}

"كونتيننتال 25": التقاط دقيق لأزمات عالم معاصر

سينما "كونتيننتال 25": التقاط دقيق لأزمات عالم معاصر
لقطة من الفيلم

 

عُرف عن أفلامه تحلّيها بفكاهة سوداء تستهدف مجتمعًا معاصرًا يسوده الإهمال والنزعة القومية والإيمان والمواقف الأخلاقية المتزعزعة. في فيلمه الخامس" كونتيننتال ‘25" (2025) لا يتزحزح المخرج الروماني رادو جود عن أهدافه وأساليبه، يثير ذات الضحكات المرّة والإعجاب بقدرةٍ على التقاط دقيق لأزمات عالم معاصر.

يعود جود إلى قسم "آفاق" غير التنافسي، في مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي (4-12 تموز/ يوليو 2025)، مع عرض فيلمه الذي كان قد شارك في الدورة 75 لمهرجان برلين السينمائي الدولي وفاز بجائزة "الدب الفضي لأفضل سيناريو". فوز مستحق، فالفيلم يتمتع بسيناريو مكثف ومتين ومبهر في عمقه على بساطته، وهو ممتع رغم تعبيره عن أوجاع الفرد وحيرته وعجزه في عالم مادي لا يعبأ بالأحاسيس. ممتع كذلك بسخريته الذكية ودعاباته اللاذعة المعبّرة عن هجاء سياسي يتحلى بدقة تاريخية ومعرفة موسوعية بمراجع تاريخية وثقافية.

في فيلمه الأخير هذا، يتابع المخرج والمؤلف السينمائي صاحب "لا تتوقع شيئًا من نهاية العالم"(2023) الفائز أيضًا بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان لوكارنو 2023، التعليق على قضايا اجتماعية وسياسية في رومانيا المعاصرة، انطلاقًا من فترة ما بعد الشيوعية، مبرزًا تحولاتها بعد انضمامها للاتحاد الأوروبي، وليس نحو نموذج ديمقراطي اجتماعي، بل على نحو نموذج ليبرالي جديد لا يكترث إلا قليلًا لنظام الحماية الاجتماعية. لا يوفر رادو أحدًا من "وقاحته" كما يقال عنه، وتوصف نظرته للمجتمع والأنظمة السياسية بأنها خالية من أي ولاء أو لياقة. صرّح مرة في حوار أنه يتبنى صيغة كارل ماركس الشهيرة التي تقول إن التاريخ يعيد نفسه دائمًا، "المرة الأولى كمأساة عظيمة، والمرة الثانية كمهزلة بشعة".

رادو جود خلال تسلّمه جائزة "الدب الفضي لأفضل سيناريو" في مهرجان برلين السينمائي (Getty)


يُستهلّ "كونتيننتال 25" بظهور شخصية هامشية. متشرد كهل يحاول، بدون اقتناع بجدوى محاولاته، إيجاد عمل أو التسوّل بوسائل مبتكرة وعبثية. يقدمه المخرج بأسلوب طريف لاذع يعكس المجتمع الذي يعيش فيه من خلال سلوك أفراده وسبل عيشهم، نائيًا عن كلّ مبالغة عاطفية أو مشاعر شفقة. احتّل المشرد وتنقلاته المشاهد الأولى لدرجة يُظن معها أن السرد سيتابع على هذا المنوال جاعلًا من الرجل محور العمل. لكن جود الذي يتميز بفرادة أعماله، يميل دومًا إلى المفاجأة والسخرية من كل شيء حتى من توقعات المشاهدين. في نقلة مفاجئة يُحوّل مسار السرد من الضحية إلى الجاني. تصبح أورسوليا التي ظهرت فجأة مع فريق من الشرطة لتجبر المتشرد على إخلاء القبو الذي يسكنه كي يُبنى مكانه فندق سياحي ضخم، هي البطلة ومركز ثقل الفيلم. هي مأمورة محكمة في مدينة كلوج بترانسلفانيا (المقاطعة المجرية الملحقة برومانيا)، سيقود تنفيذها لقرار طرد المشرد إلى مأساة انتحاره. هنا تبدأ العقدة مع تساؤلها: "هل كان خطأي؟". تعتقد أن لها دخلًا بما حصل مع أنها ليست الجانية، بل الجاني هو القوانين التي لا تهتم بالإنسان. لكن المرأة الرقيقة تشعر رمزيًا أنها قد تكون متواطئة بطريقة ما ويتحكم بها شعور قوي بالذنب طوال الأيام التالية. تقرر أن تتخلى عن قضاء العطلة مع زوجها وأولادها لتراجع نفسها. تشعر بحاجة لأن تروي قصتها مع المشرد لكل من تصادف من زملاء وأصدقاء. تعيدها بذات التأثر والأسلوب: صوت مرتجف ودموع سخية. كأن المخرج، وهو أيضًا كاتب السيناريو، في إلحاحه على تكرار رواية القصة كل مرة تلتقي فيها أورسوليا بأحد من معارفها، يعمل على تأكيد عمق الأثر في نفس بطلته ويقدم في الآن ذاته دراسة إنسانية واجتماعية. كما يخلق الفيلم فضولًا لدى المتلقي يجعله مستعدًا لسماع القصة من جديد، لما تتيحه من الاستمتاع بحوار غني ومتنوع بين الطرفين والتقاط كل تفصيل في رد الفعل من حيث اختلافه وتنوعه من شخص لآخر فهؤلاء الذين تشاركهم عبء الضمير لا يستطيعون تقديم إجابة سهلة.  

لا يكتفي المخرج مثلًا، كما يتمّ عادة في الأفلام، بجملة مختصرة تفسر ما حدث لتلقي رد الفعل، بل يقرر أن تعيد أورسوليا القصة كل مرة، وإن كان مع تغييرات طفيفة لانفعال متفاوت في شدته. ومن المستغرب أن هذا التكرار للقصة لا يثير انزعاجًا، يعود الفضل من جهة لأداء الممثلة (إستير تومبا) التي تقدم في كل إعادة بعدًا جديدًا مؤثرًا لمشاعرها، وتنكشف شخصيتها كحالة فردية إنما ضمن نظام معين. فتجاه المعضلة الأخلاقية التي وقعت فيها، وقد تقع فيها من جديد، تبدو محاولاتها بالنجاة متنوعة، عبر إثارة نقاشات للتخفف من تأنيب ضمير، أو تبرع بسخاء، كما جاء في مشهد عرضي، لمنظمات غير حكومية وكأنه تكفير عن أعمال غير إنسانية تضطر إليها كطرد الفقراء من بيوتهم تنفيذًا لأوامر شركات عالمية تستثمر في البلد. ومن جهة أخرى يتيح التكرار إثارة جدل ما مع محدثيها يذهب أبعد من نقاش حول الذنب، كالتمسك بالهويات القومية عبر التطرق إلى تاريخ ترانسلفانيا باعتبار البطلة تنتمي إلى الأقلية المجرية، والهوة المتزايدة بين الفقراء والأغنياء وما تشهده رومانيا من تغييرات يفرضها الاتحاد الأوروبي، وعمليات البناء المتسارعة التي تقضي على حياة الفقراء. وخلال هذه النقاشات، يُترك للمكان أحيانًا التعبير عن أحوال بلد، كأن يتمّ التصوير في أماكن طبيعية واقعية كالبيت والشوارع وجاء أطرفها منتزه الديناصورات البلاستيكية السياحي التي برزت فجأة في الفيلم كأنها إعلان أن كل شيء مباح لاستغلاله لجذب السياح حتى عصور ما قبل التاريخ.

صُوّر فيلم "كونتيننتال 25" بهاتف محمول على مدار عشرة أيام، وهذا ما يفسر ربما عادية التصوير واقترابه من فيلم تلفزيوني تقليدي باستثناء المعالجة السينمائية الشيقة بذكائها وطرافتها وعبثيتها والتي اعتمدت شخصيات قادرة على شد انتباه المشاهد طوال الـ 109 دقائق مدة الفيلم. تحظى أفلام رادو جود بإشادات النقاد وتتسابق عليها المهرجانات الكبرى، وتُمنح أهمّ الجوائز. وتساهم كلماته، حواراته الصحافية وخُطبُه غير التقليدية والجريئة في لفت النظر إليه.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.