يمكن اعتبار مسرحية "970 × 970" بمثابة صرخة مسرحية سورية، هي التي عُرضت في اختتام الدورة العشرين لمهرجان ليالي أيام المسرح الحر الدولي بالعاصمة الأردنية عمّان، من تأليف الممثل المحوري فيها حسام الشاه، وحاز جائزة أفضل ممثل في المهرجان، وإخراج زين طيّار، فيما كانت الرؤية البصرية لبسام حميدي، والإدارة الفنية والدراماتورجيا للمى طيّارة.
وتُعدّ مسرحية "970 × 970" من الأعمال الفنية الجريئة التي تعرّي جرائم نظام الأسد بشكل مباشر وغير مباشر، وتستخدم الفن كوسيلة لتوثيق الألم والظلم الذي تعرض له الشعب السوري في فترة حكمه، ومن قبله والده، فعبر شخصية بائع "الديليفري"، الذي هو في الأساس محامٍ يُدعى "حسّان"، يقدم العمل تحية للسجناء والمُغيّبين قسريًا، في إشارة واضحة لانتهاك حقوق الإنسان التي مارسها نظام الأسد بشكل ممهنج، بحيث تًقدّر أعداد المعتقلين والمختفين قسريًا بعشرات الآلاف، توفي كثير منهم تحت التعذيب، غير من لا يزالون قيد الاختفاء القسري.
وبالإضافة إلى التركيز على قضايا الاعتقال والاختفاء القسري، فإن مسرحية "970 × 970"، تشير من دون مواربة إلى التعذيب والمعاناة الجسدية والنفسية، خاصة في سجون ومعتقلات النظام البائد، علاوة على الندوب العالقة في دواخلهم ودواخل عائلاتهم، لجهة توسيع الدائرة للحديث عن الآثار المدمرة لسياسات الأسد و"شبّيحته"، ليس فقط على الأفراد، بل على نسيج المجتمع ككل، فالسجون والمعتقلات، ويكون "حسّان" (حسام الشاه) أحد ضحاياها من دون تهمة، لم تكن مجرد أماكن احتجاز، بل كانت أدوات لتشويه الأفراد، وكسر إراداتهم.
وكانت مسرحية "970 × 970" أول العروض السورية التي تفتح أبواب المسرح لإقامة بروفات في المرحلة التي وصفها القائمون عليها بـ"ما بعد التحرير"، وهو التعبير الذي يشير بوضوح إلى سقوط نظام الأسد في مناطق معينة، ما سمح للفنانين بتناول هذه المواضيع بحرية أكبر لم تكن متاحة في ظل القبضة الأمنية للنظام البائد، ما يشير إلى حالة القمع إزاء أي محاولة للحديث عن هذه الجرائم، ومن هنا تميّز العرض بجرأة الطرح، عبر مناقشة القضايا التي كان مسكوتًا عنها علنًا، متجاوزة الخطوط الحمراء التي فرضها النظام لعقود، فشكلت شهادة فنية على الواقع الأليم، من خلال التوثيق الفني، فالعمل لم يكن مجرد ترفيه، بل كوّن شكلًا من أشكال التوثيق الفني للفظائع، ما يجعل منه مساهمة إبداعية ثريّة في حفظ الذاكرة الجماعية للشعب السوري حول ما عاناه في ظل حكم الأسد، مؤكدًا، ولو دلاليًّا، على ما يُعرف بـ"الصوت البديل"، بحيث يصبح الفن، وهنا المسرح، في ظل تكميم الأفواه وقمع التعبير، مساحة حيوية لإيصال أصوات الحياة، وكشف الحقائق.
ورغم وجود شخصيات مُساندة هامشية، يمكن اعتبار مسرحية "970 × 970" عملًا مونودراميًا، بشكل أو بآخر، أو ما يمكنني وصفه بعمل "الشخصية المحورية"، علاوة على كونها لا تتبع القوالب المسرحية التقليدية بشكل صارم، بل تتجاوزها لتقديم رؤية فنية مغايرة مضمونًا وشكلًا، ما يؤهلها لتكون عملًا مسرحيًا تجريبيًّا إلى حد ما.
وشكلّ التناقض الظاهري بين كون المسرحية تجريبية، وكونها مباشرة في الوقت ذاته، إحدى نقاط قوة العمل، فهذا التناقض هنا ميزة لا نقيصة، حيث الجمع بين الأسلوب التجريبي، والمحتوى المباشر.
وتظهر المُباشرة في مضمون المسرحية ورسالتها، فهي لا تترك مساحات للتأويل حول موضوعاتها المحورية، كجرائم نظام الأسد، ومعاناة المعتقلين، والبحث عن العدالة المفقودة، مقدمة رسالة سياسية واجتماعية مباشرة جدًا تهدف إلى إثارة التعاطف المباشر مع ضحايا الظلم. وهو ما نجحت فيه بامتياز، عبر مشاركتها للجمهور تلك المشاعر التي سعت لإيصالها من دون مواربة، وكان لها ذلك، كالألم، والغضب، والأمل أيضًا.
أما التجريب فيظهر في شكل المسرحية وأسلوبها الفني، باعتبار أن عمل "الشخصية المحورية" يتطلب شكلًا فنيًّا خاصًا يتضمن التلاعب في الزمن، ومساحة تنقل المشاعر المتجسدة عبر الفنان المحوري على الخشبة إلى المتلقين على شكل حالات نفسية متغيرة له، ولشخصيات أخرى جسّدها، ولو لفظيًا، فيما يتجلى هذا التجريب أيضًا عبر عنوان المسرحية "970 × 970"، من خلال تحويل شخصية المحامي "حسّان" إلى رمز، أو شبح يلاحق شخصيته، بدلًا من كونه شخصية حقيقية تتفاعل، وهو أسلوب رمزي غير مباشر يضيف عمقًا للعمل، الذي لا يعرض حادثة اعتقال المحامي بشكل وثائقي مباشر، بل يستخدم شخصية عامل "الديليفري" كجسر لجهة تسليط الضوء على هذه القضية، من منظور أكثر رمزية، علاوة على المعالجة الجمالية فنيًّا في تناول الألم، لكونها لا تعرض الألم الخام بشكل فج، بل تُعالجه فنيًّا لجعله أكثر تأثيرًا وإمتاعًا في الوقت نفسه، وهذا يتطلب تجريبًا في طرق العرض.
هذا المزيج كان من بين العوامل التي جعلت من المسرحية عنوانًا للتميّز، عملًا فنيًا مؤثرًا ومهمًا في الساحة السورية ما بعد مرحلة الأسد، فكانت المسرحية السورية الأولى التي تشارك، منذ الثامن من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، في مهرجان مسرحي عربي دولي، بل والحصول على جوائز فيه.
وتُقدم مسرحية "970 × 970" جملة من المشاهد المؤثرة التي تتجاوز مجرد السرد، لتصل إلى مستويات عميقة الدلالات، مستفيدة من كونها مسرحية تندرج في إطار أعمال "الشخصية المحورية"، وبالتالي تعتمد على الأداء المكثف للفنان حسام الشاه، الذي قدّم دوره، أو أدواره، بتميّز لافت، لنراه يتقمص دور عامل "دليفيري" في يومياته، بحيث يتلقى الطلبات، ويجوب الشوارع، يتعامل مع الزبائن، وربما يواجه بعض المصاعب، أو المواقف الطريفة، أو حتى المهينة، وهو ما وضع الجمهور في سياق الشخصية وحياتها الراهنة، وهو ما يرمز إلى الشريحة الكادحة والمنسية في المجتمع، والتي غالبًا ما تكون الأكثر تضررًا من الأزمات التي تعيشها بلادهم، فهو يمثل هنا المواطن العادي الذي يحاول النجاة في ظروف صعبة، علاوة على ما تمثله حركة عامل "الدليفيري" المستمرة، من لهاث دائم في الحياة بحثًا عن لقمة العيش في ظل ظروف قاهرة، مشيرة إلى نوع من الحصار، أو العزلة الاجتماعية، رغم هذا التنقل المستمر، في تمثيل للقشرة الخارجية للواقع، فهذا التجسيد يعكس السطح الظاهري للحياة الطبيعية في سورية، لكنه يخفي تحت معطفه آلامًا عميقة وحكايات مروعة.
وفي مشاهد أخرى يأخذنا الشاه، أو حسّان، إلى حيث المعتقل الذي يستحيل فيه "شبحًا" على شكل "رقم"، وهذا محور درامي أكثر أهمية، بحيث ينتقل عامل "الديليفري" بشكل مفاجئ إلى حالة أخرى تتلاشى فيها شخصيته الظاهرية لنجده في خانة تجسيد ضحايا السجون والمعتقلات، وما فيها من سياسات لا إنسانية، وهذا تجسّد أداء بشكل متميّز كما في التعبيرات الجسدية، وأيضًا عبر ما حدث من تغييرات في الإضاءة، أو الصوتيات، أو الديكور المرافق.
وهذا التحول كسر حاجز الزمن والمكان، بحيث انتقل بـ"حسّان" كما الجمهور إلى فضاءات السجن والتعذيب، ما يدل على أن تأثير هذه التجارب لا يزال حاضرًا ويطارد السوريّين، كما يعكس الألم المستمر والذاكرة الحية، بالتأكيد على كون معاناة المعتقلين ليست مجرد تاريخ، بل هي جزء حي من الذاكرة الجمعية والوجدان، وتستمر في التأثير على الحاضر، علاوة على التعميم والرمزية: من خلال تجسيد عامل "الديليفري" لأكثر من شخصية أو حالة، وهنا تتحول المسرحية من قصة فردية إلى حالة جماعية، حيث يصبح هو ذاته رمزًا لكل المظلومين.
وفي المشاهد التي يستحضر فيه حسّان التعذيب في معتقلات الأسد وسجونه، ثمة مونولوجات مكثفة يستعرض فيها الممثل، بصفته الضحية والشاهد، تفاصيل من المعاناة داخل السجون، كأساليب التعذيب، والشعور بالوحدة، وفقدان الكرامة، أو حتى اللحظات اليائسة، والأمل الضئيل، وهي مونولوجات جوانيّة عبّر عنها بلغة الجسد حدّ إيماءات العينين، كما المونولوجات البرّانية التي نقلها تجسيدًا ونصًّا.
وفي هذه المشاهد تجسيد فني عبر توثيق الفظائع بطريقة فنية ومؤثرة، ما أجبر الجمهور على مواجهة الحقائق المؤلمة والمفجعة لحقبة سوداء من تاريخ سورية وشعبها، كما شكلت صوتًا لمن فقدوا أصواتهم داخل المعتقلات، أو بعد خروجهم، بحيث منحهم نوعًا من الكرامة التي كانت مُهدرة ومفقودة، عبر سرد مسرحي محكم.
وفي المشاهد الختامية للمسرحية، أو ما قبلها، وبعض المشاهد المتفرقة، نرى حسّان، كما الشاه وفريق العمل، والأغلبية الطاغية من السوريين، إن لم يكونوا جميعًا، يبحثون عن العدالة، أو ما يمكن وصفه بالأمل، ولو كان ضئيلًا، فتحدّي النسيان، وعدم الصمت، وتذكر الضحايا، والتذكير بهم، قد يفضي إلى مستقبل أفضل، كحالة من الرجاء، بعيدًا عن البكاء على الأطلال، وقريبًا جدًا حد المباشرة بطلب القصاص، عبر المساءلة والمحاسبة.
وعلى الرغم من قسوة الموضوع، فإن المسرحية غالبًا ما تترك بصيص أمل في قدرة الفن على التغيير، وفي ضرورة استمرار النضال من أجل الحرية والكرامة، في حث للسوريّين الكل، وكل أحرار العالم، على حمل رسائل الضحايا وذويهم إلى العالم، كما فعل فريق "970 × 970"، التي اعتمدت بشكل كبير على قوة تأثير أداء حسام الشاه، وتوجيه زين طيار، لجهة تكوين عمل مسرحي غنيّ بالمشاعر والدلالات، بحيث يتم تحويل الألم الخاص إلى صرخة أممية ضد الظلم والطغيان.
بالمجمل، تُظهر "970 × 970" أن الشكل الفني للمسرح ليس مجرد وعاء للمضمون، بل هو أداة فعالة تُسهم في تشكيل الرسالة وتعميق تأثيرها، كما تُبرهن على أن البساطة في الموارد يمكن أن تُنتج عملًا فنيًا ذا أبعاد فنية وإنسانية بعيدة المدى.


تحميل المقال التالي...