}

المهرجان القومي للمسرح المصري 18: "في كل مصر"

وائل سعيد 17 أغسطس 2025
مسرح المهرجان القومي للمسرح المصري 18: "في كل مصر"
بوستر الدورة الثامنة عشرة

في خطوة جديدة، بعيدًا عن مركزية العاصمة، انطلقت فعاليات الدورة الثامنة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري في يوليو/ تموز 2025، متنقلة بين محافظات الإسكندرية وطنطا وبور سعيد وأسيوط، تحت شعار "في كل مصر"، في رسالة تؤكد على "أن المسرح حق للجميع، في كل مكان، ولكل إنسان"، كما جاء في كلمة رئيس المهرجان.

انطلقت الدورة الأولى في منتصف شهر يوليو/ تموز 2006، في عهد وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني وبرئاسة أشرف زكي، النقيب الحالي لنقابة المهن التمثيلية، وذلك "من أجل تأصيل ملامح المسرح المصري المعبر عن الشخصية المصرية"، بحسب اللائحة التنفيذية. فيما افتتحت الدورة الجديدة بعرض "افتح ستاير مسرحنا" من إخراج خالد جلال، الذي قدّم محاكاة مختصرة لمراحل إعداد عرض الافتتاح، متابعًا تحضيرات وبروفات العرض على الخشبة، فيما يتلقى اتصالات من رئيس المهرجان ومديره المخرج عادل عبده، مع تصوير حالة التوتر والترقب التي تسبق الافتتاح، مستعينًا بكافة رؤساء اللجان التنفيذية للمهرجان كممثلين عن مواقعهم.
أما عرض الختام، فكان استعراضًا بعنوان "مسرحنا حياة"، بصوت الفنانة صفاء أبو السعود. ليختتم سلسلة العروض والفعاليات التي تخللتها ندوات ولقاءات موسعة، بجانب 25 ورشة فنية تقدم لها نحو 14 ألف متدرب، واستكملت فعالياتها في القاهرة، كما أُعيد تقديم الأعمال المسرحية الفائزة في الدورة السابقة.


عالم ورق

إلى جانب بعض التكريمات الموازية، سواء للرموز الفنية في المحافظات أو الذين رحلوا، مثل الشاعر والمسرحي الشاب يوسف مسلم الذي غيبه الموت مؤخرًا، ضمت قائمة التكريم الرئيسية عشرة أسماء، كما هي الحال كل عام، وغلب عليها عنصر التمثيل، من بينهم: سميرة عبد العزيز، ميمي جمال، محي إسماعيل، أشرف عبد الباقي، جلال العشري، وفنان البانتومايم الشهير أحمد نبيل، الذي فاجأ الحضور بعرض قصير لم تتجاوز مدته دقائق، مؤكدًا أنه لا يزال يحتفظ بقدرته على التجسيد الصامت. اعتزل نبيل التمثيل في عام 2011، ويُصنف كواحد من أفضل 20 مؤديًا على مستوى العالم من حيث الأسلوب.
كما جرت العادة، يتضمن بروتوكول التكريم في كل دورة إصدار كتاب مستقل لكل مكرم، يوثق أو يحلل مراحل مشواره الفني، على أن تُعقد ندوة احتفالية لعرض وتوقيع الكتاب يحضرها صاحب التكريم. هذا العام، حضر جميع المكرمين ندواتهم، باستثناء محيي إسماعيل وأشرف عبد الباقي، رغم ذلك لم تصدر إدارة المهرجان بيانًا بإلغاء الحدث سوى مع الأول وذلك "انطلاقًا من مبدأ الانضباط والاحترام المتبادل بين جميع المشاركين والجمهور". وكان إسماعيل قد صرّح في أحد البرامج التلفزيونية بأن من الأجدر أن يكون تكريمه في صورة نقدية، واصفًا ما حدث بـ"مجاملة بايخة"!

المكرمون في حفل الافتتاح


كما تجلى فتور موقفه في حفل الافتتاح، حين تسلّم درع المهرجان من وزير الثقافة بابتسامة مقتضبة، ثم ناوله مدير المهرجان شهادة التقدير، فاكتفى بإلقاء نظرة عابرة قبل أن يعيدها إليه بلا اكتراث.
موقف قد يراه البعض اعتياديًا من محي إسماعيل، الذي لا يفوّت أي فرصة لإثارة تريند جديد، إلا أن الكتالوج المطبوع لبرنامج المهرجان يكشف غير ذلك، حيث خلا من اسميهما، إسماعيل وعبد الباقي، رغم أن المطبوعات وُزعت ليلة الافتتاح؛ قبل أن يفتعل إسماعيل زوبعته المعتادة؛ ما يشير إلى أن الأمر جرى بتفاهم مسبق بينهما وبين الإدارة. على جانب آخر، كان من اللافت أيضًا حرص محمد رياض، رئيس المهرجان، على الظهور الإعلامي بشكل واضح، أحيانًا بمستوى مبالغ فيه، ربما بدافع تعويض الخفوت الفني الذي لاحقه كممثل خلال السنوات الأخيرة. تولى رياض رئاسة المهرجان منذ الدورة السادسة عشرة، ولم تخل أي من الدورات الثلاث التي ترأسها من ملاحظات، خصوصًا فيما يتعلق بالجوائز.

للائحة أحكام

ضم برنامج العروض هذا العام 34 عملًا مسرحيًا تنافست على جوائز المهرجان، إلى جانب مسرحيتي "شارع المعز"، و"عادي جدًا" اللتين تم عرضهما على الهامش من إنتاج منظمات المجتمع المدني؛ حيث لم يُخصص لهما سوى يوم واحد للعرض – من دون مبرر معلن- بخلاف جميع العروض في القائمة. فيما تنوعت جهات الإنتاج بين المسرح المستقل والخاص والمسرح الجامعي والهواة، بالإضافة إلى فرق الدولة صاحبة النصيب الأكبر في المشاركة.
وعلى الرغم من كونه واحدًا من الأسماء الدائمة في عضوية اللجنة العليا للمهرجان، حصل المخرج خالد جلال عن عرضه "حواديت"، على الجائزة الخاصة للجنة التحكيم كأفضل عمل جماعي، كذلك نالت مسرحيته السابقة "حاجة تخوف" شهادة تقدير ضمن مشاركته في دورة العام الماضي، وربما للمفارقة، تُعد هذه المسرحية أفضل بمراحل من عرضه الجديد.
إلى جانب مساحات التضارب التي تتكرر سنويًا مع بعض المشاركين أو العروض، يلفت الانتباه أيضًا تكرار ظهور عدد من الأسماء والجهات في قوائم الجوائز هذا العام، التي يمكن تقسيمها إلى أربعة مستويات، يضم المستوى الأخير المسرحيات التي حصدت جائزة واحدة وهي: الباروكة- جائزة لجنة التحكيم الخاصة في الأداء، استدعاء ولي أمر- أفضل دعاية، مارلين- أفضل أزياء، يمين في أول شمال- أفضل تأليف، العشاء الأخير- أفضل ممثل دور أول رجال، مرسل إليّ- أفضل ديكور، مناصفة، فيما حصل محمود الحسيني على جائزة أفضل تصميم إضاءة عن عرض "محاكمة آرثر ميلر"، هذه الجائزة التي لم تُخطئه طوال السنوات الماضية، حتى أنه كتب على صفحته الشخصية عقب إعلان النتائج يقول: "الثالثة على التوالي، والسادسة في الدولاب".

مشهد من العرض المسرحي "سجن النسا"


في المستوى الثالث، نتابع الأعمال التي حصلت على جائزتين ولم يتجاوز عددها ثلاث مسرحيات، بداية من "الأخوة كرامازوف" - أفضل ممثلة دور ثان، أفضل ممثل صاعد، مناصفة، و"ثرثرة"- أفضل موسيقى وأشعار، بينما ذهبت جائزة أفضل ممثل دور ثاني رجال، مناصفة، إلى مسرحية "الأولاد الطيبون يستحقون العطف" دراماتورج وإخراج محمد أمين، الذي نال عنها جائزة أفضل مخرج صاعد.
في المركز الثاني من حيث عدد الجوائز، يأتي عرض "الوحش" دراماتورج وإخراج محمد عادل النجار، ليحصد ثلاث جوائز في التمثيل والأداء من بينها "أفضل ممثل صاعد"، مناصفة، كذلك حصل النجار على جائزة أفضل مؤلف صاعد عن مسرحية "أول من رأى الشمس" إنتاج الهيئة العامة لقصور الثقافة، وأفضل دراماتورج عن عرض "جرارين السواقي"، ليكون بذلك صاحب أكبر عدد من الجوائز الفردية في هذه الدورة.
وأخيرًا، اقتصر المستوى الأول من حيث عدد الجوائز على عرضين، حصد كل منهما أربع جوائز. الأول هو العرض الاستعراضي "كارمن" للمخرج ناصر عبد المنعم: أفضل أداء حركي. أفضل دور أول نساء. أفضل عرض مسرحي ثان. وأفضل ديكور، مناصفة. أما العرض الثاني "جسم وأسنان وشعر مستعار"، فجاء على عكس التوقعات تمامًا، بداية من انتمائه إلى القطاع الخاص في الإنتاج، في سابقة قد تكون الأولى في تاريخ المهرجان يحصد فيها عمل من هذا القطاع حزمة من الجوائز، شملت: أفضل عرض متكامل - مركز أول، أفضل تأليف موسيقي وأفضل إخراج، وأفضل ممثلة صاعدة، كما رُشح لجائزة أفضل إضاءة. العرض للمخرج الشاب مازن الغرباوي، مؤسس ورئيس مهرجان شرم الشيخ للمسرح الشبابي، الذي جمع فيه بين التأليف والإخراج وتصميم السينوغرافيا معتمدًا على منهج يحتفي بالتجريب والمغايرة، ومتحررًا من الفضاء التقليدي للمسرح، ما جعل البعض يستنكر مشاركته من الأساس في مهرجان من هذا النوع.
عادةً ما تُقابل قرارات لجان التحكيم في المهرجانات بقدر من التحفظ، لكن الدورة الحالية من المهرجان القومي للمسرح تجاوزت حدود الاعتراض إلى اتهامات صريحة وُجهت للجنة التحكيم سواء بالمحاباة والحسابات غير المعلنة أو الخضوع للمحاصصة، خاصة بعد أن أغفلت الجوائز عددًا من العروض المميزة لاقت تقديرًا نقديًا وجماهيريًا يصعب إنكاره. فمسرحية "سجن النساء" مثلًا للكاتبة فتحية العسال إخراج يوسف مراد منير، ضمت مجموعة كبيرة من البطولات النسائية اللافتة اشتركن في صنع حالة مبهرة من أداء استثنائي، كان يؤهل العمل بقوة لجائزة أفضل عرض جماعي.

مشهد من عرض الافتتاح: المخرج خالد جلال يتوسط فريق اللجان


لعل ذلك ما يفسر حرص لجنة التحكيم الواضح إلى حد المبالغة، وقت إعلان النتائج، على التأكيد أن قراراتها جاءت نزيهة وخالية من أي أهواء أو تدخلات؛ حيث شددت منال سلامة، عضو اللجنة، على ذلك في كلمتها أكثر من مرة، فيما أشار الفنان رياض الخولي، رئيس اللجنة، إلى أن جميع العروض التي شوهدت كانت جديرة بالفوز في جانب أو أكثر من عناصر العرض المسرحي، ولكن لائحة المهرجان حالت دون ذلك. 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.