انطلق في مدينة أفينيون الفرنسية مهرجان أفينيون التقليدي، الحدث المسرحي الدولي الرئيس في الصيف. ومع افتتاحه، ثار جدلٌ عامّ حادّ في الأوساط الثقافية الفرنسية بشأن موقف المثقفين من الحرب الإسرائيلية على غزّة.
من أهم العروض في المهرجان عودة المخرج الألماني الأشهر في أوروبا حاليًّا، توماس أوسترميير/ Thomas ostermeier إلى أفينيون بمسرحية "البطّة البريّة" للكاتب المسرحيّ النرويجي هنريك إبسن (1828 ــ 1906).
أما في شأن الإدارة، فسبق وحاول مديرون سابقون للمهرجان تجربة أشكال مختلفة من التعاون الإبداعي. ففي العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، قدّم المخرج السويسري فنسنت بودرييه نظامًا سمّي "نظام الفنانين المتحدين". وباعتباره مديرًا، وليس مبدعًا، كان فنسنت يدعو كلّ عام أحد المبدعين المسرحيين من أصحاب الخبرة العملية لمساعدته في وضع برنامج المهرجان السنوي، وبالتالي خفّف مسؤولياته الشخصيّة. أمّا خلفه المخرج الفرنسي أوليفييه باي، فتمكّن من إنجاز المهمة مع فريقه. بعد باي، توصّل المخرج والكاتب المسرحي البرتغالي تياغو رودريغز، الذي عيّن لاحقًا مسؤولًا عن المهرجان المسرحي الرئيس في فرنسا، إلى ابتكار نموذجٍ جديد، فأدخل نظام "اللغات الضيفة".
قبل ذلك، منذ عامين من اليوم، حلًت مسرحيات ناطقة بالإنكليزية (من بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية) كعرض "ضيف" على المهرجان. وكقاعدةٍ عامّة، لم يكن حضور اللغة الإنكليزية متواضعًا في المهرجان. في العام الماضي، وقع اختيار رودريغيز على اللغة الإسبانية، ما فتح الباب امام الجمهور للتعرف عن كثب على الممارسات المسرحية التي لا تنتمي إلى إسبانيا نفسها بقدر ما تنتمي إلى أميركا اللاتينية. وبغضّ النظر عن موقف المشاهد من بعض المسرحيات، التي جلبها رودريغز إلى أفينيون، فإنّه لا يستطيع أن ينكر حقيقة أنّ آفاق جمهور المسرح قد اتسعت أمامه في نهاية المطاف.
سبق لتياغو رودريغز أن أعلن أثناء مهرجان العام الماضي أنّ اللغة الضيفة ستكون في المرّة المقبلة لغةٍ غير أوروبيّة، ألا وهي اللغة العربيّة. حتى ذلك الوقت، كان يدور همسٌ خلف الكواليس بأنّ هذا القرار محفوفٌ بكثير من التحديات. في مقدّمة تلك التحديات موضوع القدرة التنافسيّة الإبداعية لمسارح البلدان العربيّة، التي وصفت بحقٍّ بأنّها مسألة مثيرة للجدل على أقلّ تقدير. غير أنّ القرار قد اتُّخذ بشكلٍ ما: ومن بين أكثر من أربعين عنوانًا مدرجًا في برنامج منتدى أفينيون الشهير عالميًّا، فإنّ ثلث العروض قد أُنتج بالفعل إمّا في بلدانٍ ناطقة باللغة العربية، أو بالتعاون الوثيق مع شخصياتٍ مسرحية من تلك البلدان.
من ناحيةٍ أُخرى، يرى المراقبون أنّ الوضع الذي تفترض فيه "الصوابية السياسية" تقديم تنازلات في مسألة المعايير الابداعيّة أجبر الأطراف على اتباع نهجٍ أكثر حذرًا عند اختيار المحتوى "غير العربيّ" في المسرحيات، ففي نهاية المطاف يجب أن تباع التذاكر، وخاصّةً في ظلّ تراجع مستوى الدعم الذي تحظى به الثقافة من الحكومة الفرنسيّة.
في هذا الوقت، كان بعض النقابيين قد هدّد بالدعوة إلى الإضراب في حال تجرأت وزيرة الثقافة الفرنسية رشيدة داتي، التي يُنظر إليها كمتهمةٍ رئيسة في مسالة خفض الدعم الحكومي للثقافة، على الظهور في أفينيون في مهرجان يوليو/ تموز، مما قد يؤدي فعليًا إلى تعطيل المهرجان. ومن بين التبعات الأُخرى لخفض الميزانية إحجام المخرجة المسرحية والسينمائية الفرنسية أريان منوشكين/ Mnouchkine Ariane، ومسرحها دو سوليه، عن المشاركة في فعاليات المهرجان.
ولأن العروض العربية كانت ضيف المهرجان، فإنّ الأحداث التي شهدها الشرق الأوسط في السنوات والأشهر الأخيرة، وحتى في الأسابيع الأخيرة، لا يمكن إلا أن تؤدي إلى ظهور مشاعر سياسيّة في محيط المهرجان. ربما كان في إمكان رودريغز أن يفعل شيئًا يجعل النقاشات تقتصر على المستوى الفنيّ، ولكنّه اختار بدلًا من ذلك صبّ الزيت على النار المتّقدة أصلًا، فأصدر يوم الافتتاح بيانًا ربط فيه المهرجان بالأحداث التي تدور في غزّة، ودعا فيه بشكلٍ صريح لا لبس فيه إلى إدانة إسرائيل. على الرغم من أنّ مهرجان أفينيون كان على الدوام حدثًا يهتمّ بالشأن السياسي، فإنّ الإدارة، ومنذ منتصف تسعينيات القرن العشرين، في أثناء الصراع في يوغوسلافيا السابقة، نأت بنفسها عن الإدلاء بمثل هكذا تصريحاتٍ جذرية واضحة منحازةً إلى طرفٍ من أطراف أيّ نزاع. ورأى عدد من المراقبين أنّ تصريح رودريغز معادٍ في جوهره للسامية، وأنّه تصريح متحيّز، ومستفز، وأنّه سمّم بالفعل أجواء المناقشة الحرّة التي يثمّنها ضيوف المنتدى عاليًا.
لكنّ هذا لم يكن كافيًا بالنسبة لرودريغز، وللناشطين اليساريين الذين دعموه. في اليوم الافتتاحي للمهرجان، نشرت مجلّة "تيليراما" الشهيرة رسالةً مفتوحة حول الموضوع نفسه، مكتوبةً بأسلوبٍ مؤيدٍ للفلسطينيين، وقّع عليها حوالي مائة شخصيّة ثقافية، بمن في ذلك عدد من المشاركين في مهرجان أفينيون.
وفي المهرجان لهذا العام، يقدّم رودريغز بنفسه مسرحية "المسافة"، التي تدور أحداثها بعد خمسين عامًا: تتحدّث المسرحية عن حوارٍ يجري بين أبٍ يعيش على كوكب الأرض المحتضرة وبين ابنته التي تعيش على كوكب المريخ. في لقاءٍ مع الجمهور جرى قبيل العرض الأول لمسرحيته، حذر رودريغز بالقول: "إذا استمرّ عالمنا في التحرك في الاتجاه نفسه الذي يسير فيه الآن، فإنّ هذه المسرحية قد تصبح مستقبلًا مسرحية وثائقيّة بكلّ ما للكلمة من معنى".


تحميل المقال التالي...