تأتي تجلّيّات الاغتراب فرادى؛ هي كثيرة تتخبط بين الشخصي والعام. ولكي نتجاوز متاهات مفهوم الغربة، نشير هنا إلى فيلميْن عُرِضا في 2022 إذا جاز التحقيق في الشخصي والعام من ذاك المفهوم. الفيلم الأول أنجزه الروماني كريستيان مونجيو بعنوان R.M.N (وهو الاختصار الروماني لظاهرة الرنين المغناطيسي النووي) والثاني للإيراني جعفر بناهي بعنوان "خرس نیست"، ترجمه الصحافيون إلى "لا توجد دببة" و"لا دببة"، حسب اللغة الأصل. في الحالتيْن، ينفي الفيلم بعنوانه وجود دببة في إحدى القرى التي احتضنت أحداث الفيلم.
الخوض في مسارات الفيلميْن هنا مهمة مستحيلة، فواحدهما كافٍ للوقوف على مسيرة سينمائية خصبة للمؤلف. ما يستحضرني في مجازات الفيلميْن المتنوّعة حضور الغريب وغيابه. وسأختزل خيوط النصّيْن أولًا في فيلم مونجيو الذي نسَبَ تسميته إلى "دراسةٍ عن الدماغ... فحص للدماغ يحاول كشفَ ما يقبع تحت السطح"، وهي محاولة اصطبغت كل أفلامه بها، لا سيما في تحفته "4 أشهر، 3 أسابيع ويومان" في 2006، التي كشفت رومانيا تشاوشيسكو عن طريق الإجهاض.
مسألة الغريب في الفيلم لا تبتعد من حس فكاهة لويس بونويل في سخريته اللاذعة من مفارقات الثوابت التي تخص الناس جميعًا، إذ نشهد قرية صغيرة في رومانيا يعترض أغلب سكانها على توظيف عمّال أجانب في المخبز الذي يوفر كفاف يومهم ويصدّر منتجاته خارج القرية. هنا ترانسيلفانيا التي تحوي في هذه البقعة بالذات الإثنية المجرية الغالبة والرومانية والألمانية أيضًا. يقاطع المعارضون شراء الخبز، فهم يرفضون لمس الخبز الذي يعجنه أولئك الوافدون من سيرلانكا، بل ويُمنَع هؤلاء الوافدون من دخول الكنيسة بالرغم من كاثوليكيتهم المشابهة.
تتبدّى هذه الأحداث بالتوازي مع جهود "بطل" الفيلم ماتياس في التواصل مع حبيبته القديمة وابنه، وهو العائد فجأةً من ألمانيا كعامل "غريب" أيضًا. أما عن رؤيته ورأيه في شأن العمّال الأجانب، فتحضر فكاهة بونويل في لقطة طويلة يتجادل فيها سكان القرية بشأن حل ما، فنرى ماتياس يمثل الرمادي على الضد من رأي حبيبته الليبرالية التي وظفت العمّال.
فيما خص اختزالنا فيلم بناهي، ننوّه أولًا إلى سياق الفيلم الذي ينتمي إلى سلسلة أفلام صوّرها المؤلف إما بالسر وهرّبها أو فُرِضَت عليها الرقابة فُهرِّبَت على أي حال. هي أفلام خمسة يصير فيلمنا آخرها، صوّر بناهي بها وفيها نفسه عبر محنة السينمائي المتلصص، المتنصّل من رقابة الدولة والإقامة الجبرية. يشخّص بناهي هنا نفسه في قرية قرب الحدود التركية، هي أيضًا علامة على التنوّع الثقافي في المجتمع، إذ يتحدث سكانها القلائل الأذربيجانية فضلًا عن الفارسية. لكن المفارقات تحضر كما حضرت في حكاية مونجيو، فهذا التنوّع لا يمنع الرغبة في صد الغريب والأجنبي ممَثلًا في بناهي. يُخرِج بناهي، عن بعد، دوكودراما كحال الفيلم نفسه، عن زوجيْن من إيران في تركيا، يسعيان إلى عبور الحدود صوب أوروبا. أما في القرية نفسها، يصوّر بناهي بالصدفة حبيبيْن في موعد سرّي، فيجد نفسه عالقًا في قضية شرف.
يشير عنوان الفيلم إلى لقطةٍ عابرة وسط الحكاية، يلتقي فيها بناهي بشيخٍ في القرية في لقطة بعيدة لا تُقحِم محتواها بالموسيقى وتعابير الوجه. يخبره الشيخ بوجود دببة في طريقه وعليه التزام الحظر، فيرد بناهي بعنوان الفيلم على الشيخ وأعيان القرية أيضًا، لا دببة هنا تحكم عليكم بهذا الانغلاق، هي خرافات نختلقها لكي نزدهر في فقاعتنا المريحة.
ليس موضوع الغريب المتوحش جديدًا على السينما، سواء كان موجودًا أو متخيّلًا (من السينما الرائجة، نذكر فيلميْن متفاوتيْ الجودة، الطيور لـ هتشكوك، والقرية لـ م. نايت شيامالان. الطيور حاضرة بالفعل في الأول والوحوش مصطنعة في الثاني. وبالرغم من ضعف الثاني النسبي، يشترك الاثنان في احتضان التنظير الأيديولوجي في تجسيد الغريب). على أن اختلاف فيلميْنا يقربهما من بعضهما بعضًا، فالمؤلّفان اختبرا القمع السياسي وإنما في صورتيْن مختلفتيْن؛ مونجيو يستمتع بحرية الإبداع النسبية بعد سقوط تشاوشيسكو، وبناهي آنذاك عالق في دوامة الإقامة الجبرية. منتقدو الأخير يشيرون إلى استغلاله المفتَرض لحالته السياسية لكي يصنع أفلامًا ناجحة، إذ ينتشر في إيران اصطلاح "أفلام المهرجانات" الذي يطلقه النقّاد وصنّاع الأفلام المحافظون على السينمائيين الإيرانيين الذين حققت أفلامهم نجاحًا في كان وبرلين والبندقية، وحتى الأوسكار، فقط لتصويرهم إيران بأسلوب "سلبي". ولكنهم نادرًا ما يتطرّقون لمحتوى الأفلام ذاتها.
تحضر الدببة فعليًّا في الرنين المغناطيسي، لا سيما أن رومانيا تحتضن 60% من الدببة البنية في أوروبا ويشيع اصطيادها في البلد. يصرّ ماتياس على تدريب ابنه على استخدام "الخرطوشة" كي يصير صيّادًا ماهرًا على غرار الكثير، وابنه هذا افتتح الفيلم مصطدمًا بجثةٍ منتحرة سلبت صوته. وفي النهاية تظهر الدببة وهي تحاصر ماتياس في تسلسل سوريالي يكاد يكون هلوسة نابعة من الفيلم ذاته وليس حلمًا لبطلنا العالق بين الشخصي والعام. الضروري هنا تصوير مونجيو لأطراف الصراع من دون محاولة للإصلاح، فهو إذ يصوّر مفارقات الانغلاق الثقافي والتعصب، ينتقد أيضًا نفعيّة بعض الليبراليين في مآلات خطابهم السياسي؛ وبناهي يتفهّم رغبة سكّان القرية في تأبيد الراهن المحافظ، لكنه لا يخجل أيضًا من المعارضة. والاثنان يرفضان تصوير العنف المنبثق من هذه الإيماءات القمعية، فيؤْثران كشف ما يترتب على عواقبه.
أما عن دببة بناهي الغائبة، فهي تظهر مهاجرةً في رومانيا، تنتقل بين الفيلمين من مجاز الثقافة المنغلقة إلى مهاجر أو أجنبي أو غريب (لا يقتصر الغرباء في حكاية مونجيو على العمّال السريلانكيين)، ذاك أن الهارب من الدببة المتخيّلة هذه يصير دبًّا مخيفًا في ثقافة منغلقة أخرى، لكنه لا ينجح في العبور، فيمسي مجازًا يعلق في أحلام الغرباء/ الأصليين على شاكلة ماتياس.


تحميل المقال التالي...