}

حول تكوين بصمة تأليفية في سينما حكيم بلعباس

عبد اللطيف عدنان 2 أغسطس 2025
سينما حول تكوين بصمة تأليفية في سينما حكيم بلعباس
حكيم بلعباس (Getty)

أسالت سينما حكيم بلعباس مدادًا كثيرًا لما تتفرد به داخل مجال السينما المغربية من ميزة خاصة على مستوى الفكرة والإجراء التأليفيين. لم تتجاوز العناوين، التي أنجزها هذا المخرج المغربي المقيم بمدينة شيكاغو، العشرة لكي تحظى بالانتباه المعرفي، وتلفت إليها أنظار النقد والدراسات الأكاديمية، على مستوى محلي ودولي وبشتى لغات الأرض. فأفلامه تحمل رؤية خاصة في طريقة الاستثمار في واقعية سينمائية تنفذ لجيوب متخفية في الواقع الذي تعبّر عنه، وبدون أن تساوم في فنيتها وصيغتها الجمالية.
نعثر في سينما حكيم بلعباس على مبادئ صناعة فيلمية لا تؤمن بالحدود التي ترسمها الأجناس السينمائية. أفلامه لا تمتثل لإطار نوعي سينمائي يحتكم في مكوناته للعناصر الداخلية والخارجية الخاصة بالجنس الروائي أو الجنس اللاروائي بشكل صارم وبيّن الملامح. أفلام مثل "عش في القيض" (1996) و"حرفة بوك" (2008) و"وجوه" (2009) و"أشلاء" (2010) و"محاولة فاشلة في تعريف الحب" (2012)، وحتى أفلامه المحسوبة أجناسيًا على النوع التخيلي مثل فيلم "عرق الشتا" (2016) أو فيلم "لو كان يطيحو لحيوط" (2022) تشكل تنويعات سينمائية يتحاور فيه النوع التسجيلي مع التخيلي بانسيابية ونسبية (relativization)، وبشكل يقترح على المشاهد مراجعة القناعات السائدة في تمثل العمل الفيلمي، إن لم تدعوه مباشرة إلى تقويض هذه الصنمية في التصنيف والتجنيس التي تملي عليه صيغة محددة في المشاهدة الفيلمية.

في رهانها على المجال البيني للشك واليقين، الحقيقة والوهم، الواقع كتطلعات وحلم، والواقعية كتجربة سينمائية، تفصح حكايات حكيم بلعباس الواقعية عن نفسها في شكل مشروع مفتوح لحياكات غير مكتملة لتفاصيل وجزئيات من الواقع. تبني أفلامه على نظرة تأليفية لا تخفي نيتها في انتهاج أسلوب التمرين عوض التمرس داخل قالب أسلوبي بيّن في شكله ومحدّد في ملامحه، وتراهن على الفراغات والإبهام وكثير من الصمت الذي يستفز المتلقي ويجره إلى العالم الفيلمي كمشارك ومكمل دينامي في تجربة إنجاز الفيلم، عوض كونه مجرد متلقٍ فاتر لمادته المضامينية.

من منطلق لغويتها الخاصة تتحاور سينما حكيم بلعباس مع النماذج البارزة للسينما الواقعية. لنعثر في أفلامه على أثر الواقعية الجديدة الإيطالية بالصيغة التي تجمع بين دي سيكا، وهو يقترح علاقة جديدة للسينما بالواقع، وبين ساتياجيت راي وهو يفتح هامش هذه الواقعية على عوالم مختلفة تشمل المرئي والرمزي، كما المتعالي والمحسوس في واقع مختلف غير الواقع الذي نهل منه التيار الإيطالي. كما نعثر في معالجاته لمادته الفيلمية على أسلوب تتداخل فيه الحسية الواقعية التي تميز بعض التجارب السينمائية الجديدة، تضع العنصر البشري في صلب الأهمية، كما هي تجربة الأخوين دردين، وتدقق في تفاصيل مهمشة عادة ما تسقط في اعتبار سينما الحكاية والحبكة الدرامية، كما هو الشأن في تجربة المخرج البرتغالي بيدرو دي كوستا. تشكل سينما حكيم بلعباس هذا الوجه المختلف لواقعية توترية (edgy realism) ترصد الواقع في زمنيته وهو محاط بغموضه العضوي، فاسحة له المجال لكي يملي نمط الإفصاح عن نفسه، ومن داخل شروطه الموضوعية الخاصة، وهي تتداخل برؤية مؤلف سينمائي لا يساوم في أحقيته في تذويت (subjectification) مادة هذا الواقع مساِئلًا ومستنطقًا هذه الشروط.
كل هذه المعطيات تجعل من سينما حكيم بلعباس حيزًا خصبًا للتلاقي والحوارية، وتفسح هامشًا مفتوحًا من التقاطع بينه وبين مؤلفين سينمائيين يُحسبون على تيارات وحساسيات خلفت بصمتها في صيرورة التحولات التي عرفها الفن السينمائي من خلال تنوعاته التي تراهن على علاقات جديدة بين السينما والواقع. بالتالي، ودون أن تعلن عن أي ارتباط أبوي صريح مع مرجعيات تأسيسية لذاتها في هذا التيار، نجد تجربة حكيم بلعباس هي الأخرى تحاذي تخومه الأكثر تجريبية في الرؤية والتدبير العملي كما هو الشأن بالنسبة للتيارات الواقعية التي تفرعت عن الموجة الإيطالية، كالسينما البريطانية الجديدة أو الحركة الدانماركية دوغما 95.

"أشلاء"...

شكلت تجربة "أشلاء" السينمائية حدثًا فارقًا في تاريخ السينما المغربية، وكانت هي الباب الذي نفذ منه حكيم بلعباس إلى السينما المحلية والكونية وهو يحمل بصمة تأليفية خاصة. في هذه التجربة أثث لأرضية فعل سينمائي يراهن على لغة حكي جديدة، تعيد إدماج الواقع في بعده الذاتي والموضوعي وبشحنته الطبيعية من التوتر والاستشكال، وبشكل يتجاوز الإطار المضاميني ليمد هذه اللغة بأبجديتها الخاصة في الكتابة بالصورة والصوت.
بداية ومن عنوانه "أشلاء" الذي يتحمل كل معاني التجزيء، والتجميع التي تشمل بقايا لأشياء ما، يفصح هذا الفيلم عن نيته النصية كفيلم يتفعّل عبر دافع رئيسي هو خلق ذاكرة سينمائية عبر استراتيجية تأليفية تكمن في الالتقاط والتجميع والتوضيب لعناصر مقتطفة من الواقع. هذا التوليف يخلق منطقه الخاص ويمنح الأشياء المعروضة وهي مندمجة في خلق لغوية جديدة تختلف عن التي كانت تحكم معناها وهي متأصلة في الواقع الذي تنتمي إليه. تجميع هذه العناصر بشكل يتوزع بين الصورة والصوت، وهي تحتفظ كذلك بالشحنة الدلالية والرمزية التي تحملها في مرجعيتها السوسيوثقافية، وبالرهان على حلول الانعكاسية وإقحام مراحل إنتاج الفيلم في متن الفيلم، إضافة إلى الومضات التي تحيل مباشرة على أفلامه السابقة خصوصاً فيلم "عش في القيض"، يشكل فيلم "أشلاء" نموذجًا لتوليف أسلوبي اقترحت الباحثة الأميركية نسرين قادر الاصطلاح عليه باستراتيجية الالتقاط (The strategy of gleaning) (1). هذه الاستراتيجية هي التي ستسم أسلوبيته في جل أعماله اللاحقة خصوصًا اللاروائية منها، وستشكل البصمة التأليفية الأكثر تمييزًا لحكيم بلعباس كمخرج، مع ما خلقت من مجال لسوء الفهم والتعريض في هذه القراءات السطحية التي اختزلت جمالية التكرار في مجرد الاجترار والاستحضار العقيم لتيمات وتنويعات شكلية من فيلم لآخر.



ترتبط استراتيجية الالتقاط في "أشلاء" كما أشرنا أعلاه بهذا المحفز الرئيسي الذي يحكم إنتاجية الفيلم وسرديته على حد سواء، وهو خلق ذاكرة سينمائية يتقاطع في نواتها ما هو شخصي، يدخل في قطر ذاتية المخرج، وهو يحضر ككينونة تأليفية انعكاسية في شكل شخصية ابن يعيش في المهجر، وفنان عابر للوطنيات (transnational artist)، مع ما هو مرتبط بالحيز الأسري والعائلي، ويمتد إلى ما هو اجتماعي، لينفتح على الهامش الثقافي والسياسي والتاريخي. هذه الجوانب من الذاكرة تنصهر كلها في ذاكرة السينما نفسها، سواء كموضوعة حلقة في سلسلة الذاكرات التي تتألف في "أشلاء"، كون الأب كان يملك القاعة السينمائية الوحيدة في مدينة "أبي الجعد" وفيها احتك الابن المخرج لأول مرة بعوالم الفن السابع وصقل حساسيته مع هذا الفن وتلقى دربته الطبيعية في فن الحكي البصري، أو في كونها أداة تخلق ذاكرة اصطناعية (prosthesis of memory) تحفظ لهذه الذاكرات حضورها الزمني.
شغلت العلاقة بين الأب والمخرج الابن الحيز الرئيسي في "أشلاء". كان الأب يحضر في شكل الضمير الذي يستفز الابن في السؤال والمراجعة وإعادة النظر في أمور عديدة تتعلق به كشخص وكرب أسرة نفسه نشاهده حاضرًا في طقوس عقيقة ابنته المولود الجديد "مايا"، وكفنان سينمائي يؤرقه السؤال الإشكالي الذي يدور في محور تشكيل هويته الفنية الخاصة.




يطمح حكيم بلعباس إلى خلق أرشيف يحفظ صورة الأب عبر الذاكرة السينمائية كذاكرة اصطناعية تحفظ تفاصيل من الذاكرة الأسرية والذاتية للمخرج. لتأثيث هذا الأرشيف اندمج في حوارات مطولة مع الأب كان حضوره فيها يأخذ شكل الحد الأدنى عبر انعكاسات بالمعنى البصري. وكما سطرت على ذلك الباحثة نسرين قادر (2)، كان المخرج في مشهد الحوار مع الأب يلعب على ثنائية الحضور عبر الغياب. في تصوير مشهد الحوار الذي يسأل فيه الابن المؤلف الأب عن تقييمه لمسيرته الإبداعية، يحضر كلاهما في مجال الفضاء الداخلي لدكان الأب الذي تأخذ جدرانه الزجاجية شكل مرايا تؤطر رمزيًا هذا الحوار في حيز الـ(reflection) وهي تجمع في حقلها السيمانطيقي معاني الانعكاسية البصرية كما التأمل والمراجعة. على مستوى الصورة يغيب الابن في مقدمة حقل المشهد ليظهر فقط عبر انعكاسه وهو يدير الآلة التسجيلية، وهو غياب يتكرر بشكل نسبي على مستوى الصوت، لكونه فقط طرح السؤال المتعلق بهويته الفنية، واكتفى بدور المستمع للأب وهو يرد بإجابات تقييمية تضع مسيرة الابن السينمائية هي الأخرى أمام المرآة الذاتية للمخرج في انعكاسها الأسري قبل الوطني والكوني. يختزل هذا المشهد مسيرة حكيم بلعباس الفنية كمخرج لا يتردد في الإفصاح عن كون أفلامه تنطلق وتحتكم للهاجس الذاتي والمحك الشخصي بالدرجة الأولى. ذاتيته كمخرج سينمائي هي المرآة الصادقة التي تعكس العوالم الأخرى التي تطرقها أفلامه سواء في مستواها الفيلمي المرتبط بالحكي والأسلوبية التي يراهن عليها في هذا الحكي أو في مستواها السينمائي المرتبط باختياراته وتدبيراته الإنتاجية. تحضر السينما في هذا الحوار بين الابن والأب والمؤطر كذلك في الثقافة المحلية حين يتشكل في طقس الإنصات الذي يعبر عن الاحترام والوقار الذي يكنه الابن للأب في الطقوس الاجتماعية المحلية. تراجعت شخصية المخرج الابن إلى درجة الثانوي الذي يسطر على الحضور الأولي والرئيسي للأب. أخذ تواجد المخرج في الصورة شكل الشبح أو الصورة السلبية التي تتجلى من خلالها صورة الأب في ملامحها المكتملة، ليشكل هذا المشهد كذلك العينة المرجعية للغوية حكيم بلعباس السينمائية وهي تنهل من مرجعية الثقافة المحلية وتحتكم لها على المستوى النحوي التركيبي والدلالي والإيحائي الترميزي كذلك.

مشهد من فيلم "عرق الشتاء"


في مشهد الحوار ينحاز دور الأب من مستواه الأسري إلى المستوى المعرفي ليتحول إلى هذا الناقد السينمائي الذي يخبر خبايا وحيثيات التفاصيل التي تحكم مسيرة المخرج الابن الإبداعية. لا يُخفى على المتتبع لمسيرة حكيم بلعباس السينمائية عن قرب مدى اهتمامه كفنان بهذا النوع من الخطاب الفوقي الذي يتشكل من أصوات متنوعة وبديلة عن هذه الأصوات المحسوبة قناعة على حقل المعرفة السينمائية. حكيم بلعباس يعطي نفس الأهمية لتقييم أم أمية لمتنه الفيلمي قد لا يمنحها لناقد أو معلق محسوب على الثقافة السينمائية الرسمية. يشكل الأب في هذا الجانب الرمزي نموذجًا لهذه الأصوات النقدية البديلة الذي يجيد حكيم بلعباس الإنصات إليها وبشكل يستحضر جليًا الأبعاد الثقافية التصحيحية والديمقراطية التي يروج لها المفكر الفرنسي جاك رونسيير (Jacques Rancière) في قضية المساواة في جانبها الثقافي المرتبط بالسينما، عبر فكرة "انعتاق المشاهد" (Le spectateur émancipé) (3). من داخل هامش هذه القناعة النقدية البديلة، لعب الأب في مشهد الحوار كذلك دور المتأمل في واقع السينما الجديد. اكتست الذاكرة بعدها المزدوج كذاكرة للأب وللسينما مع مراعاة الارتباط العضوي بينهما، والذي ينحاز بأشلاء إلى حيز انعكاسي آخر هو السينما التي تطرق موضوعة السينما في الحيز المعرفي المختص بالحفريات الوسائطية (media archaeology).




يأتي الكلام عن السينما في سياق حديث الأب عن وضعيته المالية المتردية، والتي تعكس وينعكس من خلالها، واقع جديد تعاني فيه السينما كذلك وضعية الإفلاس نفسها التي يعانيها البضاعة التي يروج لها الأب في الدكان. أصبحت السينما هي الأخرى سلعة سينعكس كسادها في العزوف عن العرض الجماهيري، وإغلاق القاعات السينمائية. كان الأب هو مالك القاعة السينمائية الوحيدة في المدينة، أي هذا المجال الذي تلقى فيه الابن دربته الأساسية في الثقافة السينمائية ونمّى فيه كينونته الأولى كشخصية مخرج أحاط بكل الجوانب الفاعلة في صناعة الفيلم، وعاين عن قرب علاقة هذه الجوانب بالواقع السوسيوثقافي والإلزامات الاقتصادية المرتبطة بهذه العوامل.
لاحقًا في المشهد الأخير للفيلم نشاهد المخرج الابن داخل بيته الأسري في مدينة شيكاغو في الولايات المتحدة الأميركية حيث يقيم مع أسرته. في هذا المشهد يحضر هو نفسه كأب ينخرط في حوار نقدي ذاتي يقحم فيه زوجته وابنته مايا، ويعيد فيه تناول نفس الهاجس الاقتصادي الذي تناوله في الحوار مع الأب، والمرتبط بالسؤال الإشكالي عن الجدوى من صناعة أفلام عن مجتمع يرفض مشاهدة صورته. هذا الرفض يرتبط بشكل عضوي بواقع صناعة الأفلام والإقبال على السينما في أرضية ثقافية لا تبحث عن صورة الذات أو جمالية التعبير عن هذه الصورة، أكثر مما تبحث عن الحكاية ومجرد الفرجة. هذه الأخيرة أصبحت في المتناول بشكل أكثر سهولة عبر الوسائط الأخرى التي إن لم يشكل توفرها المتيسر منافسًا للسينما كجهاز بالمعنى الصناعي والثقافي، فهي تشكل السبب الأول في غياب الإقبال على دور السينما وكساد سوق العرض. في مجال الحفريات الوسائطية الذي يحيط بواقع السينما الآني يتقاطع وضع الأب مع وضع الابن حين يوجه السؤال لابنته الطفلة عن الجدوى من صناعة الأفلام وتجيب هذه الأخيرة بصرخة استنكار تتحمل في السياق هي الأخرى كذلك وجه الخطاب النقدي البديل.

راهن فيلم "أشلاء" في توليفه وتركيبه السينماتوغرافي على الأسلبة التي تنسجم مع استراتيجية الالتقاط، ليمنح نموذجًا لهذه السينما التي تفكر (pensée-cinéma) وليست هذه التي تعتمد النص المفكر فيه مسبقًا أو يحمل فكره الخاص. وتقدم تأملها الخاص في الموضوعة التي تعالج والتي ترتبط بحيز الذاكرة، التيمة الجوهرية في الفيلم. بالتالي ففيلم "أشلاء" يقدم نموذجًا للفيلم المقالة في تمثله المرتبط بالتوليف والتركيب، وتكثر من ذلك في العلاقة التي ينسجها بين مركبات الصورة والصوت، والتي لا تحتكم لمنطق التدوير والتغذية العكسية أكثر مما تحتكم للامنطق الاعتباطية والعرضية. ينتمي فيلم "أشلاء" لهذه الأعمال الفيلمية المختلفة عن ما هو مألوف في السينما، ويصعب تمييزها عبر التصنيفات النوعية المنمطة، ووضعها بسهولة في الخانة الأجناسية لنوع الخيالي أو التسجيلي أو التجريبي. كفيلم مقالة، ينصاع هذا الفيلم لقالب شكلي من الصعب أن نجد له نموذجًا يستوعبه من هذه النماذج التي تملّكتها السينما سواء على المستوى الوطني المحلي أو الدولي الكوني. فالسينما عمومًا، في خضم الحديث عن الفيلم المقالة، لا زالت تعاني غياب النموذج وتفتقد المرجعية التأسيسية، بالشكل الذي يعادل امتلاك الأدب لهذه المرجعية في نمط الكتابي لمقالات مونتين (Les essais de Montaigne). لا زالت السينما تفتقد الفيلم المرجعي الذي يعادل هذا الكتاب الذي أسس هذا الجنس الأدبي ووضع له تسميته في نفس الآن.
يمنح فيلم "أشلاء" كذلك فكرة عن النمط النوعي للمقالة الفيلمية في تمثلها المقترن بالدلالة المعجمية لكلمة (essai) في اللغة الفرنسية حيث تفيد التجربة والمحاولة أكثر من الإنجاز المكتمل. فهي كنمط كتابي ترجح كفة النسبي على المطلق، وترنو بطبيعتها نحو النقصان عوض الاكتمال. فميزة المقالة تكمن، حسب الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، في الخصاص والاختيار الأسلوبي الذي يحاكي التمرين أكثر من كونها تمرينًا في الأسلوب. نجد حكيم بلعباس يراهن على خطة تأليفية، في حياكة مقالة "أشلاء" الفيلمية، تحتكم لمنطق التفكيك والخصاص الذي سطر عليه الكاتب الأرجنتيني حين وضع لإنجاز هذا الفيلم خطة ترنو نحو العرضي والمفاجئ أكثر مما تعتمد التخطيط المسبق والبناء المتّسق. هذه الخطة تنسجم مع التيمة التي يطرقها الفيلم وتشكل المحرك الأول في ديناميته وهي الذاكرة.
تسعفنا في فهم هذه الاستراتيجية التي يراهن عليها حكيم بلعباس في خطته التأليفية، فكرة الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين عن الذاكرة كعملية تنقيب لا تلتزم ضرورة بخطية زمنية تمتد من الحاضر إلى الماضي. بالتالي تستوعب الخطة التأليفية للفيلم الاستثمار، من جهة، في العرضية الصرفة (pure contingency) التي تجعل العمل الفيلمي نتاجًا لزمنية فوضوية تسع المفاجئ والعرضي أكثر مما هي نتاج منطقي لنمط سردي يحتكم لحبكة بيّنة الملامح، ومن جهة ثانية، في مفهوم للكتابة الفيلمية يعتمد معادلة تجمع في أطرافها بين المنظر الفرنسي ألكسندر أستروك الذي وضع مفهوم "الكاميرا القلم" أو "السينكتابة"، والمفكر الفرنسي برنار ستايغلر في رؤيته للكتابة الفيلمية أو "السينكريتور" بناء على العلاقة التكوينية المتبادلة التي ينجم عنها أسلوب مميز وفريد يتشكل فيه كل من النص والكاتب من خلال عملية التصوير نفسها، عوض انفصالهما حسب المعنى التقليدي للمؤلف الذي يتحكم في تفاصيل عملية الكتابة بشكل مستقل عن النص. كتابة حكيم بلعباس في نصية "أشلاء" تستقيم مع هذا التنويع الأسلوبي الذي اصطلح عليه المفكر الفرنسي بمفهوم "التحويلية" (transductive) (4) حيث يعطينا النص الفيلمي الانطباع أنه ينكتب لذاته وينجز في عملية التصوير. هذه التحويلية تشمل أيضاً التأمل في الكتابة الذاتية والتصوير الذاتي. ففيلم "أشلاء"، أبعد من كونه مجرد إعادة سرد لمعطيات بيوغرافية تشمل تاريخ حكيم بلعباس الشخصي وتاريخ عائلته ومدينته، هو بناء وتكوين لهذه المعطيات بشكل اصطناعي من خلال المونتاج وعملية التصوير. بالتالي تشكل هذه كتابة الفيلم في معادلتها التحويلية كتابة جديدة وتوليدًا للذات. إنها الكتابة التي وصفها الكاتب المغربي عبد الكبير الخطيبي كمشاركة في بناء الذات المهددة بفقدان الهوية، وجنون قول كل شيء في آن واحد. حسب الكاتب المغربي تستقيم فكرة موت المؤلف حين يكون بناء الذات نابعاً عن الكتابة التحويلية عوض كونها نابعة عن مصدر فوقي خارج أبعاد الذات وهي تنكتب.
فيلم مقالة بكل هذه المقومات التي يشملها فيلم "أشلاء" يعرض نموذجًا لنصية الذاكرة بامتياز. في هذا الفيلم تستعيد الذاكرة الأشياء المصورة لهذه التفاصيل الجينية الموزعة بين الصورة والصوت لتُشكل بذلك موردًا غنيًا يساهم في بناء قصة متشابكة بين العائلة والسينما والمكان. في تصنيفه المرتبط بالدراسات الأكاديمية يبرز حكيم بلعباس هو الآخر كمؤلف سينمائي في نموذج هذا المخرج ما بعد الكولونيالي الذي ينطلق في تجربته الإبداعية، بحسب الباحثة لورا ماركس، من وعيه، في محاولة "استعادة الأشياء المُصَوَّرة من خلال إيجاد قيمٍ فيها لم تُدرَك في السياقات الاستعمارية" ثم "تداول هذه الأشياء في سياقٍ جديد" (5)، يُغيّر معناها ويمنحها حياةً وطاقةً جديدتين. في هامش هذه الخاصية التأليفية لحكيم بلعباس في السياق الجيوسينمائي لسينما الجنوب والسينما العابرة للوطنيات، تنضاف لفيلم "أشلاء" قيمة أخرى تتجاوز الميزات المرتبطة مضمونيًا بموضوعة الذاكرة، أو شكليًا بأسلوبية التوليف الذي يعتمد استراتيجية الالتقاط، ويمنح في نفس الآن شكلًا جديدًا للتأمل في خصائصه الإنتاجية واستراتيجياته التكوينية. يشكل هذا الفيلم نموذجًا لهذا الأرشيف الرقمي الذي يقترح أرشيفًا بديلاً عن الأرشيف الرسمي، مع ما يرتبط بهذا الأخير من حيثيات تقترن بعنف الاستيلاء وقدرة إسقاط وإهمال عناصر على حساب أخرى أو تأطير عناصر عوض أخرى بناء على منطق الإنتاجية والفائدة. أسعفت التقنية الرقمية حكيم بلعباس في خلق هذه الصورة التي يتداخل فيها البيوغرافي بالسينمائي وتشكل سردية بديلة للسردية الرسمية. في عملية تذويت الأرشيف يستقيم فيلم "أشلاء" مع فكرة الكاتب الأرجنتيني الذي يرى في كل تاريخ شخصي مجرد تبلور واكتناز ذاتي للتاريخ الرسمي.
هذا الانصهار بين التاريخ الشخصي والتاريخ الرسمي، والبيوغرافي والسينمائي في الإجراء المفتوح والمتخصب لفيلم المقالة هو ما سيسم سينما حكيم بلعباس ويتطور في تنويعات تعبيرية تأخذ شكلها الخاص في كل فيلم على حدة، وتشكل التمفصل الرئيسي الذي يجعل من سينماه حيزاً لتداخل الأجناس وانصهار الحدود النوعية بينها.

هوامش:

(1) - Nasrin Qader: The Fragmentary Cinema of Hakim Belabbes. https://muse.jhu.edu/pub/2/article/794572/pdf
(2) – Nasrin Qader, Op. cit.
(3) - Jacques Rancière, Le spectateur émancipé (La fabrique, 2008)
(4) - Jacques Derrida and Bernard Stiegler, Échographies de la télévision: entretiens filmés (Paris: Galilée, Institut National de l'Audiovisuel, 1996), 179; Jacques Derrida and Bernard Stiegler, Echographies of Television: Filmed Interviews, trans. Jennifer Bajorek (Cambridge & Malden: Polity Press, 2002), 159.
(5) - Laura U. Marks, The Skin of the Film: Intercultural Cinema, Embodiment, and the Senses (Durham: Duke University Press, 2000), 79

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.