بعد مسرحية "ميلودراما" ومسرحية "الثورة غداً تُؤجَّل إلى البارحة" تأتي مسرحية "كل عار وأنتم بخير" للأخوين ملص، والتي سَبَقَ أن قدَّماها أيام انطلاق الثورة السورية عام 2011 في ما يُسمَّى مسرح الغرفة، إذ تمَّ اعتقالهما، ليُفرج عنهما، ويغادرا سورية إلى أكثر من منفى إلى أن يستقرا في فرنسا.
المسرحية وهي من تأليف وديكور وملابس واختيارات موسيقية وإضاءة وتمثيل وإخراج الأخوين ملص- والتي قدَّما عرضًا لها مساء 3 تموز/ يوليو 2025 على مُقدِّمة مسرح دار الثقافة باللاذقية - وإن كانت تعبيرًا عن مساندتهما للثورة ضد حكم العائلة الأسدية (1970-2024)؛ إلا أنَّها لم تقارب التجسيد الدرامي ولا التشخيص الكوميدي، كون الممثَّل أحمد ملص بدور الجندي نزار مع ندِّه الممثل محمد ملص بدور الشاعر المثقف يوسف كانا يذهبان إلى التهريج وهما يتبادلان حواراتهما التي كانت تلامس سطح المأساة السورية تنكيتًا مثل: (الله يعينك يا وطني على ها النمرة. ثمَّ يتساءل نزار: ليش النِمر بيلحق السيارة؟ ويُجيب: مشان النمرة. وأيضًا: بكرا بس تفوت إسرائيل بدنا ناخد كتاب محمد درويش تانصب عليه رصاصات. يا جاهلْ... اللغة العربية موجودة قبل الإسلام، ويُجيب نزار: استغفر الله استغفر الله). وغيرها. ما يذكرنا بمسرح همام حوت الذي اقتربا منه في تهكماتهما وحركاتهما، بل زادا عليه النط والقفز على موسيقى أغنية "آه لو كنت رئيسًا" للمصري محمد سعد الملقب بـ "اللمبي"، وأغنية "مشغول عليك مشغول" لكارم محمود، وأغنية لسعدون جابر، ومعزوفة أمير البزق محمد عبد الكريم الشهيرة التي كانت تسبق افتتاح الإذاعة السورية يوميًا، ومقطعًا من سيمفونية "بحيرة البجع" لتشايكوفسكي - ما هذه الاختيارات وما هي دلالاتها، وما الذي يجمع تشايكوفسكي مع هؤلاء المُغنين؟ مع أنَّ يوسف أدَّى رقصةً تعبيرية عبثية مثيرة على موسيقى "بحيرة البجع" كأنَّه جُنَّ أو أصابه شيء من مَسّ، فانتزعَ تصفيق المتفرجين. فيمضي نزار في التنكيت قائلاً ليوسف: (بدِّي سمعك بحيرة البط، رقصنا عليها في الجيش).
فهلوة مع انفعالات مُصطنعة لا من خوفٍ ولا من ألمٍ. لا تلقائية ولا عقلانية، كأنَّها شحنات ثقيلة وغليظة - هي فعلاً غليظة؛ تراهما يُفرغانها كمن يتخلَّص من حمل بغرض الإضحاك. نُكاتٌ فجَّة من تقليب الكلمات؛ لا إيحاءات، بل كانا يقدمان ملصقات دعائية لهشاشة الواقع حتى ما بعد الفتح المُبين، ويروجان له وليس ينتقدانه أو ينقدانه، وفي وجهٍ آخر كانا يرسمان صورًا كاريكاتيرية ليست جروتسكية، لا مفاجأة ولا إدهاش، ولا تجسيدات درامية سوى أنَّ نزار البطل كما يريد أن يكون، كان أصبع يده في أغلب زمن العرض لا يفارق أسنانه وهو ينكشها نكشًا قصديًا لا يدل على سمات البطولة، إضافة إلى أنَّه ينفرُ من العلم والمعرفة؛ بل ويضطهد يوسف الشاعر المثقف، والذي هو الآخر لم يستفد من قراءاته سوى أنَّها كانت زينة، فيرشُّنا بأسماء كُتَّاب وممثلين مثل: محمد - محمود الماغوط، ومحمود - محمد درويش بغاية الإثارة والإضحاك، وغادة السمان، والإمام الشافعي، وهاروكي موراكامي وسارتر وبول إيلوار، وجهاد سعد وسمر سامي. يبدو أنه يذكرها ليُدلل على تثقفه.
العرض لا حكاية، لا فعل، لا صراع؛ بل حكي يسخر ويهجو تخلفنا. فنزار العسكري المُجنَّد الثرثار والذي يلعب دور الشاب العشريني في أوَّل العرض فيما يوسف الشاعر المثقف يلعب دور الرجل الستيني الذي قضى جزءًا من شبابه في المُعتقل، سينقلب دوريهما في القسم الثاني من العرض- نزار في الستين فيما يوسف في العشرين. هي هنا يُفترض أن تكون تحولًا لا انقلابًا؛ مثلًا: من الشقاء إلى السعادة أو العكس. ذلك كنتيجة طبيعية لسيرورة الفعل في تناميه، وليس ادِّعاءً بالبطولة كما يرى ويعتبر نزار بأنَّها من حقِّه فهو بطل؛ وأنَّ البطل في الدراما عمومًا والمسرح خاصةً هو العمود الفقري لأيِّ عرض، فكلُّ الأحداث والصراعات له ولأجله.
في أداء الأخوين ملص على مدى 75 د، كأنَّهما لم يستفيدا من اغترابهما فيطوران أدواتهما وأدائهما. لقد أعادانا إلى مسرح همام حوت لاستهلاك العبودية والقبول بها وهما ينتقدان بالحكي/ الألفاظ الحاكمَ السوري بشار الأسد وعصابته الأمنية والاقتصادية من المجرمين الفاسدين كي يُفرِّغا غضب البشر بدل أن يؤجِّجانه، فكانا كمن يتغزَّل بالعبودية على أنَّ الحرية هي الموت. وفوقها؛ لا تناظرَ في أدائهما، حكي بالصوت العالي يقابله صوت بالواطي - المنخفض. بل دائمًا وهما يحكيان بصوتٍ عالٍ يستفز مشاعر المتفرجين، كأنَّ غرائزهما هي التي تقودهما. فلا قعقعة ولا دمدمة ولا أنين ولا رعد ولا برق، ولا مشهد رعوي نسمع فيه أصواتًا تبعث الشعور بالسكينة أو تدفعنا للتوجس. دائمًا في صراخ. صراخ وليس من انفجارات درامية، صراع × صراع يذهب إلى الذروة أو الانفراج سوى لحظة يشهر نزار مسدسه في وجه يوسف مهددًا بقتله إن لم يتصل هاتفيًا بحبيبته ميس التي اغتصبها ضابط المخابرات أمام زوجها والتي فارقها منذ 50 عامًا، كما يقوم يوسف بإجبار الجندي نزار ليتصل مع حلا حبيبته التي فقدها حين أطلق النار على المتظاهرين، إلى أن يقررا قتل بعضهما وهذا ما أنقذ العرض، فنسمع ذاك الصراخ الهستيري: "كيف بدي أقتلك وتقتلني؟ شوف دمَّك وتشوف دمِّي، هون بالمكان يلي أكلنا وفرحنا ورقصنا وضحكنا ونمنا وفِقْنا فيه؟"...
رغم هذه النهاية السعيدة، حيث يعم الخير والسلام التي تدعو إليها المسرحية، فإنَّ الأخوين ملص كانا كَمَنْ يريدان أن يُرجِّعا- يُعيدا نقطة الماء إلى البحر حيث تنعدمُ وتتلاشى، ونحن أحوجُ ما نكون إليها في هذه الأرض التي يتمُّ تصحيرها، فنعيش بلا حرية ولا كرامة.
المسرحية وهي من تأليف وديكور وملابس واختيارات موسيقية وإضاءة وتمثيل وإخراج الأخوين ملص- والتي قدَّما عرضًا لها مساء 3 تموز/ يوليو 2025 على مُقدِّمة مسرح دار الثقافة باللاذقية - وإن كانت تعبيرًا عن مساندتهما للثورة ضد حكم العائلة الأسدية (1970-2024)؛ إلا أنَّها لم تقارب التجسيد الدرامي ولا التشخيص الكوميدي، كون الممثَّل أحمد ملص بدور الجندي نزار مع ندِّه الممثل محمد ملص بدور الشاعر المثقف يوسف كانا يذهبان إلى التهريج وهما يتبادلان حواراتهما التي كانت تلامس سطح المأساة السورية تنكيتًا مثل: (الله يعينك يا وطني على ها النمرة. ثمَّ يتساءل نزار: ليش النِمر بيلحق السيارة؟ ويُجيب: مشان النمرة. وأيضًا: بكرا بس تفوت إسرائيل بدنا ناخد كتاب محمد درويش تانصب عليه رصاصات. يا جاهلْ... اللغة العربية موجودة قبل الإسلام، ويُجيب نزار: استغفر الله استغفر الله). وغيرها. ما يذكرنا بمسرح همام حوت الذي اقتربا منه في تهكماتهما وحركاتهما، بل زادا عليه النط والقفز على موسيقى أغنية "آه لو كنت رئيسًا" للمصري محمد سعد الملقب بـ "اللمبي"، وأغنية "مشغول عليك مشغول" لكارم محمود، وأغنية لسعدون جابر، ومعزوفة أمير البزق محمد عبد الكريم الشهيرة التي كانت تسبق افتتاح الإذاعة السورية يوميًا، ومقطعًا من سيمفونية "بحيرة البجع" لتشايكوفسكي - ما هذه الاختيارات وما هي دلالاتها، وما الذي يجمع تشايكوفسكي مع هؤلاء المُغنين؟ مع أنَّ يوسف أدَّى رقصةً تعبيرية عبثية مثيرة على موسيقى "بحيرة البجع" كأنَّه جُنَّ أو أصابه شيء من مَسّ، فانتزعَ تصفيق المتفرجين. فيمضي نزار في التنكيت قائلاً ليوسف: (بدِّي سمعك بحيرة البط، رقصنا عليها في الجيش).
فهلوة مع انفعالات مُصطنعة لا من خوفٍ ولا من ألمٍ. لا تلقائية ولا عقلانية، كأنَّها شحنات ثقيلة وغليظة - هي فعلاً غليظة؛ تراهما يُفرغانها كمن يتخلَّص من حمل بغرض الإضحاك. نُكاتٌ فجَّة من تقليب الكلمات؛ لا إيحاءات، بل كانا يقدمان ملصقات دعائية لهشاشة الواقع حتى ما بعد الفتح المُبين، ويروجان له وليس ينتقدانه أو ينقدانه، وفي وجهٍ آخر كانا يرسمان صورًا كاريكاتيرية ليست جروتسكية، لا مفاجأة ولا إدهاش، ولا تجسيدات درامية سوى أنَّ نزار البطل كما يريد أن يكون، كان أصبع يده في أغلب زمن العرض لا يفارق أسنانه وهو ينكشها نكشًا قصديًا لا يدل على سمات البطولة، إضافة إلى أنَّه ينفرُ من العلم والمعرفة؛ بل ويضطهد يوسف الشاعر المثقف، والذي هو الآخر لم يستفد من قراءاته سوى أنَّها كانت زينة، فيرشُّنا بأسماء كُتَّاب وممثلين مثل: محمد - محمود الماغوط، ومحمود - محمد درويش بغاية الإثارة والإضحاك، وغادة السمان، والإمام الشافعي، وهاروكي موراكامي وسارتر وبول إيلوار، وجهاد سعد وسمر سامي. يبدو أنه يذكرها ليُدلل على تثقفه.
العرض لا حكاية، لا فعل، لا صراع؛ بل حكي يسخر ويهجو تخلفنا. فنزار العسكري المُجنَّد الثرثار والذي يلعب دور الشاب العشريني في أوَّل العرض فيما يوسف الشاعر المثقف يلعب دور الرجل الستيني الذي قضى جزءًا من شبابه في المُعتقل، سينقلب دوريهما في القسم الثاني من العرض- نزار في الستين فيما يوسف في العشرين. هي هنا يُفترض أن تكون تحولًا لا انقلابًا؛ مثلًا: من الشقاء إلى السعادة أو العكس. ذلك كنتيجة طبيعية لسيرورة الفعل في تناميه، وليس ادِّعاءً بالبطولة كما يرى ويعتبر نزار بأنَّها من حقِّه فهو بطل؛ وأنَّ البطل في الدراما عمومًا والمسرح خاصةً هو العمود الفقري لأيِّ عرض، فكلُّ الأحداث والصراعات له ولأجله.
في أداء الأخوين ملص على مدى 75 د، كأنَّهما لم يستفيدا من اغترابهما فيطوران أدواتهما وأدائهما. لقد أعادانا إلى مسرح همام حوت لاستهلاك العبودية والقبول بها وهما ينتقدان بالحكي/ الألفاظ الحاكمَ السوري بشار الأسد وعصابته الأمنية والاقتصادية من المجرمين الفاسدين كي يُفرِّغا غضب البشر بدل أن يؤجِّجانه، فكانا كمن يتغزَّل بالعبودية على أنَّ الحرية هي الموت. وفوقها؛ لا تناظرَ في أدائهما، حكي بالصوت العالي يقابله صوت بالواطي - المنخفض. بل دائمًا وهما يحكيان بصوتٍ عالٍ يستفز مشاعر المتفرجين، كأنَّ غرائزهما هي التي تقودهما. فلا قعقعة ولا دمدمة ولا أنين ولا رعد ولا برق، ولا مشهد رعوي نسمع فيه أصواتًا تبعث الشعور بالسكينة أو تدفعنا للتوجس. دائمًا في صراخ. صراخ وليس من انفجارات درامية، صراع × صراع يذهب إلى الذروة أو الانفراج سوى لحظة يشهر نزار مسدسه في وجه يوسف مهددًا بقتله إن لم يتصل هاتفيًا بحبيبته ميس التي اغتصبها ضابط المخابرات أمام زوجها والتي فارقها منذ 50 عامًا، كما يقوم يوسف بإجبار الجندي نزار ليتصل مع حلا حبيبته التي فقدها حين أطلق النار على المتظاهرين، إلى أن يقررا قتل بعضهما وهذا ما أنقذ العرض، فنسمع ذاك الصراخ الهستيري: "كيف بدي أقتلك وتقتلني؟ شوف دمَّك وتشوف دمِّي، هون بالمكان يلي أكلنا وفرحنا ورقصنا وضحكنا ونمنا وفِقْنا فيه؟"...
رغم هذه النهاية السعيدة، حيث يعم الخير والسلام التي تدعو إليها المسرحية، فإنَّ الأخوين ملص كانا كَمَنْ يريدان أن يُرجِّعا- يُعيدا نقطة الماء إلى البحر حيث تنعدمُ وتتلاشى، ونحن أحوجُ ما نكون إليها في هذه الأرض التي يتمُّ تصحيرها، فنعيش بلا حرية ولا كرامة.


تحميل المقال التالي...