شكٌّ في إمكانية أن نبدِّل الحياةَ بالموت، بدلًا من الموت في الحياة، فنخرج من سجن العقائد التي تُحوِّلنا من بشرٍ إلى حجرْ، وهذا ما يُقلِقُ هذا البطل، الذات الذي يحاول أن يخرج من سجن الأفكار التي قيَّدَهُ فيها مَنْ قيَّدَه؛ لِيَلِدَ ذاتَه. فيشق رداء الجمال الذي ألبَسَهُ إيَّاهُ مَنْ ألبَسَه، ليكشف عن الجِلْد/ الأساس الأخلاقي للإنسان، فيُورِّطُنا في أسئلته التي تكشف عن حزنه ومعاناته- تجربته، وكأنَّه حاملُ ذات الرؤيا "الجلجامشية" ومن ثمَّ "الهاملتية" للحياة. لكنَّه وهو يرتدي ثوبًا أبيضَ، ثوب المأساة التي هي كما يصفها: "الطريقُ الشَّاقُ إلى الحِكْمة، وأنَّنا قد فشلنا فشلًا ذَريعًا ومُريعًا في الوجود"، أو الانوجاد. سنراه يؤنِّبُنا/ يُقرِّعُنا. فما نعيشه هو وجودٌ؛ إنوجادٌ عدمي. فيما صوت صرير الباب، صوت صليل الأصفاد يصيرُ موسيقى مرافقة للزمن المسرحي فتزيد من ترقبنا فلا تتصادم الأصواتُ/ الأجسامُ، ويحدُثُ ذاك الانفجار.
لقد خاننا الطبيبُ النفسي الذي يطلبُ مِنَّا أن نحكي له أسرارنا ليُساعِدُنا على الشفاء. لكنَّه كما الرفاق الذين دَوَّخُونا بالشعارات التي سيُنقذون فيها العالم من الفقر والطغاة... سقطوا؛ سقطنا في المؤامرة. علينا أن نستعمل حرِّيَتَنا في الاختيار- وأقصد، ولا أعرف إذا كان المُؤلِّف والمُخرج يوافقانني- الاختيارَ الأخلاقي الذي لا يُبيحُ القتلَ؛ قَتْلَ الإنسانَ للإنسان. وأظنُّ أنَّ هذا ما يدفعُ بطل المسرحية إلى (اليأس)، الذي سبَّبَ له الألم العظيم، فنراه يلجأ إلى النوم: "أُريدُ أنْ أنام. في النوم نفعلُ ما لا نفعله في الصحو". أَهُوَ التراجعُ السلبي اللاوجودي؟ النومُ موتٌ، والموتُ عدمٌ.
أظنُّه الاستسلامُ؛ ولسببٍ قاهرٍ يُصرِّحُ به بطل المسرحية: "أنا خائفٌ ووحيد". وكأنَّ الخيانةَ- الخونة يلغون ديمومة حضور الذات الفلسفية الجدلية حتى يُحرَمَ الإنسانُ من إمكانية العيش بِعَظَمَةٍ وهو يُحقِّق العدلَ بدلًا من هذا الانحطاط. الممثِّل مساعد الزهراني ولو أنه كشفَ عن خَوْفِه وليسَ جُبْنِه وهو يؤدِّي دوره، فليس ليُثيرَ فينا كمتفرجين مشاعر الشفقة. بل إنَّه يذهب وهو في شدَّة اليأس ليكشف عن سوءاتنا العقائدية- نسمعُ صوت طلقات رصاص ليُعيدنا المُخرج عبد العزيز عسيري إلى الوعي بالواقع ونحنُ نتفرَّجُ على أحداث الخشبة- الممثِّلُ يتلوى وهو يحرِّك يديه وجذعه ويديه كمَن يدفعُ أذى عن جسده، ثمَّ يذوي إلى غرفة/خيمة: "صِرْنا نخافُ من بعضنا، وأُمِّي ذهبت ولن تعود أبدًا- وأنا: أنا بدأتُ أشيخُ، وصارت الصحف تكتبُ عنِّي". أي تكتب عن مأساته كونه كما يبدو تحوَّل إلى شخصيةٍ أو قضيةٍ عامَّة؛ فيما صوت موسيقى الصريرُ الصليلُ يتصاعد. المُمثِّل الزهراني في أدائه هذا كان يتجرَّد من جسده الشخصي فيُحيلُنا إلى جسد الشخصية بصفته جسدًا لروحٍ تتألَّم وليس جسدًا ممتلئًا بالكلمات. صحيح هو أخذ أدوارًا فأخبرنا عن: الطبيب النفسي، والأم، والرفاق، والعروس التي كان سيتزوجها، والقاتل. ولكنَّه كان يؤدِّي دور المُحلِّل المتخفي الذي يضعنا في صورٍ بصرية، ويزُجَّنا فيها كشركاء. كان يفرض علينا وهو يتنقَّل فوق الخشبة أن نُصغي إليه، وأيضًا أن ننظر ليتلاقى السمع والبصر. فبدا – وإنْ كان في حالة توتر وغليان- جسدًا مُعبِّرًا عن أصواتِ الأرواح التي كان ينوبُ عنها في الوجود، سواء بالقوَّة أو بالمُحاججة، فيُحيلُنا إلى (الآن، هنا) وعلى خشبة المسرح. فحركاته وإيماءاته وإلقاؤه، وحتى شهيقه وزفيره، كان يتناسبُ مع تمثيله لشخصيات مونودراما "التَذَكُّر: ذَخيرةُ الإنسانِ الأخيرة" في فرحها، على ندرة الفرح، وحزنها ويأسها واشتياقها للحريَّة والعدالة.
المُخرج سيزيدُ من جرعة الحزن الذي حلَّ ببطله، وقد ضاق بالألم- خاصةً ألمُ الخيانة والغدر، وهو ألمٌ تراجيدي، لأنَّ مصدره واضحٌ؛ وهو خيانة الذين ائتمناهُم على حياتنا. فيخرجُ بطله من جِلده الأخلاقي الذي زنَّرناه فيه، ويكسرُ الجدار الرابع فيُحقِّق شيئًا من ذروة مسرحية، وهو يشدُّ ستارةً بيضاء فيكشف عن أنا مُفكِّرة، أنا مُتمرِّدة تعيش معاناةً شعورية قاسية بوجودها، غياب وجودها وليس عَدَمَه: "إنَّهم يسرقون الحريَّة والبسمة والروح، يسرقون الأربعاء والخميس". لكنَّه وبشجاعة، وهو يعرفُ ويعترفُ، يُقرُّ بسرقةٍ اضطرَّ أن يقوم بها ليس كلصٍّ أو حرامي ثروات الأُمَّة. بل ولأنَّه تمَّ سرقة أحلامه وممتلكاته، وأضحى ضحية أنظمة قهرية يقوم بسرقة ثوب/ فستان لعروسه، غير أنَّه وأمام جبروت المُستبد الذي لن يسمح له بأن ينعم بالحريَّة ويعيش إنسانيته بالوجود عقلًا، تراه يرُدُّ الفستان للمتجر، لقد عزَفَ عن الزواج، لن يتزوَّج، بل سيقتصُّ من القاتل: "سأقتصُّ من القاتل وأحرق قلبه كما حرق قلبي على أُمِّي. إلى الثأر، إلى الثأر، اليومْ وقبلَ أنْ أموت سآخذ بثأري". المُخرج سنراه يدعمُ فكرة الثأر، أو هذا هو الحلُّ التراجيدي وإنْ كانت عادةً قبلية، فلن يوقف بطله من التقدُّم نحو الموت؛ الموتُ لا يُخيف. وهو في هذه الحالة كما جرى في هذه المونودراما "التَذَكُّر: ذَخيرةُ الإنسانِ الأخيرة" والتذكُّر هو ما يثير لدى الإنسان فكرة الثأر كونه يراجع حساباته، وأكثر ما يقرأ؛ يقرأ الفواجع والمآسي التي فيها خسائره في رحلته الحياتية، فيصير الموتُ عنده رحلةَ عبورٍ للاتحاد بالوجود المُطلق وليس انتقامًا. هي هكذا: "اعلموا أنَّ القبر ليس غرفة لتبديل الملابس، إنَّه أوَّلُ الخطوات في النزهة الأبدية".


تحميل المقال التالي...