رصدت الأمم المتحدة الحادي عشر من أغسطس/ آب للاحتفاء بطبول "ستيل بان"، أو الطبول النحاسية الموجودة اليوم في الفرق الموسيقية، أو الأوركسترا. وهي آلة فريدة من أرخبيل ترينيداد وتوباغو، نشأت في الشارع، وليس في ورشة تصنيع آلات موسيقية، ولها تاريخ مرتبط بالعنف والعبودية. إنها أداة شعبية بامتياز نشأت كوسيلة مقاومة ضد الاحتلال الإنكليزي، وهذه الذكرى والاحتفاء بها يولدان الفضول نحو التفكير في الموسيقى أداة للمقاومة تاريخيًا لدى الشعوب، ضد كل أشكال الطغيان، أو الاستبداد، أو الاحتلال، أو الظلم، في العالم، وعلى مرّ العصور.
المقاومة بالموسيقى ظاهرة ضاربة في تاريخ الشعوب
عندما ننظر إلى التاريخ، ندرك أن الموسيقى كانت في قلب التغييرات الاجتماعية، فهي تسرد نضالات وأفراح وآمال الشعوب. العلاقة بين الموسيقى والتاريخ متداخلة، وغالبًا ما يتم تخليد الأحداث البارزة في ألحان تتناقلها الأجيال على مرّ العصور، وتشكل ركنًا أساسيًا من الذاكرة الجمعية، والتاريخ المشترك.
المقاومة هي جزء لا يتجزأ من تاريخ الموسيقى، سواء أكانت سرية، أم معلنة. وعندما ندرس هذا التاريخ، سوف نرى أنه مليء بشتى أنواع وأحداث المقاومة بالموسيقى.
فمنذ العصور القديمة، استطاعت الموسيقى التسلل إلى زوايا السلطة والصراعات الاجتماعية، ومن خلال تقديم صوت خلفي للاحتجاج الجماعي كانت تتحوّل إلى وسيط قوي للاحتجاج. يستثمر الفنانون الموسيقى لتضخيم المطالب، متجاوزين الكلمات في أحيان كثيرة. من جيل إلى جيل، تتداخل الألحان والكلمات مع الحركات الاجتماعية، تعكس تطلعات، وإحباطات، وآمال أولئك الذين يرغبون في التغيير، سواء تم استخدامها كخلفية للاحتجاجات، أو كصرخة للاجتماع، تتجاوز الموسيقى الملتزمة العصور والحدود، مما يثبت قدرتها على التأثير والإلهام. لقد أثبتت، على مر القرون، أنها وسيلة قوية للتعبير عن الحركات الاجتماعية والسياسية، من خلال الأناشيد الملتزمة، أو أغاني التمرد، أو الألحان المليئة بالاستعارات، فقد كانت دائمًا أداة لتضخيم الأصوات المعارضة، أو صرخات الاحتجاج. يقول نيلسون مانديلا: "يمكن أن تعزّز السياسة الموسيقى، لكن للموسيقى قوة تتحدى السياسة". أما بالنسبة إلى تعزيز السياسة الموسيقى، بمختلف أشكالها، إن كان لناحية الألحان فحسب، أم الأناشيد من دون موسيقى، فيمكن الاستشهاد بأهمية هذا الأمر، بالحركات الاستشهادية، مثل داعش، وجبهة النصرة، اللتين استخدمتا الأناشيد كأداة للتجنيد، وبثّ أفكارهما التي تركّز على الجهاد العالمي والقتال، ليس من منطلق وطني فحسب، بل أيضًا من منطلق ديني. واعتمدتا عليها بشكل أساسي في شنّ حرب نفسية ضد الخصوم، سواء عبر إظهار القوة، أو التهديد المباشر.
الجاز كرمز كبير للمقاومة
لا يمكن الحديث عن الموسيقى أداة للمقاومة ضد كل أشكال الظلم والطغيان، من دون استهلال الحديث بالدور الكبير الذي لعبته موسيقى الجاز في هذا المضمار، فهذا التيار الموسيقي، الذي نشأ في أوائل القرن العشرين، لم يحدث ثورة في طريقة الاستماع إلى الموسيقى وإنشائها وحسب، ولكنه ساهم أيضًا في النضال من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية، والحقوق المدنية. ومن خلال معالجة مواضيع العنصرية والفصل العنصري والنضال من أجل الحقوق المدنية، كان الجاز أداة قوية لرفع الوعي وتحفيز الجماهير، فهو ينحدر من المجتمعات السوداء في الجنوب الأميركي، ويتشكل من اندماج أنماط موسيقية عدة مع الموسيقى الأفريقية.
استطاع الجاز أن يصل إلى جمهور واسع، وأن ينشر رسائله حول العدالة الاجتماعية والمساواة. ولقد أدت شعبية هذا النوع الموسيقي إلى زيادة الوعي بالمشاكل العنصرية في الولايات المتحدة، وفتحت الطريق لتغييرات عميقة في المجتمع الأميركي. وهكذا، لعب الجاز دورًا أساسيًا في تعزيز حقوق الإنسان والحريات للجميع، بغض النظر عن عرقهم، أو أصلهم.
بعض القصص عن دور الموسيقى في المقاومة
في عام 1910، في إنكلترا، قادت الملحنة إيثيل سميث معركة من أجل حقوق النساء. بتأليف "مارش أوف ذا ويمين"، وهو نشيد يلفت النظر إلى قضية النساء المطالبات بالحقوق الانتخابية، ويدعو إلى النضال. تم سجنها لأسابيع عدة في عام 1912 في سجن هولوواي في لندن بسبب إلقاء الحجارة على منزل سياسي، لكنها قدمت عرضًا لنشيدها من نافذة زنزانتها باستخدام فرشاة أسنان.
أما في فرنسا، فبعد هزيمة الجيش الفرنسي في عام 1917 في معركة شومان دي دام (سكة النساء)، إحدى أكثر المعارك دموية على الأراضي الفرنسية، ولدت واحدة من أشهر الأغاني في ذلك الوقت: أغنية "كران"، وهي تحمل رسالة سلمية معادية للحرب، في إشارة ليس إلى الهزيمة الفرنسية فحسب، ولكن أيضًا إلى عدد من التمردات، وقمعها من الجيش الفرنسي. لكن الأغنية حظرت على الفور بسبب "المساس بشرف الجيش والمقاتلين"، وبقيت محظورة حتى عام 1974.
وإذا كان الموسيقي الشهير تشايكوفسكي قد أوضح، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أن سيمفونيته رقم 7 تمثل النضال ضد "الرعب، والعبودية، والاضطهاد"، من دون أن يشير إلى مصدر هذا الرعب، وإذا كانت النازية هي الهدف الواضح، لكن ربما كان قمع ستالين أيضًا مصدر إلهام لهذا العمل. الغموض يسيطر على النيات الباطنة للملحن، لكن هنالك دلائل على معاناته تحت سلطة الديكتاتور السوفياتي، خاصة أن من المعروف عن ستالين اهتمامه بالموسيقى ومتابعته العروض الموسيقية كي يبقى عارفًا بمزاج الشعب وذوقه، ومتابعًا لهما، ويُبقي الموسيقيين تحت بصره في الوقت نفسه.
وقبل الحديث عن انتفاضات الشعوب العربية التي وسمت العقد الثاني من القرن الحالي، لا بد من التذكير بأسماء مهمة في الوطن العربي شكلت ظاهرة مقاومة ضد الطغيان السياسي والاجتماعي والديني، عدا أغاني المقاومة الفلسطينية، ومنها ما كان يذاع في الإذاعة السورية، ثم اختفت فجأة في أواخر سبعينيات القرن الماضي. من الأسماء المهمة التي اكتسبت جماهيرية واسعة وشكلت ظاهرة في الموسيقى المقاومة، الثنائي إمام/ نجم، كذلك المطرب والموسيقي مارسيل خليفة، من دون أن ننسى الراحل أخيرًا زياد الرحباني. لا يقتصر الأمر على هذه الأسماء فحسب، بل هنالك أسماء لموسيقيين وفرق موسيقية ومطربين كانت لهم أدوار مهمة في هذا الشأن، منهم من حاربته الأنظمة، ومنهم من أدى دوره وخبا صوته لاحقًا.
غالبًا ما تصبح الأغاني في قلب الاحتجاجات، أسلحة صوتية، بوصلات المقاومة، وأغاني تجمع الأفراد وتشكل زخمًا شعبيًا للاحتجاجات. كلمات قوية تُردّد بشكل جماعي، وتتميز بإيقاعات خاصة تملك القدرة على التأثير العاطفي وخلق موجة عاطفية جماعية، مما يخلق شعورًا بالوحدة بين المتظاهرين. من جميع الآفاق الموسيقية، يشارك عدد من الفنانين باستخدام منصاتهم لإدانة المشاكل المجتمعية. لقد رأينا هذه الظاهرة الاجتماعية، وهذا الاحتجاج، في ساحات التظاهر المختلفة خلال انتفاضات الشعوب العربية في ما سمّي بالربيع العربي، ففي زمن الاستبداد السياسي والاجتماعي والديني، كان الموسيقيون والمغنون الذين يقدمون أنماطًا معينة من الموسيقى، كالروك، والبوب، والميتال، يتعرضون للملاحقة السياسية والمحاصرة الاجتماعية من قبل أنصار الثقافة المحافظة الذين ترسخت سطوتهم على المجتمع وتأثيرهم الفاعل مع الزمن بمباركة الأنظمة السياسية القمعية ورجال الدين المتحالفين معها. لكن هذه الأنماط الموسيقية ازدهرت وملأت ساحات الاحتجاج وميادين التظاهرات مع بدء انتفاضات الشعوب العربية في بداية الربيع العربي، كذلك استفادت من التقدم الرقمي والتطبيقات المتطورة والأجهزة الذكية، فطُرحت هذه الأعمال الموسيقية في منصات عديدة، خاصة مواقع التواصل الاجتماعي، واكتسبت زخمًا إضافيًا، وازداد تأثيرها في الوجدان الجمعي. فهل يمكن القول، بكل ثقة ويقين، إن الموسيقى، أو الأغاني، لعبت دورًا مركزيًا في إسقاط الأنظمة في المنطقة، حتى الأنظمة الاجتماعية السائدة؟ وهل أدت رسالة ثورية؟ ربما من الصعب الجزم بهذا الاستنتاج، فهذه الثورات، أو الانتفاضات، أدت بالدول التي وقعت فيها إلى أحوال جديدة من دون أن تحقق الأهداف التي أرادتها الشعوب، خاصة جيل الشباب الذي يشكل الشريحة الأكبر في هذه الدول، لناحية الثورة على النظام السياسي، أو الاجتماعي. يذكرنا هذا بسؤال وجهه المحاور إلى الموسيقار السوري مالك جندلي، في مقابلة معه لموقع "صفحات سورية" في نهاية شهر يناير/ كانون الثاني 2025، حول دوره في المرحلة الانتقالية لسورية؟ وهو الذي لُقب بموسيقي الثورة السورية، وهو مؤسس منظمة "بيانو من أجل السلام" أيضًا، فقال: أن أكون صوتًا لسورية والشعب السوري، باستخدام "القوة الناعمة للفن"، إذ أنتجتُ خلال سنوات الحرب 10 ألبومات موسيقية توثق للثورة السورية، وهذا أمر في غاية الأهمية، أن تستخدم الموسيقى في توثيق المفاصل المهمة في تاريخ الشعوب، لكن، أعود إلى السؤال عينه: هل كانت الموسيقى وسيلة فعالة في المقاومة لدى شعوبنا؟ وهل تتوافر الشروط الموجبة من أجل أن تكون الموسيقى ملائمة لهذا الدور لدينا، في ظل ثقافة موسيقية عامة خاملة، أو متراجعة، وفي ظل تاريخ طويل من القمع السياسي والديني والاجتماعي أدى إلى نكوص نحو الماضي، وتبني منظومات قيمية ومعرفية بعيدة عن متطلبات العصر، بل إن شريحة من الشعب السوري اليوم تتبنى نهج تحريم الموسيقى في الإسلام، وهو أمر مُختلَف عليه، ووصل الأمر ببعضهم إلى أن يحرّم الاستماع إلى أغاني "الساروت"، إنما إلى كلماته فحسب، لأن الموسيقى حرام في الإسلام، كما يعتقدون.
اليوم العالمي لطبل "ستيل بان"
بالعودة إلى المناسبة العالمية التي تحييها الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا بد من إلقاء نظرة خاطفة إلى الخلف، وتبيان الظروف التي أنشأت هذه الموسيقى "المقاومة"، وكيف دخلت العالمية.
تقليديًا، يتم تصنيع الطبول الفولاذية في ترينيداد وتوباغو بطريقة يدوية بقطع برميل بسعة 216 لترًا، كان يُستخدم في الأصل لنقل البنزين، أو الزيت، إلى نصفين. ثم يتم طرق الجزء الداخلي من البرميل لتشكيل تجويف في القاع وزوايا تنتج نغمات مختلفة عند ضربها بعصي.
نظرة على التاريخ
في رحلته الثالثة، اكتشف كريستوفر كولومبوس جزيرة ترينيداد عام 1498. وفي ثلاثينيات القرن السادس عشر هبط جندي إسباني على الجزيرة عازمًا على احتلالها. استمر الصراع إلى أن وصل البحار الإنكليزي السير والتر رالي إلى ترينيداد عام 1595، وبعد صراع رحل، وعادت القوات الإسبانية. في عام 1777 سمحت السلطات الإسبانية بالتجارة الحرة في ترينيداد، مما أدى إلى جذب المستوطنين الفرنسيين، وتحسن اقتصادها بصورة ملحوظة، وهاجر المزارعون الفرنسيون مع عبيدهم والملونين والمولاتو (وهم أفراد ينحدرون من تزاوج الأوروبيين - عادة إسبان، أو برتغاليين- والأفارقة) من الجزر المجاورة، حيث أنشأوا اقتصادًا زراعيًا أساسه السكر والكاكاو، وأقاموا مجتمعات محلية.
من الصعب فصل تاريخ الإيقاع الفولاذي عن تاريخ النضال ضد الظلم. فمنذ القرن السابع عشر، كان الأفارقة المستعبدون في ترينيداد وتوباغو قد جعلوا من الآلات الإيقاعية وسيلة للتعبير، وأحد أدوات التماسك المجتمعي. ولكن في عام 1881، حظرت السلطات الاستعمارية البريطانية الطبول، خشيةً من قدرتها على التحريض على الثورة. ولأنها محرومة من هذا النشاط، ابتكرت المجتمعات المُهمشة الإيقاع الذي يُعرف باسم التامبو بامبو، وذلك بابتكار أدوات من عيدان البامبو، لكن السلطات منعت هذا النشاط أيضًا في الثلاثينيات، مما دفع الشباب للتجريب بمواد أخرى من بيئتهم. وهكذا وُلد الإيقاع الفولاذي: إناء زيت مدقوق تم إعادة تدويره إلى آلات موسيقية لحنية. يُعدّ وينستون "سبري" سيمون من الرواد الذين استشعروا الإمكانيات الموسيقية لهذه الحاويات المعدنية.
ومن جذورها المتواضعة في ترينيداد وتوباغو، قطعت آلة الـ"ستيل بان" شوطًا طويلًا. واليوم، تُعدّ رمزًا وطنيًا للدولة، وتُعرض في الفعاليات، مثل البانوراما، مسابقة فرق الـ"ستيل بان" خلال بعض الكرنفالات. إنه تكريم لصمود روح الترينيداديين واحتفال حيوي بثقافتهم الموسيقية. وأصبح "ستيل بان" يحظى بشعبية في جميع أنحاء العالم، حيث يدمج مجموعة متنوعة من الأنماط الموسيقية، من الجاز إلى الموسيقى الكلاسيكية، كما تم اعتماده من قبل مدارس الموسيقى في جميع أنحاء العالم، مما يفتح آفاقًا جديدة للاكتشاف والابتكار الموسيقي للطلاب. تأثير "ستيل بان" على الموسيقى العالمية هو دليل لا يمكن إنكاره على قوة ومرونة هذه الآلة الفريدة، التي تنحدر من صميم الفقر والظلم والاضطهاد والمعاناة.
في لحظات مفصلية كهذه، يعود زخم الأسئلة من جديد، خاصة بالنسبة إلى الحالة السورية، لكونها تنهض من تحت الركام، دولة وشعبًا، والمظهر العام الذي يحكم المرحلة هو الفوضى وازدياد تصدعات المجتمع مما يساهم في سرعة انهيار ما تبقى. فهل نستطيع أن نحلم بموسيقى تشكل شهادة تاريخية واجتماعية حقيقية تظهر كيف يمكن للفن أن يساهم في تغيير الواقع السوري، كما أظهرت أنماط وتجارب موسيقية عدة قوة الموسيقى ودورها في تغيير العالم؟


تحميل المقال التالي...