}

"ليلة العيد": هل كسرَ صمت المُشاهِدَات حقًا؟

نينا عامر 14 أغسطس 2025
سينما "ليلة العيد": هل كسرَ صمت المُشاهِدَات حقًا؟
تنهي عزيزة، التي جسدت شخصيتها يُسرا، مأساة نساء القرية...

 

في ليلةٍ من المفترض أن تكون ليلةً سعيدة، لأنها ليلة العيد، تتلاحق الأحداث الصعبة وكأنها لكماتٌ على وجوه النساء.

عند مشاهدتي فيلم "ليلة العيد" (2024) من تأليف أحمد عبد الله وإخراج سامح عبد العزيز، وجدت نفسي عالقة في دوامة لا تهدأ من الأسئلة، غير أن سؤالًا واحدًا ظلّ يطاردني: هل نجح الفيلم في كسر صمت مُشاهِداته أم لا؟

لم يمرّ الفيلم عليّ، كمشاهدة وككاتبة، مرورًا عاديًا كغيره من الأعمال، بل دفعني إلى كتابة عدّة تساؤلات طرحناها لاحقًا على مجموعة من النساء.

تدور أحداث فيلم "ليلة العيد" في يوم واحد، وهو اليوم الأخير من شهر رمضان، حيثُ تتشارك مجموعة من النساء مصائر حياتية متشابهة مع اختلاف القضايا التي طرحها الكاتب أحمد عبد الله في قصته. جسّدت كلٌّ من الفنانات المبدعات سَميحة أيّوب، يُسرا، ريهام عبد الغفور، عبير صبري، نجلاء بدر، يُسرا اللوزي، هنادي مهنا... أدوارًا غير عادية، حيثُ واجهن الكاميرا بشجاعة، وجسدت كل منهنّ دورها بإتقان وانغماس شديد، بدءًا بالعنف الزوجي بجميع أشكاله، وزواج القاصرات، والتسلط الذكوري الفارغ، وشكوك بلا معنى من زوج عاهر، وصولًا إلى الحماة التي تسعى خلف ابنها من أجل ختان ابنته ذات الأربعة عشر عامًا.

يبدأ الفيلم بقصة عزيزة التي تواسي وتساعد جميع نساء القرية، بينما هي بأمس الحاجة لمن يواسيها. عزيزة اضطرت للعمل في البيوت كخادمة منذ أن أُصيب زوجها بالشلل، وقد جعلتها الحاجة عرضة للتحرش في منزل الرجل الذي تعمل عنده، لتكتشف لاحقًا أن زوجها هو الذي دبّر ما حدث للحصول على نقود إضافية.

من الشاشة إلى الواقع: شهادات حقيقية لنساء يواجهن العنف

تقول مريم، البالغة من العمر خمسةً وثلاثين عامًا: "أجبرني والدي على السفر من أجل أن أعمل، وأنا شهريًا أرسل له راتبي كاملًا. أخبرته أنني أتعرض للأذى من الرجال في البيت الذي أعمل فيه، لكنه لم يهتم وهددني بأنه سيقتلني إن عدت. لم يكن هناك حلّ أمامي سوى أن أهرب من كل بيتٍ أتعرض فيه للتحرش".

قبل أيام، كنت أتصفح اليوتيوب فاستوقفتني إحدى حلقات برنامج الإعلامية الشهيرة رضوى الشربيني. قصة الفتاة في البرنامج الواقعي كانت شبيهة بقصة الخالة فرحانة في فيلم "ليلة العيد". قررت الخالة فرحانة ألّا تغادر القرية إلا بعد أن يعطِيها إخوتها الإرث الذي ورثته عن والدها، لكن إخوتها رفضوا بحجة أنه لا توجد امرأة ترِث. ورغم أن الفيلم صدر عام 2020م، فإننا لا زلنا نعاني من القصة نفسها. المرأة في البرنامج كانت ترجُو أخاها الأصغر أن يعطيها إرثها، وكانت حجته أيضًا أنه لا توجد امرأة ترث. اضطرّت الإعلامية الشربيني إلى إقناعه بكل الطرق: بالدين، وبالحيلة، وبالإقناع، حتى التوسل.

وعندما سُئلت المرأة: "لماذا لم ترفعي عليه قضية وتأخذي حقك بالقانون؟"، أجابت بأنها لا تستطيع أن ترى أخاها خلف القضبان. أمّا في الفيلم، فقد انتظرت الخالة فرحانة عشرين عامًا إرثها، حتى أحرق إخوتها الأرض وأصبحت بلا مأوى.

وتقول حليمة، البالغة من العمر ثمانية عشر عامًا: "زوجتني أمي وأنا في الرابعة عشرة من عمري، وللأسف أخذني معه إلى كينيا. كنت أخاف منه، لكنني كنت سعيدة بالحفل والملابس. عندما أخذني وسافرنا، وجاء وقت اختلائنا، سألته: ماذا تفعل؟ هذا عيب. حاول تجاهل كلامي وإكمال ما يفعل، لكنني قاومته، فضربني ضربًا شديدًا حتى كسر أنفي. تركت المنزل وبقيت عند الجيران، حتى جاءت أمي وطلقتني منه وعدتُ معها إلى اليمن".

الفيلم من تأليف أحمد عبد الله (يسار) وإخراج سامح عبد العزيز


من قصص النساء في فيلم "ليلة العيد"

من القصص التي طرحها الفيلم قصة سامية التي جسدت شخصيتها الفنانة ريهام عبد الغفور. سامية الشابة الطيبة التي تزوجت من رجل لم تعرفه حق المعرفة قبل الزواج به، يشك في كل تصرفاتها، رغم أنها لا تخرج من المنزل ولا تستخدم هاتفها. في ليلة العيد المنتظرة، تزينت جميع النسوة لأزواجهنّ، فقررت سامية أن تتأنق لزوجها وذهبت إلى مصفف الشعر أسفل شقتها. لكن زوجها ثار في وجهها حين رآها، وعلم أنها ذهبت إلى مصفف الشعر، فسحبها من شعرها أمام الملأ، وحبسها في الصالون، وحلق شعرها الطويل الذي سرحته من أجله، صفرًا بماكينة الحلاقة. هكذا عاقب الزوج، الذي يذهب ويعود مرارًا من بيوت الدعارة، زوجته التي تأنقت من أجله لتفاجئه في ليلة العيد.

يأخذنا المؤلف أحمد عبد الله في رحلةٍ طويلة نعجز فيها عن استنشاق بعض الهواء النقي، لنحزن مجددًا على هدى، التي جسدت شخصيتها الفنانة نجلاء بدر، والتي لا تتركها حماتها مصرّة على ضرورة ختان حفيدتها البالغة من العمر أربعة عشر عامًا، بحجة الخوف من الفضيحة. يبدو أن هذه الخرافة ما تزال ترافق النساء حتى يومنا هذا، لكن في رأيي يجب أن يتم توعية الرجال بالآثار والأضرار الحسية الناتجة عن ختان الفتيات، كما فعلت هدى مع زوجها.

لا يفهم الكثير من العوائل غير المتعلمة ضرورة العلم والتعليم، فيواجهون أحلام أولادهم بسؤال واحد: "هل يجلب لك المال أم لا؟" فإذا كان الجواب "لا"، فهذا يعني أن الحلم بلا فائدة. هكذا حصل مع بطلة فيلمنا، منال، التي جسدت دورها يُسرا اللوزي. كان حلم منال هو الفوز ببطولة مصر في الرياضة، لكن والدها لم يستطع فهم ما تفعله أو ما تحاول فعله، وفي كل مرة تعود فيها من مقابلة تلفزيونية أو من تدريب، يسألها إن كانت قد جلبت بعض النقود.

أمّا عايدة، الطفلة ذات الأربعة عشر عامًا، فتلهو وتلعب مع صديقاتها في القرية، جاهلة بما يتم التخطيط له من أجلها. فقد قرر والدها أن يزوجها لرجل يكبرها بستةٍ وثلاثين عامًا، بسبب الديون المتراكمة عليه، والتي سيدفعها عنه زوج ابنته. ورغم شعوره بالاستياء لأنها طفلة، فإن شيخ القرية يبرر فعلته الشنيعة بقوله: "إن جاءتها الدورة الشهرية، مهما كان عمرها، يجوز تزويجها".

ونهلة، التي ورثت حبّ العزف والغناء من والدها، كانت تحلم بأن تصبح مغنية مشهورة، وتظهر على القنوات، وتشارك في الحفلات، لكنّها كانت تنال هي ووالدها المصاب بالعمى غضب أخيها، الذي كسر على رأسيهما عود الغناء بعد معرفته بأنها غنّت في حفل حناء عايدة. أجبرها على قبول الزواج من شيخ القرية، الذي ترفضه لأنه يكبرها كثيرًا وهو متزوج بامرأتين.

وأخيرًا، نتابع قصة آمال، التي أُجبرت على الجلباب والنقاب بعد الزواج، ومنعها زوجها المتدين من مشاهدة التلفاز لأنه "يدخل الشياطين إلى البيت"، ليصاب بهستيريا وينهال عليها بالضرب في ليلة العيد، بعد أن شاهدها تشاهد فيلمًا، ويطالبها بعد ثوانٍ بـ "واجبه الشرعي" كما جاء على لسان الشخصية.

اختلطت رائحة الكعك والحلوى التي عبقت بالقرية مع رائحة الدموع والدماء والحريق، لتنهي عزيزة، التي جسدت شخصيتها الفنانة القديرة يُسرا، مأساة جميع نساء القرية بجمعهنّ على متن قارب، والإبحار بهن إلى القاهرة، بعيدًا عن القرية الملعونة بتقاليدها وأفكارها البائسة.

 

* نينا عامر كاتبة ومصممة غرافية يمنية. رئيسة تحرير مجلة "إيلدا" للأدب والإبداع النسوي.

 

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.