}

جماليات الهشاشة المُقاوِمة... فنّ على الحافّة

مليحة مسلماني 31 أغسطس 2025
تشكيل جماليات الهشاشة المُقاوِمة... فنّ على الحافّة
(شحدة درغام)

في قلب المأساة الغزّية، حيث يتهاوى الحجر والبشر تحت وطأة النار والحصار، ينهض شحدة درغام ليكتب بمداد الألم والرماد سيرةَ وطنٍ لا يزال يبحث عن نجاته تحت الأنقاض. لا تحضر هذه التجربة ـ كفنٍّ يولد من رحم الحرب ـ لتكون زخرفًا يزيّن الخراب، بل هي مرويّة حيّة لأرواح تختنق تحت الركام، تحكي سيرة جوعٍ ينهش الأجساد، وفقدٍ يطوي البيوت، وقصفٍ يخطف التفاصيل الصغيرة والأحلام. هناك، في قلب الكارثة، يقيم درغام معرضه الدائم: لوحات مطفأة بالرماد، لكنها تضيء بصلابة الروح، وتعلن أن الفن في فلسطين ليس ترفًا ثقافيًا، بل فعل بقاءٍ ومقاومة، يصرّ أن يحوّل الحطام إلى معنى.

شحدة درغام 


مارس شحدة درغام خلال السنوات الماضية، وبشكل رئيسي، فن الكاريكاتير والملصق السياسيّ، بالإضافة إلى اللوحات التشكيلية. يعتمد الكاريكاتير على عناصر أبرزها: الحدث والنقد والاحتجاج، بينما يستند الملصق إلى الرمز والأيقونة، والقوة البصرية للموضوع السياسي. لكن الواقع المأساوي الجديد في غزة يفرض على الفنان اكتشاف آفاق إبداعية جديدة، إذ تكشف تجربته الأخيرة عن تحررٍ جريء من أسر المباشَرة، ليعانق فضاءً أوسع أقرب إلى التعبيرية الحديثة والرمزية التجريدية. في أعماله الرقمية الأخيرة، تتفكك ملامح الجسد لتُعاد صياغتها كمعادل بصري للوجع والكرامة معًا؛ وكأنّ ريشته تمارس فعل المقاومة على الورق، كشهادة مفتوحة تُجاور النزيف، وتكثّف صمت البيوت المهدّمة.
في أعماله، تتشظّى الوجوه والأجساد، وتتحول الخطوط والألوان إلى نشيدٍ لغزة، مشحونٍ بلغة رمزية مكثّفة. في هذه التجربة، لا ترفع أعمالُ الفنان شعارات ولا تحتج بمقولات، بل تتمرّد على الشعار والنمطية والإطار. كما أنها لا تكتفي بتوثيق المأساة، بل تعيد بناءها جماليًا: جسدٌ ينهار ويقاوم في آنٍ واحد، وجهٌ متعب يتجاور فيه الموت مع الحياة، وأمٌّ تُضيء عتمة الخيام بقبضها على جمرة الأمل. إنه فنٌ يجاور الدم لا ليُشبهه، بل ليحفظ له معنى يتجاوز الموت.
وكأن اللوحة وحدها لا تكفي لتبوح بعمق الوجع، فتأتي نصوص الفنان المرافقة لأعماله كنداء آخر، موازٍ للعمل بل محاورٍ له، في تأكيد على أن كُلًا من الكلمة والفن يشهدان على المأساة ذاتها. ترافق الأعمالَ نصوصٌ ينتمي معظمها إلى الكتابة الإبداعية الهجينة، إذ يقترب بعضها من النص الشعري/ النثري التأمّلي، وبعضها الآخر إلى القصة القصيرة. وهي تأتي لتضيف إلى العمل الفني بُعدًا توثيقيًا ووجدانيًا، حيث تصبح الأم والطفل والشهيد علامات سردية وبصرية للمسيرة الفلسطينية على درب الآلام.




وبين السرد والتشكيل، تتشكل ملحمة فلسطينية يكتبها درغام بوعي الجريح الذي يدرك جذر الجرح، فيجتّثه ويفكّكه، ليُصيغ خطابه البصري والأدبي، مانحًا اللحظة الغزيّة بعدًا كونيًا، حيث تتحول الفاجعة إلى نصّ مفتوح على الحياة. وهو، في أقصى درجات الفقد ـ بفقد ابنه يوسف الذي ارتقى شهيدًا خلال العدوان، يثبت أن الجمال والوعي والأمل معارك لا يمكن للهزيمة أن تطاولها، بل تتوهّج أكثر في ساحات الذاكرة والمعنى.

غزة الشاهدة والشهيدة

(شحدة درغام) 


ينطلق أحد نصوص الفنان من نفي الاختزال: الموت ليس جسدًا مسجّى فحسب، بل "مرآة تكشف عجز العالم". هنا، يتجاوز الكاتب حدود الفقد الفردي، ليحوّله إلى علامةٍ كونية، لغةٍ من وجع وصمت. يجد هذا التوسّعُ الرمزي صداه في العمل المرافق، حيث يتوزع الموت إلى ثلاث طبقات بصرية، ثلاثة وجوه لجرح واحد. الجسد المسجّى، في أسفل العمل، استعارةٌ عن الشهادة؛ جسدٌ هادئ، لكنه مشبَع بالمعنى؛ حضور يختصر المأساة في صورة صامتة، كما لو أن النص نفسه انسكب في هيئة بشرية مطروحة في فراغ العتمة. إنه رمز الموت المباشر، لكنه أيضًا ولادة جديدة، لأن الشهادة لا تنغلق في غياب، بل تنفتح على ذاكرة جماعية.
يتجلّى الوجه الطفولي الجانبي في العمل كصورة للفجيعة؛ عينٌ نصف مفتوحة، وأخرى يُغرقها السواد، فمٌ مطموس بالأسود، لكن يبدو وكأنه ينفجر بصرخة صامتة تُسمَع في اللوحة، ملامح منكسرة تلتقط لحظة الانهيار الإنساني أمام فقدٍ وألمٍ لا يُحتملان. هذا الوجه هو ترجمة بصرية لعبارة النص "الصمت شاهد"، إذ يمنح الصمتَ ملامح ملموسة: فجيعة لا تجد لغة، لكنها تثبت حضورها بصمتٍ أثقل من البيان. أما الوجه في الأعلى، المرهق المتهدّل، فيجسّد حالة التعب الجمعي. هو وجه الناجين الذين لم يتخطّفهم الجوع والموت، لكنهم يذوبون تحت ثقل الاستمرار وانتظارِ المصير. تحاول اليدان الممدودتان نحو السواد الإمساك بما يتفلّت: حياة مشتهاة، أمل هشّ، ولحظة راحة مفقودة.
في قلب المشهد، تظلّ كلمة Gaza محفورة كجرح أبدي؛ إنها الاستعارة الرمزية الأكثر بلاغة في العمل، بل في عالمنا اليوم، هي الاسم الذي يحوّل كل هذه الوجوه من مجرد علامات بصرية إلى شهادة تاريخية عصيّة على المحو. هي الحقيقة التي يؤكدها النص: أن الدم علامة على الحياة، مهما طمستها العتمةُ ورائحةُ الموت. هكذا يتكامل النص مع اللوحة: الكلمة تنسج المعنى الرمزي، والصورة تترجمه إلى وجوه وجسد واسم؛ ثلاثية لا تترك للموت أن يصير غيابًا، بل تجعل منه فضاءً للذاكرة والفجيعة، وأيقونةً تقف في وجه النسيان.

الأنثى في وجه العدم

(شحدة درغام) 


نصٌّ ولوحة يلتقيان في منطقة مشتركة، جمالية وشائكة، خاصة وعامة، هي المرأة الفلسطينية؛ حيث يتجسّد الألم الفردي كملحمة جماعية، وتتحول تفاصيل الحياة ـ كـ"كوب شاي بلا سكر" ـ إلى استعارة كبرى عن الكرامة والحرية. يستحضر النص "خديجة" كأيقونة للمرأة الفلسطينية: جسدٌ مثقل بالنزوح والخذلان، لكنه في الوقت نفسه حاملٌ بالضوء الصغير، بأوقات الفرح القصيرة، وبالإصرار على حياةٍ تُنتزع من قلب الخراب. إنها مقاومة تُبنى من الوعي بالهشاشة، ومن تحويل الحرمان إلى فعل عنادٍ يومي.
في اللوحة، يرتفع رأس الأنثى كصرخة صامتة، كجدار يصارع العدم. تتناثر الشظايا من أعلى كأنها انبعاث الدم والرصاص وذاكرة الحرب والآلام، لكنها أيضًا بقايا بذور معلّقة في الهواء، وعدٌ بالإنبات في أرضٍ أُريد لها أن تبقى عاقرًا وقاحلة. يبتلع الأسود مساحة العمل كليلٍ خانق، لكن حضور شجرة وحيدة وشقائق النعمان الحمراء في الأسفل يكسرُ السواد، في تذكير بأن الحياة تتشبث دائمًا بما تبقّى من الأرض والذاكرة.
بهذا التواشج بين النص والصورة، يولد معنى المقاومة من معايشة التفاصيل الإنسانية: نارٌ صغيرة لم تُوقد، أمٌّ خرجت تبحث عن رغيف، ودمٌ سُفك على الرمال. تتحرر البطولة هنا من الشعاراتية، لتصير فعلًا يوميًا متجذّرًا في الحاجة إلى الكرامة. تمثّل خديجة تلك الروح الفلسطينية التي، كلما ضاقت بها الأرض، ازداد اتساعها في الذاكرة والرمز، ومن دمها ينفتح أفق آخر: الحرية كحياة ممكنة، لا كحلم مؤجل.

على حافة الانهيار

(شحدة درغام) 


في النص "على حافة الانهيار"، يؤكّد الفنان على أن المقاومة لا تُبنى على الشعارات، ولا على فائض القوة، بل على وعيٍ عميق بالهشاشة الفلسطينية. النص يرى في الغياب حضورًا يعيد تشكيل الذاكرة، إذ يتحول كل انكسار إلى نواة حية للصمود. هنا تتجلّى المقاومة كوعي بالجرح، كإصرار على الوقوف، لا لأن الأرض صلبة، بل لأن الانكسار ذاته صار لغة تحدٍّ، ولأن الذاكرة ترفض نقيضها ـ النسيان.
وبحدّةٍ بصرية صادمة، يترجم العملُ المرافق هذا الوعيَ بالهشاشة، التي تصير بذاتها مقاوَمة: جسدٌ ممزق يتأرجح بين السقوط والانهيار، ذراعٌ ممدودة كأنها صرخة أخيرة، وأخرى متشنجة في مقاومة عنيفة. الطائر الذي يخترق الرأس، أو يغادره، لا يمثل نهاية، بل هو انطلاقة ـ ولادة رمزية جديدة، كأن الألم ذاته يندفع طاقةً مضادّة للمحو. خلفية الألوان الحادة، الأسود والدموي والأبيض، تجعل الجسد نفسه ساحة مواجهة بين الانهيار والمقاومة، بين الموت والحياة.
بهذا التكوين، يلتقي كل من النص واللوحة في رؤية واحدة: أن روح المقاومة الفلسطينية اليوم لا تُبنى من أوهام البطولة، بل من وعي عميق بالهشاشة والفقد، ومن الإصرار على تحويل الهزيمة إلى لغة حياة. إنّها مقاومة تُدرك قسوة الانكسار، لكنها تعلن، في لحظة السقوط ذاتها، أنها لن تنكسر كما يُراد لها، وأنها تصنع، في مواجهة المحو والإبادة، قانون بقائها الخاص بها.

الحصان المتروك وحيدًا

(شحدة درغام) 


نص يستعير عنوانه ـ "حين يُترك الحصان وحيدًا" ـ من محمود درويش، ليعيد تعريف الوَحدة والخذلان في الحالة الغزّية؛ هنا تتحوّل العزلة من شكوى إلى بيان أخلاقي: خذلانٌ يعرّي الوجوه، ثم قفزةٌ واعية تقول "يا وحدَنا". يرسم النص انكشاف الوجوه في لحظة المصير: الأقربون يغيبون قبل الغرباء، والعالم يولي ظهره حين ترتفع نداءات الاستغاثة. تصير الوَحدة تجربة وجودية تقف في قلب الخذلان، وكأنها تتحول إلى فرن صهر للوجدان والمفاهيم: الهزيمة تصير كشفًا، والعزلة ولادةً جديدة، حيث ينبثق كائن الوَحدة أقوى، لا لأنه انتصر، بل لأنه لم ينكسر.




تترجم اللوحة هذا المعنى بلغة بصرية مكثّفة: حصان أسود متروك في فضاء يغمره الأحمر، رمز الجرح والنزيف، بينما يهيمن غرابان على المشهد، أحدهما جاثم، والآخر محلّق، كأنهما يراقبان الفقد من علٍ، ليشهدا على الخذلان والحصار. الحصان، رمز العزيمة والكرامة في الثقافة العربية، يبدو ثابتًا في وحدة جريحة، ساقاه تسيلان كجذورٍ دامية في الأرض النازفة، يقف على حافّة حقلٍ أحمر هو في آن: دمٌ، وجرحٌ مفتوح، وشطرٌ من علمٍ يلوّح للمقاومة. يختصر المشهد المعنى: الكائن النبيل تُرك في مواجهة مصيره، بلا سند سوى صلابته.
يتراءى الحقل الأحمر لا كجرحٍ فحسب، بل كرمزٍ مُعولَم وراية كونية للمقاومة؛ فالجِراح تتوهّج لافتةً، والوحدة تصير رَحْمًا يعيد ولادة الهوية. بهذه الاختزالات الحادّة: حصان، غرابان، فضاء أحمر، يُثبّت شحدة درغام مشهدًا يقول فيه العملُ ما باح به النص: لم ننتصر لأنّهم عادوا، بل لأنّنا لم ننكسر حين تُرِكنا وخُذِلنا.

"رشيد"

(شحدة درغام) 


النصّ الذي يهديه الفنان إلى روح صديقه الصغير "رشيد" يحكي غيابًا مضاعفًا؛ فالصديق الصغير الذي لم يتكلم يومًا، كان يقول كل شيء بابتسامة، ثم رحل من دون وداع، تاركًا الصمت لغةً أخيرة. هنا يتحوّل النص إلى رثاء يتجاوز الفقد الفردي، ليكشف أن الحرب لا تخطف الأجساد فحسب، بل تسرق أبسط أشكال الحياة: اللعب، الضحك، كرة صغيرة كانت تفتح للطفل عالمًا خارج الخراب. إنّه نص عن الطفولة المبتورة في غزة، عن لغة لم تكتمل، وعن صمتٍ تحوّل إلى شاهد أبدي.
في العمل المرافق، يتجسّد هذا الصمت في صورة الجسد الطفولي الممدّد على الأرض، ببراءة مهدورة ودم متناثر. يبدو الطفل بملابسه البسيطة كما وصفه النص: عاديّ، لكنه في موته صار أيقونة. الظل الأسود الذي يبتلع نصف المشهد، والغراب الذي يحطّ في الأعلى، يحوّلان اللعب إلى فجيعة، والضحك إلى نذير موت.
تتكامل العلاقة بين النص والعمل ليملآ فراغًا مدويًّا تركه رشيد في ذاكرة الراوي/ الفنان: النص يرثي الصوت الذي لم يولد، واللوحة تصوّر الجسد الذي انقطع عن الحركة. النص يرفع "رشيد" من طفل صامت إلى ذاكرة ناطقة بالحب، بينما يرفعه العمل من جسد ممدّد إلى رمز مكتمل للبراءة التي اغتيلت. الكلمة واللون يتواطآن على إعلان الحقيقة ذاتها: في بلادٍ يُغتال فيها الأطفال، يصبح الصمت لغة، وتصير الذاكرةُ وطنًا أخيرًا.

مثلّث أحمر

(شحدة درغام) 


في أحد الأعمال، يتمركز المقاوم كمجازٍ لشعبٍ يندفع عبر هندسة الإبادة. كتلةٌ سوداء متكسّرة الحواف، تستعير من التكعيبية حدَّها، ومن الملصق وضوحَه، لتولَد حركةٌ قطريةٌ حادّة تشقّ البياض من أسفل يسار إلى أعلى يمين؛ إيقاعٌ بصري يضاعف إحساس العَدْو، كأن فلسطين، مقاومتها، شعبها، تسابقُ الزمن وتتركه خلفها. الجسد مهشّم، مثخن بالجراح، مهدوم كحافة جدار، إشارة إلى الفلسطيني المكشوف دومًا لعدسة الموت، لكنه مع ذلك يواصل الحركة والفعل. في الخلف، بقايا مدينة تتشكل بأحمر النزيف وأحمر المقاومة: لا شيء يَسلم... كل شيء يتهدم ويتحوّل إلى أنقاض.




أمّا المثلث الأحمر، فهو الميتافيزيقيا البصرية للمقاومة؛ إنّه الحقلُ المغناطيسي للعمل ونُواته الأخلاقية. هندسته تشكّل وميضًا يقذف الجسد إلى الأمام: دمٌ يتكثّف رايةً، وإنذارٌ يتحوّل قِبلةً للحياة. رأس المثلث عند موضع الرأس/ الجرح، وقاعدته عند موطئ القدمين ـ حيث تتفتح شقائق النعمان، في ربطٍ دقيق بين الشهادة والخصب: من الذروة نزيف، ومن القاع تزهر حياة. هكذا يصير المثلث رمزًا كونيًا للمقاومة الفلسطينية، وهندسةَ هويةٍ تُؤطّر الفعل وتجابه المحو.

جماليًّا، يواصل شحدة درغام انعتاقه من صرامة الكاريكاتير والملصق نحو تعبيريةٍ رمزية تُبقي الاقتصاد اللوني والوضوح البنائي، لكنها تفتح الباب لتأويلٍ أعمق: خطوطٌ رقميةٌ تشبه حفرَ اللينوكوت، ومفردات قليلة قوية التأثير (جسد، مثلث، مدينة، زهرتان) تُصاغ كحروف أبجديةٍ للمأساة. العمل لا يكتفي بوصف الحركة، إنّه يحوّلها إلى أخلاقيّة بصرية: أن تتحرّك يعني أن تقول: "أنا هنا". الجسد يركض لا فرارًا، بل ليقاوم المحو والدمار؛ كأن الحركة نفسها صلاة، وكأن اندفاعه كتابة جديدة في سِفْر الوجود الفلسطيني. هنا، يصبح الجسد أيقونة العناد، والمثلث الأحمر قلب اللوحة النابض: جغرافيا من دمٍ تتحوّل إلى جغرافيا مقاوِمة.
يفتح النص المرافق للعمل بابًا للحركة، كما ينفتح حضور اللوحة للاندفاع؛ كلاهما يتماسّان في لحظة اشتعال الروح. الركض هنا هو نبض الأرض حين تدفع أبناءها إلى الحياة، دمٌ يفيض ويتحوّل في النص إلى ذاكرة، وفي التكوين البصري إلى مسار يخترق المثلث الأحمر كجرح مفتوح. الأزهار التي تنبت في قاع المشهد تُكمل المعنى: الدم يتحوّل إلى شهادة، والشهادة تتحوّل إلى وجود متجدد. النص واللوحة يلتقيان في صياغة فعل واحد: الجسد الفلسطيني كقوة لا تنفد، يتحرك في مواجهة الفناء ليعيد إعلان الحق في الحياة، حياةٍ تقفز دومًا من بين الركام.

ختام
يتجلى في أعمال شحدة درغام ونصوصه الأخيرة وعيٌ مأساوي مشحون بطاقة الحياة؛ إذ تتحوّل الأجساد الممزقة إلى شواهد على الصمود، وتغدو التفاصيل الصغيرة معابر رمزية تختزن القضية الفلسطينية في أبسط صورها وأكثرها صدقًا. ما يُحسب للفنان أنه لا يركن إلى الشعارات ولا إلى الخطابية المألوفة، بل يُنصت إلى هشاشة الإنسان في قلب الكارثة، ويُحوّلها إلى لغة بصرية ونصية تصهر الخاص بالجمعي، واليومي بالتاريخي. لقد نجح في أن يُزاوج بين البصريّ والنصّيّ ليخلق ملحمة حسية/ جمالية تنبض بالوعي بالهشاشة، ومن هنا تستمد قوتها، وتعلن أنّ المقاومة قد تكون مجرد فعل بقاء، لكنّها مع ذلك فعلٌ كافٍ لتثبيت الوجود.
ومع هذا، ربما تتطلب هذه التجربة البصرية النصّية توسيع أفقها من الداخل، أي أن يتم تعميقها فنيًّا، ومنحها آفاقًا أوسع للتأمل والتجريب، كي لا تستسلم للتكرار الذي قد يتهدد أي تجربة إبداعية وُلدت من رحم المأساة. فالمخاطرة الفنية مطلوبة كي لا تتحوّل الرموز ذاتها (الجسد، الخيمة، الأم، الشهيد، الطفل) إلى رموز مألوفة تفقد وهجها وقدرتها على اكتشاف فضاءات معرفية جديدة. تكمن قوّة أعمال درغام في تفجّرها العاطفي، وصدقها الوجودي، وما ينقصها أحيانًا هو بناء مسافة تأملية أعمق تسمح للنص والصورة أن يتجاوزا الانفعال المباشر نحو مستوى رمزي أكثر تركيبًا.
ومع ذلك، فإن أي نقد، مهما بدا موضوعيًا، أو صارمًا، يظل خجولًا مرتبكًا أمام تجربة إبداعية تنبثق من قلب الجوع والفقد والنزوح والدمار والحصار، تجربة تتشكّل بالدم قبل أن تتجسّد باللون، وبالرماد قبل أن تُصاغ بالحبر. ولعل تجارب فناني غزة، حيث لا أمان ولا شيء غير الجوع والفقد والدمار، تفرض رؤى نقدية جديدة في قراءتها، تأخذ بعين الاعتبار واقع الإبادة التي تتشكل هذه التجارب ضمنها. ومع ذلك، يظل شحدة درغام، الفنان والكاتب، شاهدًا فريدًا على زمن فلسطيني تُعاد كتابته تحت القصف والحصار، بل هو لا يقف عند حدود الشهود، إذ يبرهن أن الإبداع في قلب الموت ليس مجرد توثيق للألم، بل مقاومة جمالية تمنح المأساة معناها الإنساني الأعمق.


***

شحدة أحمد درغام: وُلد الفنان عام1967 في مخيم البريج في قطاع غزة. حصل على درجة الماجستير في الفنون التشكيلية ــ تخصص تصميم جرافيك من جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا في الخرطوم. عمل كأستاذ جامعي في كليات الفنون التطبيقية والعلوم الهندسية في قطاع غزة، كما عمل أيضًا في مجال تصميم الجرافيك ورسم الكاريكاتير. حصل على عدد من الجوائز المحلية والدولية في مجال تصميم الملصقات والشعارات. أقام معارض فردية عديدة في فلسطين والخارج، عرض خلالها أعماله، من لوحات، وملصقات، وكاريكاتير.
صدر لأعماله في الكاريكاتير كتاب بعنوان "هنا فلسطين" (في بيروت). كما تم طباعة أكثر من 300 ملصق فني من أعماله، في فلسطين والخارج، من أبرزها ما أُنتج لصالح "برنامج الغذاء العالمي". نُشر له عدد من الأبحاث والمقالات المتخصصة في الفنون البصرية الفلسطينية، في مجلات علمية، وصحف ثقافية محلية وعربية. وفي ظل العدوان الأخير على غزة، اتجه درغام إلى كتابة الأدب والقصة القصيرة في موازاة مع أعماله الرقمية، ويعمل حاليًا على نشر كتاب خاص بهذه التجربة.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.