}

عن الرواية والسينما والمخيلة

راسم المدهون 30 أغسطس 2025
سينما عن الرواية والسينما والمخيلة
ملصق فيلم "أحدب نوتردام" المقتبس عن رواية فيكتور هوغو

رغم عشقي للفن السابع منذ أن عرفته لأول مرة، إلا أنني لم أتقبل بسهولة فكرة أن "يسطو" هذا الفن على "الروايات الكبرى" التي أحببتها وأحببت بالذات أبطالها وشخصياتها، خصوصًا النساء. في قراءة تلك "الروايات الكبرى" عاشت في مخيلتي نساء تخيلتهن ورسمت لكل واحدة منهن ملامح خاصة اختفت تباعًا حين شاهدت ممثلات سينمائيات معروفات يجسدن أدوارهن على الشاشة. لا يتعلق الأمر هنا بضعف أداء هذه الممثلة، أو تلك، لدورها ـ وهن ممثلات مرموقات متمكنات من فنهن ـ ولكنه يتعلق تحديدًا بأنهن مسحن من مخيلتي تلك الملامح التي شكلتها لبطلة هذه الرواية، أو تلك، بل والذي جاء مسحًا نهائيًا لا مجال معه لاستعادة باتت مستحيلة.
هكذا اختفت ملامح "أزميرالدا"، بطلة رواية فيكتور هوغو الشهيرة "أحدب نوتردام"، واحتلت مكانها ملامح الممثلة الإيطالية الشهيرة جينا لولو بريجيدا، التي لعبت دورها بأداء لافت، بل لا أبالغ أنه أداء بارع لا ينسى جعل المخيلة تستعيد الممثلة أكثر من استعادتها "أزميرالدا" ذاتها.
بالتأكيد، الأمر ذاته ينطبق على حضور ملامح الممثل أنطوني كوين، الذي لعب دور "الأحدب"، لكن الأمر مع ذلك ظل بالنسبة لي أكثر فداحة حين يتعلق بالشخصيات النسائية، ما جعلني لا أتمنى مشاهدة ممثلة ما تلعب دور "ناتاشا" في رواية تولستوي "الحرب والسلام"، وبالتأكيد دور "أنستاسيا فيليبوفنا" بطلة رواية ديستويفسكي الأهم في رأيي "الأبله"، والتي عاشت في خيالي حية منذ قرأتها لأول مرة، ومنحتني تلك المتعة التي لا تنسى.
ذلك يقودني بالتأكيد إلى فكرة التجسيد ذاتها، والتي رأيت ولم أزل أن السينما خلالها تمارس "عدوانًا" إبداعيًا جميلًا على أهم ما تملكه الرواية كجنس أدبي، وأعني القدرة على إشعال مخيلة القارىء وتحفيزه على "المشاركة" في بناء الرواية من خلال تخيل ملامح أبطالها وشخصياتها، مثلما فعلت مع نساء تلك الروايات، بل وبعض رجالها. تخيل تلك الشخصيات كان بالنسبة لي عاملًا رئيسيًا ساهم في جعل تلك "الروايات الكبرى" حاضرة في نفسي حضورًا يتجاوز كونها أعمالًا إبداعية حققها كتاب روائيون مبدعون من العيار الثقيل وحسب، بل صورًا من الحياة تقارب الحقيقية والواقعية إلى حد بعيد، وهي مسألة أرى أنها تقف على النقيض تمامًا من تلك التجارب السينمائية التي تحققت بسيناريوهات كتبت خصيصًا للفن السابع ولم تأت من أدب الرواية، فهذه قدمت ملامح شخصيات قدمها كاتب السيناريو للمخرج السينمائي من دون أن نراها، وما رأيناه بعد ذلك جاء من اختيار المخرج وحسب، أي أنه كان الاختيار الأول والنهائي.





رأيت كثيرًا من هذا المعنى في رفض بعض كبار الممثلين أداء أدوار محددة في أفلام سينمائية سبق للسينما أن حققتها بأداء ممثلين آخرين. بعض أولئك الذين رفضوا "النسخة الجديدة" انطلقوا في رفضهم من فكرة أن نجاح الأفلام الأولى ارتبط في ذاكرة رواد السينما بملامح وأداء غيرهم، وارتبط ذلك كله بالذكريات الشخصية الفردية، وبالغة الخصوصية، لكل من شاهد تلك الأفلام القديمة، وصارت جزءًا حيويًا من ذاكرته الشخصية، ومن حياته معًا، إلى الحد الذي يجعل أي منافسة جديدة لها خاسرة سلفًا.
قريب من هذا وتحرض عليه رغبة مشاهد الأفلام السينمائية الأشهر التي تم تصويرها بالأبيض والأسود بحالتها الأصلية تلك، والفوارق الكبرى التي قد تصل حد الصدمة لو شاهدوها وقد جرى "تلوينها"، كما هي حال الفيلم الشهير "ذهب مع الريح"، فما حملته بعض أفلام الأبيض والأسود الكبرى، ومنها بالتأكيد "ذهب مع الريح"، وبصورة أكبر "فيفا زاباتا"، فيلم إيليا كازان الشهير، الذي جاء بتلك العظمة والبهاء من حالته بالأبيض والأسود بالذات، بل ليس بعيدًا عن هذه الفكرة ما أراه فشلًا كاملًا إضافة كلام ناطق لأفلام شارلي شابلن الخالدة، والتي جرى تصويرها أيام "السينما الصامتة"، والتي كان أعظم ما فيها أنها بسبب غياب الصوت والكلام اعتمدت في صورة كلية على فكرة رسم المشاهد بلغة سينمائية تعتمد الحركة بالذات، وتجعل أي صوت، أو كلام يضاف لها، ليس أكثر من زوائد لا تقدم ولا تؤخر، بل هي ستكون سببًا لإرباك العمل السينمائي كله.
في الحالات السابقة كلها، نحن أمام المخيلة الإبداعية. هي ليست فرشاة ألوان يمكن أن تكون رفيعة وحادة، أو على العكس غليظة تطفح بالسائل الملون وتفيض عنه، بل هي العنصر الأهم الذي يشبه وسيطًا بين الموهبة الأدبية في الرواية وبين أفكار الكاتب ووعيه وثقافته، وحتى اختياراته وميوله الفكرية والسياسية ومزاجه الفردي وحالته النفسية.
تلك تهويمات وأفكار تدفع لتفسير عزوفي ـ غالبًا ـ عن قراءة شروحات قدمها هذا الروائي أو ذاك لحالته وظروف حياته حين كتب رواية ما من رواياته وكنت دائمًا أرى في تلك "الشروحات" عملًا زائدًا لا يلزمني ولا أميل لمعرفته أو "ملاحقة" أسراره، فما يعنيني بالذات هو الرواية والصورة الأخيرة التي وصلت إليها، وأصبحت من خلالها كتابًا نقرأه ونقرر ما إذا كان قد أعجبنا واستحوذ على اهتمامنا أم لا.
هنا بالذات أتذكر أن ناقدًا أميركيًا كان صديقًا لإرنست همنغواي، وانقطعت صداقتهما في زمن صدور "الشيخ والبحر"، كتب مقالة نقدية أعلن خلالها كمن اكتشف البنسلين أن همنغواي "أعاد كتابة الرواية أكثر من عشرين مرة"، ليرد عليه ناقد آخر بهدوء وموضوعية قائلًا "لماذا يعنينا هذا، فليكتبها مرة واحدة، أو ألف مرة، أنا تعنيني الرواية التي صارت كتابًا، والتي شاهدتها في رفوف إحدى المكتبات فاشتريتها وقرأتها وأعجبتني، بل وصارت في رأيي واحدة من الأعمال الروائية الأعظم والأشهر عند القراء في العالم كله".

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.