تشرف وزارة الثقافة والفنون في الجزائر على تنفيذ مشروع سينمائي ضخم يُجسّد سيرة الأمير عبد القادر، مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة. الفيلم، الذي لا يزال في طور الإعداد، يُنتظر أن يُنتج وفق معايير تقنية وفنية عالية، ويهدف إلى تقديم صورة متكاملة عن شخصية الأمير عبد القادر، ليس كمقاوم وعسكري فقط، بل كمفكر ومصلح عُرف بالحكمة، والتسامح الديني والبعد الإنساني أيضًا.
ويُعدّ الفيلم من أضخم المشاريع السينمائية المرتقبة في الجزائر، ويشرف عليه طاقم يضم نخبة من الباحثين والمؤرخين والفنانين لضمان عمل درامي يجمع بين الدقة التاريخية والجاذبية الفنية، ليُكرّس الأمير عبد القادر كرمز وطني وإنساني، ويُعيد تقديمه للعالم في صورة تليق بإرثه الفكري والسياسي والديني العابر للحدود.
ويتابع الجمهور تقدم مشروع فيلم "الأمير عبد القادر" بأهمية بالغة، وبسقف توقعات عالية، بالنظر إلى الاهتمام الذي يحظى به من قبل رئيس الجمهورية شخصيًا، والذي أكد على ضرورة إنجازه بمقاييس ومعايير عالمية، تليق بمكانة الأمير عبد القادر، باعتباره شخصية وطنية ودولية بارزة.
لجنة خاصة لتنفيذ المشروع
وفي سياق تنفيذ المشروع، تأسست لجنة الاستشارة والخبرة بتاريخ 10 شباط/ فبراير الماضي بمبادرة من وزارة الثقافة والفنون، وضمّت نخبة من الكفاءات العلمية والثقافية، من بينهم الدكتور جمال يحياوي (رئيسًا)، وأعضاء بارزون أمثال أحمد بجاوي، عمر درياسة، علال بيتور، واسيني الأعرج، دليلة حساين دواجي، مصطفى خياطي وعبد القادر دحدوح.
وتولت اللجنة مهامًا دقيقة، شملت تحديد الفكرة العامة للسيناريو، رسم المحاور الأساسية لسيرة الأمير، واختيار الأحداث التاريخية المحورية التي تستحق المعالجة الدرامية، إلى جانب ضبط قائمة الشخصيات الرئيسية التي سيشملها العمل.
وقدمت لجنة الاستشارة والخبرة المكلفة بمرافقة الفيلم بتاريخ 17 حزيران/ يونيو الماضي تقريرها النهائي الذي يُعد خلاصة أشهر من العمل البحثي والتوثيقي، يتضمن الأسس المرجعية لسيناريو الفيلم، استنادًا إلى وقائع دقيقة تُنصف مسيرة الأمير وتُبرز رمزيته الوطنية والإنسانية في قالب سينمائي معاصر.
وعقب ذلك أشاد وزير الثقافة والفنون بما أنجزته اللجنة من عمل علمي وتوثيقي "رفيع المستوى" كما وصفه، داعيا القائمين على الإنتاج إلى إبراز البعد التاريخي لشخصية الأمير عبد القادر، واستثمار ما تزخر به الجزائر من شواهد تاريخية وجمال طبيعي لترسيخ صورتها وجهة سينمائية عالمية.
من جهته سبق أن أشار مسير مؤسسة "الجزائري"، عقار سليم، المكلفة بإنتاج وتوزيع فيلم الأمير عبد القادر، إلى أن الفيلم سيكون مرجعًا ثقافيًا بحجم فيلم معركة الجزائر مع التأكيد على عدم إمكانية فصل السيناريو عن المصادر التاريخية الدقيقة.
مشهد ملحمي لفيلم عالمي
وفي ظل هذه التصريحات حول مستوى العمل المنتظر، والبعد العالمي المتوقع أن يظهر به الفيلم، يقول الكاتب والمخرج الجزائري محمد زاوي، عن مشروع الفيلم، في حديث مع "ضفة ثالثة": "لا أعتقد أن اللجنة تبنّت إنجاز فيلم وثائقي، ولكن تبنّت إنجاز فيلم روائي سينمائي. حتى الآن لا نعرف نتائج أشغالهم. لكنني أعرف توجهات البعض في هذه اللجنة خاصة الأستاذ أحمد بجاوي والأستاذ واسيني الأعرج اللذين يحرصان جدًا على أن يبرز الفيلم البعد الإنساني والفكري والروحاني للأمير عبد القادر".
ويضيف: "في رأيي يجب أن يكون السيناريو مبنيًا على توثيق معمق واستشارات واسعة ومصادر موثوقة وأن يجمع السيناريو بين الأسطورة والواقعية"، مؤكدًا أن تركيبة اللجنة التي تضم أسماء لامعة تعكس رغبة واعدة وواضحة في تنويع وجهات النظر، لأن الأمير عبد القادر هو بطل مقاومة وفي نفس الوقت هو إنسان بانتصاراته وخيباته وهذا ما يجب أن يظهر في الفيلم.
وصرح محمد زاوي لـ"ضفة ثالثة" أن مرافقة الفيلم من السلطات الجزائرية عبر قناة وزارة الثقافة ضروري في خلق الظروف المادية والمالية لصناعة هذا الفيلم، ولكن لا يجب أن تكون المتابعة الدقيقة برقابة غير معلنة. مضيفًا: "يجب أن توظف الكفاءات الوطنية الجزائرية في تأطير صناعة هذا الفيلم. فمثلًا، السيناريو يجب أن يكون لجزائري أو جزائريين يشتركون في كتابة السيناريو، لأن الجزائريين هم الذين يعرفون الأمير عبد القادر وليس الآخرين حتى نتجاوز النظرة الاستشراقية للأمير عبد القادر، فللأمر علاقة بالسياق الثقافي والتاريخي واللغوي الجزائري. وبإمكان منتج الفيلم أن يستعين بمصورين ومهندسي صوت سينوغرافيين عالميين، إذا لم يكن هذا متوفرًا في الجزائر".
ويقول زاوي: "لكي يكون هذا الفيلم منجزًا بمواصفات عالمية قادرة على تمثيل الجزائر في مهرجانات عالمية مثل مهرجان برلين وكان وغيرهما، يجب أن تقترب صناعة الفيلم من الشكل الملحمي، ليس من الضروري أن يشمل الفيلم كل حياة الأمير عبد القادر ولكن هناك لحظة ما في حياته جعلته بطلًا ومقاومًا ومؤسسًا للدولة الجزائرية، هذه اللحظة يجب تصويرها ملحميًا". وختم حديثه محذرا من اللغة المستعملة أو الخطاب السينمائي الموظف الذي يجب أن يكون قريبا من حياة تلك الفترة التاريخية.
الخطأ غير مسموح وباهظ الثمن
أكدت الكاتبة الجزائرية نادية نواصر، في اتصال مع "ضفة ثالثة"، أن الكتابة عن الشخصيات التاريخية، ولا سيما الثورية منها، تُعد من أصعب المهام الأدبية والثقافية، نظرًا لما تتطلبه من تقصٍّ دقيق للحقائق، وتحقيق في التواريخ والأحداث، واحترام للسياق التاريخي والوطني. وأشارت إلى أن بعض المؤرخين يقعون في أخطاء تغضب الجمهور، خاصة أولئك الذين يمتلكون دراية ومعرفة عميقة بالتاريخ.
وقالت نواصر: "إن الكتابة عن التاريخ صعبة جدًا. يجب أن تكون دقيقة، خصوصًا عند تناول مواقف الشخصيات، لأن أي خطأ قد يُفسر على أنه إساءة لرموز الثورة ويثير استياء المواطنين الغيورين على وطنهم وتاريخه".
وهو ما عاشته خلال تجربتها في البحث والكتابة حول شخصيات تاريخية بارزة، على غرار مفدي زكرياء، فاطمة نسومر، والثائر تشي غيفارا، مؤكدة أنها شعرت بالخوف من ارتكاب خطأ قد يُفقد العمل مصداقيته.
وأضافت: "الخطأ في التاريخ ثمنه باهظ. لهذا، فإنني أتحفظ كثيرًا عندما يتعلق الأمر بشخصية عظيمة كالأمير عبد القادر. لا بد من التعمق في البحث واستيعاب كل تفاصيل حياته قبل أن نُقدِم على أي عمل توثيقي أو فني".
وشدّدت نواصر على أهمية تقديم سيرة الأمير عبد القادر كما هي، من دون تزييف أو تحوير، قائلة: "إن تاريخ الأمير مشرف جدًا. إنه قدوة ورمز عالمي يُذكر في كل دول العالم كمناضل من أجل الحرية. يجب أن ننجز عملًا يُليق به، بذكاء ودقة، من دون أن نقع في فخ السرد السطحي أو التشويه المتعمد أو غير المتعمد".
وفي حديثها عن ضرورة تحويل تاريخ الثورة إلى أعمال فنية وسينمائية، دعت نواصر إلى مضاعفة الجهود لتوثيق بطولات الشهداء ورموز الكفاح الجزائري، موجهة نداءً صريحًا إلى صناع السينما للاهتمام بهذه الأعمال.
وقالت لـ"ضفة ثالثة": "نحن بحاجة إلى الأفلام لتوثيق هذا التاريخ العظيم، خاصة بالنسبة للجيل الجديد الذي لم يعش الثورة. الأفلام، تمامًا كالكتب، تؤثر وتُخلِّد الذاكرة الجماعية. علينا أن نغني ونفتخر بتاريخنا".
وختمت نواصر حديثها بالإشادة بفيلم "زيغود يوسف"، الذي كتب السيناريو الخاص به البروفيسور والكاتب المسرحي أحسن تليلاني، معتبرة أن نجاح الفيلم يعود إلى كفاءة كاتبه، وصدقه، وتعلقه بالثورة الجزائرية. معلقة: "البروفيسور تليلاني لم يكتف بالكتابة، بل عاش تجربة الفيلم بكل تفاصيلها، وكان حاضرًا في مواقع التصوير، يتابع ويشارك، إلى أن خرج الفيلم إلى النور، وهذا ما نحتاجه إليه في فيلم الأمير: شغف، معرفة، ووفاء لذاكرتنا الوطنية".
فيلم يعكس عبقرية رجل جمع الجزائريين في لحظة حاسمة
أكد الكاتب والصحافي عبد الرزاق بوكبة في حديث مع "ضفة ثالثة"، على أهمية أن يعكس الفيلم المرتقب حول الأمير عبد القادر عظمة هذه الشخصية التاريخية، ودورها المحوري في تشكيل الوعي الوطني الجزائري، قائلا: "ليست شخصية الأمير عادية، في المسار والمخيال الجزائريين، لذا يجب أن يكون الفيلم الخاص به فرصة لتبيان التميز الذي كان يتمتع به الأمير، في شخصيته وفي تفكيره وفي عبقريته وفي انفتاحه وإنسانيته وفي جمعه بين الجزائريين، في لحظة تاريخية حاسمة".
وعن البعد العالمي للفيلم، يضيف بوكبة لـ"ضفة ثالثة": "يأتي الأمير عبد القادر في صدارة الوجوه التي تملك القدرة على أن تلعب ذلك الدور في جمع الجزائريين على أبجديات الهوية الوطنية، بل إن الشعوب الأخرى محتاجة هي الأخرى لأن تعرف العمق الجزائري، بعيدا عن الأحكام الجاهزة المنتشرة عنا اليوم، ولا شك في أن فيلم الأمير سيساهم في ذلك".
من جهته تحفّظ رئيس لجنة الاستشارة والخبرة، الدكتور جمال يحياوي، عن الإدلاء بأي تصريح حول المشروع أو تفاصيل النص، مؤكدًا في اتصال مع "ضفة ثالثة" أن العمل يتم في صمت وبعيدًا عن الأضواء.
في الختام، يبقى مشروع الفيلم المنتظر حول الأمير عبد القادر محط آمال الجزائريين، الذين يتطلعون إلى عمل سينمائي يرتقي إلى مكانة هذه الشخصية التاريخية ويعكس صورتها المشرّفة محليًا وعالميًا.


تحميل المقال التالي...