}

ميتري غيمس: خلطة موسيقية تنضح بالتجديد

أشرف الحساني 28 سبتمبر 2025
موسيقى ميتري غيمس: خلطة موسيقية تنضح بالتجديد
الفنان الكونغولي ـ الفرنسي ميتري غيمس

تحظى موسيقى وأغاني الفنان الكونغولي/ الفرنسي ميتري غيمس بأهمية بالغة في العالم، ذلك أنّ تجربته الغنائية قوية البُنيان من ناحية هارمونية الصوت وشامخة أيضًا على مستوى التوزيع الموسيقي، بما جعله على قائمة أكثر الفنانين استماعًا في العالم. بيد أنّ هذه الشهرة على كبرها واستمرارها ونجاحها يومًا بعد يوم، تدفع غيمس إلى التواضع والتعلّم والعمل على التفاعل مع كلّ التحوّلات الفنية التي تطاول واقعه وجسده. فقد اشتغل غيمس على أغانٍ مشتركة مع تجارب واعدة وجديدة، مثل سولكينغ، وديستانكت، وغيرهما من الوجوه الغنائية الجديدة التي أصبح لها طابع التداول والذيوع داخل الساحة الغنائية العالمية. والحقيقة أنّ كل هذه الأغاني التي أبدعها ميتري غيمس مع هذه الوجوه الفنية استطاعت أنْ تترك أثرًا جماليًا كبيرًا في ذائقة المتلقي، وذلك بحكم الإمكانات الجماليّة التي تحبل بها هذه الأغاني، وقدرتها على الخروج عن الطابع الموسيقي المألوف. إذْ على الرغم من كونها عبارة عن موسيقى ترفيهية تنضبط بالإيقاع الاستهلاكي السريع، فإنّ صناعتها تبقى أصيلة على مستوى الاشتغال والإبداع. ورغم أنّ أغاني غيمس باللغة الفرنسيّة، فإنّ حدود انتشار أغانيه كبيرة جدًا في العالم أكثر من أيّ فنّان فرنسيّ آخر. ثمّة سحر غريب في تجربته الغنائية يدفعه إلى محاولة مزج عدد من القوالب الموسيقيّة المعاصرة داخل نظام موسيقيّ هجين موحّد. هذه الخلطة الموسيقيّة تُحدث أثرًا عميقًا في كيّان المستمع، إذْ تكسّر ومن دون وعي أنظمته الإدراكية في التلقّي الموسيقي، وتُدهشه من ناحية توزيعها على سلم المقاطع. لذلك يحرص غيمس في كلّ أغانيه المشتركة على الاشتغال مع فنّانين من ألوان غنائية أخرى، وذلك من أجل خلق هذا التواشج الجمالي الذي تُحدثه الآلة على مستوى العزف.
لم يكُن ذلك الطفل الذي سافر إلى فرنسا رفقة والديه وعمره سنتان يدرك أنّه سيُحقّق كل هذه الشهرة التي غدا معها غيمس من أكبر صناع الموسيقى المعاصرة. بدأ غيمس بالهيب هوب في وقتٍ عرف فيه هذا النمط الغنائي تصاعدًا كبيرًا منذ بدايات الألفية الثالثة، حيث كان عضوًا في فرقة سكسيون داسوت (2002) الفرنسية التي انطلقت أغانيها من العاصمة لتكتسح في مدة لا تتجاوز عشر سنوات الجغرافيات الموسيقية في العالم. غير أنّ النجاح الكبير الذي رافق هذه الفرقة الصغيرة (8 أفراد) سيجعل أعضاءها يفكّرون في الاستقالة نهائيًا، لكنْ ليس بسبب فشل ذريع أصاب ألبوماتهم الغنائية، بل لأنّهم شعروا أنّهم أصبحوا أكبر من كونهم فرقة غنائية صغيرة، حيث اتفقوا على الاستقلال بشكل فردي لصناعة أغانٍ فردية تضمن لهم ذيوعًا أكبر.
يُعدّ غيمس أحد الأصوات القليلة التي استطاعت أنْ تتميّز بأغانيها، ذلك أنّ ألبوماته الغنائية التي ظهرت في السنوات الأخيرة ليست في باطنها مجرّد موسيقى إلكترونية، كما حدث لعدد منهم، بقدر ما جاءت الأغاني أصيلة من ناحية الصوت، وغزيرة من جانب توزيع موسيقي دفع غيمس بشكل خفيّ إلى الخروج من الهيب هوب التقليدي الفجّ الذي يجد ملامحه في الراب، صوب نمطٍ موسيقي يستند على البوب.




يرى عدد من النقاد أنّ غيمس يظلّ من الوجوه البارزة المعروفة بتجديد الأغنية الشبابية الفرنسية، عبر ما يُدخله عليها من تحسينات أسلوبية ذات صلة بالإيقاع الموسيقي. فأغانيه توازي بين جماليّات صوته الأوبرالي، وبين تجريبٍ موسيقيّ مبتكر. على هذا الأساس، لا يُمكن تصنيف أغانيه على أساس أنّها بوب، بحكم الزخم الجمالي الذي يظلّل جانبها الموسيقي. فهي موسيقى متوحّشة، غائمة، هجينة، تتصادى مع كلّ الأنواع الموسيقيّة لتُكوّن خليطًا موسيقيًا مذهلًا يؤججه الإيقاع السريع والمُندفع الذي يميّز موسيقى غيمس.
في ألبوم "قلبي كان على حق" (2015) أعطى غيمس مجهودًا للصوت على حساب موسيقى تأتي مكمّلة لصوته الأوبرالي. في هذا الألبوم سيتعرّف العالم على صوت غيمس للمرّة الثانية، لكنْ هذه المرّة لاحتلال المرتبة الأولى في فرنسا مع ألبومه الآخر "الحزام الأسود"، مُكرّسًا اسمه كواحد من الأصوات القادمة بقوة من الهامش، والعاملة على دحض التراث الغنائي الفرنسي المعاصر الموغل في الشعر والاستيهامات الشعرية المبهمة. إنّ أغاني غيمس تأتي من المكان الذي نأتي منه جميعًا، فهي أغانٍ غير منفصلة عن طفولته الصعبة في باريس، لكنْ يحاول دائمًا تجميلها بعبارات تمتح عوالمها من نغمة شعرية تتأمّل الواقع والذاكرة والطفولة والشارع.
تعد أغنية "الموت بالخنق" (2013) أول أغنية فردية يصدرها غيمس بعد خروجه من فرقة سكسيون داسوت. في هذه الأغنية لم يكُن غيمس بعد قد انتبه إلى ما يمكن أنْ تقدّمه الموسيقى المعاصرة إلى أغانيه. لذلك كانت هذه الأغنية ما تزال تغوص في نمط الراب القديم الذي اشتهرت به الفرقة والمُستند أساسًا على الصوت، وعلى الحكي والكليشيه. ورغم أنّ الأغنية حققت نجاحًا في العالم على مستوى الإيرادات، فإنّها من الناحية الجماليّة، لا يُمكن مقارنتها بأغانٍ أخرى ظهرت في ما بعد. فمن ناحية الأداء، تركت أغنية "الموت بالخنق" أثرًا فنيًا بالنسبة للمستمع، لأنّ غيمس بذل فيها مجهودًا كبيرًا على مستوى الأداء، في غياب تام للصناعة الموسيقيّة التي تبدو مرتبكة وغير قادرة على تحقيق متعة جمالية عبر تماهي النصّ مع الإيقاع. لكنْ مع أغنية "بيلا" (2013) الموجودة ضمن ألبومه سابليمينال، سيتعرّف العالم على غيمس، وعلى قدراته من ناحية الأداء. هنا ستُصبح الصناعة الموسيقيّة بمثابة علامة بارزة في مساره الغنائي، حيث سيُركّز من خلالها على تجويد الإيقاع وتنويع آلاته وجعله غزيرًا ومتدفقًا بشكل موحّد في آنٍ واحد. لقد حدس غيمس بالقيمة الجماليّة التي تُضيفها الموسيقى المعاصرة على نمط أغاني الراب المُعتمدة بشكل أقوى على الخطاب المحكي، بما جعله ينتقل بشكل تدريجي صوب البوب واجتراح أفق فني مغاير لسيرته الغنائية. واليوم كلّما صدرت أغنية جديدة ثمّة شيءٌ مُدهش يظلّل سيرتها في وجدان الناس، إنّها تدفعهم إلى الاستمتاع بالزخم الموسيقي المُنعش الذي تتركه الموسيقى على أجسادهم وهم يهربون من واقعهم صوب عوالم تخييلية تمنحها لنا موسيقى ميتري غيمس.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.