار في الأحداث، خاصة ما يتعلق بمحاولة جمعهم للمال، وأرى أن هذا الإيقاع مقصود ليعكس حالة التخبّط والملل حد اليأس للاجئين العالقين، لكنه هذا قد لا يروق لجميع المشاهدين، وهو ما لمسته في نقاشات جانبية، تلت عرض الفيلم في المسرح البلدي بدار بلدية رام الله، أخيرًا.

النهاية، وعلى عكس السائد، لا تقدم أي حلول قد تفضي إلى أمل

ولكون الفيلم لا يعتمد حبكة درامية تقليدية، ويتجه ليكون أقرب إلى ما يوصف تعريبًا باعتباره "شريحة من الحياة"، حيث تتتبع الكاميرا الشخصيات في محاولاتهم المتكررة واليائسة، فإن ذلك جعل بعض المشاهدين يشعرون بقلة التشويق أو التوتر السردي، وهذا ما ينطبق على موضوعة الغموض في بعض الدوافع أو الخلفيات، فعلى الرغم من التركيز على الشخصيات المحورية، قد يظل هناك بعض الغموض حول دوافع بعض الشخصيات الثانوية أو خلفيات الأحداث التي تؤثر عليهم بشكل مباشر، ما قد يترك بعض الأسئلة مفتوحة لدى المشاهد، وإن كنت أرى في ذلك قصدية يعكس من خلالها المخرج فوضوية حياة اللاجئين، وهو ما ينسحب على النهاية المفتوحة والقاسية للفيلم، الذي من أبرز ميّزاته أنه يؤنسن الفلسطيني ولا يؤسطره بالمطلق، لذا فإن النهاية، وعلى عكس السائد، لا تقدم أي حلول قد تفضي إلى أمل ما بتحقيق الحلم لمن تبقى على قيد النَفَس بحياة كريمة، ما قد يشكل إحباطًا لجمهور يبحث عن نوع مختلف من النهايات، يمنحه فسحة أمل، خاصة إذا ما كان الجمهور فلسطينيًا يعيش ظروفًا مأساوية على أرض فلسطين، فالفيلم ليس فيه تنفيسًا دراميًّا، إن جاز التعبير.
ويمكن وصف الفيلم بالجيّد إذا ما اعتمدنا مقولة هيتشكوك: "الفيلم الجيد هو الذي يبدأ بزلزال ثم يرتفع تدريجيًا إلى الذروة"، ففيلم "إلى عالم مجهول" يبدأ بما يجعل جفنيك مفتوحين على آخرهما منذ البداية وحتى المشهد الأخير، أو المفترض أن يكون الأخير، أما إذا اتجهنا إلى مقولة أكيرا كوروساوا بأن "السينما هي مرآة تعكس الواقع، ولكنها تعكسه بطريقة تجعله أكثر إثارة للاهتمام"، فإن فليفل قدّم في فيلمه هذا سينما حقيقية، لا تعمد نسخ الواقع، بل إعادة تفسيره، وتقديمه بزاوية فريدة بما يكشف عن حقائق عميقة تبدو كالسراب ظاهرة بينما هي مستترة، والعكس صحيح، والأهم أنه يقدمها بطريقة فنية مثيرة، فقوة السينما تكمن في خلق عوالم بديلة، وبالتالي جذب المشاهدين إلى حكاية يصدقونها، حتى لو كانت وهمًا، فالفيلم الناجح هو فعل من أفعال السحرة، وهو ما يؤكد عليه فيليني بقوله "السينما هي أجمل خدعة في العالم".
ثمة الكثير مما يمكن أن يقال في تحليل فيلم فليفل الأحدث، وبعضه يتعلق بمشاهد بعينها، وشخصيات عابرة وما هي بعابرة، كمالك الطفل الغزي، ومروّج المخدرات، والمزوّر المهرّب المحترف وأبدع في تجسيد دوره الفنان الأردني منذر رياحنة، لكن يبقى "إلى عالم مجهول" متميزًا بقدرته على أن يكون كما مخرجه ومؤلفه، صوتًا مهمًا ومؤثرًا في السينما الفلسطينية، ولا أبالغ إن قلت السينما المعاصرة، خاصة تلك التي تتناول قضايا النزوح والهوية.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.