يقام في متحف معهد العالم العربي في باريس معرض لا يمكن تجاوزه ابتداءً من عنوانه "لغز كليوباترا"، وانتهاءً بمضمونه. معرض بانورامي حاشد، تم افتتاحه في شهر حزيران/ يونيو 2025م ومستمر حتى 11 كانون الثاني/ يناير 2026م.
معرض استعادي موسوعي يتميز بأنه ليس كغيره من المعارض لما احتشد تحت سقفه من المعروضات المستعارة من الكثير من المتاحف المتباعدة والفرنسية مثل متحف اللوفر والمكتبة الوطنية في باريس وصولًا حتى التمثال العاري للملكة المقدسة كليوباترا الموجود في بحرة قصر فرساي، والفرعونية - الرومانية - اليونانية وكبار المتاحف الأُخرى والمواقع الأثرية الكبرى، وبما ينوف عن مائتين وخمسين عملًا فنيًا، تماثيل أثرية وصكوك نقدية ووثائق على ورق البُردي من المسرح والعقود الهيروغليفية والشهادات المرتبطة بهذه الملكة الشمولية، ناهيك عن الإكسسوارات اللاهوتية الطقوسية والتزيينية المرتبطة بالفرعونة كليوباترا، وحسنها المقدس وبقية الحلي والعطور والريحان وكل ما تشتهي الأنفس، وكذلك الألبسة الأنثوية الملكية الباذخة تم حياكتها من أجل المناسبات والطقوس المرتبطة بالمعابد والقصور المترفة. وقد تم إنشاء العديد من المعابد في الاسكندرية بناءً على طلبها كما ساهمت في توسيع وترميم الكثير من المنشآت في أثناء حياتها، مع العلم أنها من مواليد مدينة الإسكندرية عام 69 ق.م وتوفيت فيها عام 30 ق.م، لكن للأسف لا أحد يعلم مكان مدفنها رغم شهرتها منذ ألفي عام، والتنقيب مستمر دائمًا.
لعله من أهم المعارض الطموحة التي أقامها المعهد وأشدها حيادًا وكثافة في التوثيق الفني والنأي عن التأثير الاستشراقي، على الأخص خصوبة الكتاب المرفق باللغة الفرنسية (كاتالوج التعريف) الذي لا يقدر بثمن. معرض نخبوي موجّه إلى الزائر النخبوي أو المتعطش للمعرفة لأنه ثمرة مجموعة مختصين إبتداءً من الكوميسير وانتهاءً بمسؤولي المتحف.
* * * *
تتسلل أصالة وحرفية المعرض إلى الحاضنة التي امتصت كليوباترا رحيقها وهي مدينة الإسكندرية التي أنشأها الإسكندر المقدوني الكبير على شاطئ البحر المتوسط عام 332 ق.م واشتهرت بمكتبتها النادرة التي كانت مصدرًا لثقافتها العميقة، ومن ثم الصراع على السلطة الفرعونية في العصر الهلنستي.
يؤكد المعرض على نقل صورة رهيفة عن ذكورية السلالة الفرعونية في العصر الروماني، إذ لا يمكن مقارنة شهرة كليوباترا إلا بشهرة الملكة نفرتيتي المتفوقة في جمالها وأناقتها وأهمية زوجها امنحوتب الرابع الذي لقب بالملك أخناتون لاحقًا (الذي احتكر الدعوة التوحيدية إثر التعددية اللاهوتية)، وهي حال كليوباترا التي ورثت الحكم المقدس عن والدها بطليموس الثاني عشر، وكانت خلف مقتل أخيها البكر وزوجها في نفس الوقت لتختلس السلطة إلى ابنها حتى تحكم باسمه.
لم يشتمل التاريخ الفرعوني بالنتيجة على نساء في السلطة الحاكمة إلا نادرًا باعتبار الملكة هي أم الفرعون المقدس أو زوجته، وما الأهرامات إلا تعبير عن هذه الحالة، يدفن مع العاهل عائلته وخدمه وثروته وتغلق تمامًا من دون وسيلة لإعادة فتحها مما يكشف التقدم الهندسي الذي نقله اليونان، لذلك نجد أن اللغة الدارجة في مدينتها الإسكندرية (المتوسطية النصف رومانية) مزدوجة - فرعونية مصرية ويونانية- وهو ما يذكرنا بفك ألغاز الأبجدية الهيروغليفية في أواخر عهد نابليون بونابرت عن طريق العالم شامبليون وفريقه من خلال حجر الرشيد المنقوش باللغتين لأول مرة، مع بعثات ومطابع بونابرت التي أعاد توظيفها والي بلاد النيل محمد علي باشا الألباني، تهيئة لعصر التنوير والتواصل الديبلوماسي مع أوروبا.
يتفق المؤرخون وعلماء الآثار على أن كليوباترا تتمتع بشخصية قيادية قوية ذات سلطة أنثوية أخضعت العديد من القواد الرومان. كان تحالفها مع يوليوس قيصر ثم عشيقها ماركوس أنطونيوس الذي انتحر قبلها إثر هزيمته مع كليوباترا على يد أوكتافيوس في معركة "أكتيوم البحرية" ومن ثم قرار انتحارها بنفس العام بواسطة لدغة الكوبرا "الحية المقدسة".
يعانق المعرض منمنمات لمخطوطات من العصور الوسطى، يكشف الرسم فيها عن أن الحية كانت مزدوجة وكل واحدة تلدغ حلمات صدرها قبل موتها، وقد بولغ بأهمية هذه الرواية التخيلية منذ مسرحية وليام شكسبير "أنطونيو وكليوباترا" عام 1623م، لأن الأهم هي المواصفات الشخصية وفرض سلطتها على أقوى دولة في التاريخ. كانت كليوباترا حسناء ذكية ومثقفة ودبلوماسية تتبع قاعدة "المصلحة تبرر الواسطة"، كذلك ذات إرادة فولاذية، ولكن تواتر الروايات المتعارضة، أحيانًا، جعلت منها هالة رومانسية كرّستها السينما الأميركية منذ بداية السينما في القرن العشرين، حيث أنتجت هوليوود حول أسطورتها الملغزة والملفقة أكثر من مائتي فيلم، وقد ارتبط اسمها خاصة بالممثلة الشهيرة إليزابيث تايلور التي تفاعلت مع شخصية كليوباترا حتى تطابقت الشخصيتان في اللاشعور الجمعي.
| |
| عملة مصرية مصكوك عليها رأس كليوباترا 2021م/ مرآة مع صندوق مزين برأس ساتير، القرن الرابع- القرن الثالث قبل الميلاد، سويسرا، جنيف مؤسسة غاندور للفنون |
يعترف المعرض بأنه لا يعرف الكثير عن سيرتها الموثقة بما فيه موقع دفنها، بل إن الصور المعروضة احتمالية وليست أكيدة بما فيها تصاوير الصكوك النقدية التي تحمل بعضها اسمها وبعضها اسم يوليوس قيصر والمستعارة بذكاء من متاحف متباعدة ما بين الإسكندرية والفاتيكان واللوفر وفرساي وأثينا وسواهم، لدرجة اختلاط ذكرها بالآلهة إيزيس وأفروديت. نعثر بين الحلي المعروضة على موتيف الكوبرا الذهبي وكذلك العديد من المسلات الفرعونية.
يحترمها المؤرخون اليونان والمصريون ويحملون لشخصها وتراثها الطقوس التقدير الكبير بعكس الرومان الذين يؤكدون على دعارة جذبها الجنسي، وكأن شهرتها تعتمد على كونها غانية حسناء وهو ما أكدته أفلام كليوباترا في السينما الأميركية. ومهما يكن من أمر فإنها شغلت المرحلة التوليفية للحضارات الثلاث في الإسكندرية المتوسطية: وهي الفرعونية - اليونانية - الرومانية، وهو ما درج المختصون على وسمه بمرحلة الهلنزة الفرعونية أو سلالة "البطالمة" التي انتهت بانتحارها مخلفةً العديد من رحلات الموت باسم والدها مثل "معبد النّوبة".
معرض جذاب وأصيل ومشوق خاصةً أنه يمس مرحلة من مراحل التداخل بين شاطئين متقابلين على البحر الأبيض المتوسط وبين حضارتين مهمين في تاريخ البشرية، مما يفسر شدة الإقبال عليه في باريس، وخاصة أنه لم يهمل الجانب الثقافي العربي في موضوعه.
يذكر بيان المعرض أنه كتب عن حياة كليوباترا وعن انتحارها بإطناب المؤرخ المعروف المسعودي في كتابه "مروج الذهب"، وهي مذكورة كذلك في كتاب ابن النديم بعنوان "فهرست"، أما أحمد شوقي فلم يقف صامتًا أمام عظمة كليوباترا وركز في مسرحيته الشعرية حول الأيام الأخيرة من حياتها في الإسكندرية ما بين موقعة أكتيوم البحرية وانتحارها بعنوان "مصرع كليوباترا".
وبالختام، عندما تجولت في المعرض متأنيًا وبمتعة كبيرة راودت سمعي أغنية محمد عبد الوهاب المبكرة (عام 1944م) بعنوان "كليوباترا" من تأليف الشاعر علي محمود طه، يحضرني بعض أبياتها:
كليوباترا، أي لحن من لياليك الحسان/ طاف بالموج فغنى وتغنى الشاطئان/ وهفا كل فؤاد وشدا كل لسان/ هذه فاتنة الدنيا وحسناء الزمان...


تحميل المقال التالي...