[هذا المقال ومقال آخر وافانا بهما الفنان والناقد التشكيلي السوري أسعد عرابي قبل رحيله عنا وننشرهما تباعًا إكرامًا لذكراه ولكل ما عناه من قيمة أدبية وفنيّة]
منذ أيام قليلة أطلق رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون خطابًا "وُصِف بغاضب" لأول مرة موجهًا إلى عموم الشعب الفرنسي يدق من خلاله ناقوس الخطر، والإنذار المتأخر الذي لا يحتمل التأجيل والعودة بقراره إلى الوراء، مرتبطًا بموضوع العدو اللدود المسمى "البلاستيك بكل أشكاله" وتسرّبه عضويًا إلى باطن المحيطات والبحار وكائناتها العائمة، ثم وصول مادته إلى الموائد، وأخطاره في الإصابات المنتشرة نسبيًا بسرطان الأحشاء.
ينطبق على أخطار هذه المِحنة الأولى اليوم، المجاز الشعبي بما يشبه صورة من يكتفي عند تنظيف شقته من الغبار بدفعها تحت السجاد، بعد سنوات يتضاعف حجم السجادة ومزبلتها حتى تبلغ حدود السقف.
إيمانويل ماكرون يدعو المواطنين لأن يكفوا عن عادة إعتبار المحيطات سلات قاذورات لأكياس وزجاجات البلاستيك ونفايات مصانعها. لاقى نداءه ردًا إيجابيًا من شتى أطراف الإعلام، خاصة وأنه مُتٌَهم بالمُعارض الأول لكل ما هو دعوات مناظرة لتوازن الطبيعة، (من أمثال فصائل الخضر، الإيكولوجيين الإتحاديين)، متحالفًا هذه المرة مع تواتر مؤتمرات مدينة نيس المتوسطية وقراراتها التي لا يعيرها اليمين المتطرف أدنى إهتمام.
إن هذه المشكلة الملحة ليست جديدة إذ تعود إلى بداية التنبيه الأول لأخطارها حوالي الثمانينيات مع نداءات الايكولوجي الأكبر الكابتن إيڤ كوستو، الذي كان يسكن مع فريقه البحارين في مركبهم الخاص حتى وفاته، مكتشفًا كل مرة تفاصيل المِحنة الايكولوجية الأولى (لأن البحار والمحيطات تشغل حوالي خمسة أسداس سطح الكرة الأرضية). من الشروط البيئية قبل اختيار الموقع التنظيمي للمدينة التقليدية وجود نهر أساسي يمر عبرها من نبعه وحتى مصبه.
تبين أن الترميم الأولي لهذا التلوث يحتاج على الأقل لمبادرة ثلاثمائة مليار دولار، ثم إن بعض الزواحف البحرية (مثل السلاحف والحيتان وأسماك القرش) تشرد ببوصلة شاذة لأول مرة بعكس إتجاه الشواطئ.
رافق فساد الطقس وفصوله ظواهر موازية على اليابسة على غرار هجرة بعض أنواع حيوانات الغابة إلى المدن والمساكن خلال انتشار داء الكورونا في العام السابق. نعثر في مثل هذه الحالات على أنواع غير مألوفة على طرق الأسفار أو ساحات المدينة في الأرياف مثل الدببة والغزلان والعجول والأبقار ومما يثير الدهشة أكثر أن مجاميع الحيوانات المناظرة مثل الخرفان تلف حول نفسها بطريقة حلزونية مغلقة. تتهيج عادةً الخيول قبل الزلزال، وتتعاضد مجتمعات النمل مع التوازن الحراري في الطبيعة وهكذا، بعضها يبث الأشعة الضوئية في بواطن المحيطات المعتمة.
نعاني كل يوم من فساد الطقس واختلاط الفصول، ارتفاع درجات الحرارة خلال عدة أشهر وصقيع البرد في أشهر صدفوية أُخرى، تتمثل هذه القيامة الإيكولوجية من خلال تعددية الأعاصير والعواصف والفيضانات المديدة التي أغرقت منذ أشهر مناطق وأقاليم ومدن بكاملها وقضت على المحاصيل الزراعية بأكملها (مثل القمح والعنب وسواهما) وارتفاع منسوب المياه في المحيطات بين المتر والمتر ونصف، من المتوقع أن العديد من المدن الساحلية ستغرق من أمثال عروس البحر الإسكندرية وميامي وشانغهاي وكذلك تنقلب الأمطار إلى زخات مصائبية من البَرَد (حب العزيز) تبلغ قياس الواحدة إلى قياس كرة التنس وتقوم في طريقها بتدمير الأخضر واليابس، وكذلك أغصان الأشجار والسيارات وأسقف المنازل والبشر وصولًا حتى أعتى طوفان المسمى "التسونامي".
أما التصحر فيمثل المِحنة المعاكسة المتصلة بشح المياه العذبة وحرائق الغابات على مساحات شاسعة، ثم انهيار التضاريس الثلجية في مناطق القطبين الشمالي والجنوبي، يُرجع العلماء هذه المصائب إلى ارتفاع درجة حرارة الكواكب بسبب الانفجار الديموغرافي وما تزامن معه من كثافة المصانع ثم هجرة 40 بالمائة من الريف إلى المدن الصناعية الكبرى وبالتالي تضخم المدن على حساب الأراضي الزراعية وعدد السيارات حتى فقدت وظيفتها الأساسية وهي سرعة التواصل ناهيك عما تسببه من تلوث، بالشراكة مع بقية وسائل النقل العصرية سواءً في الفضاء أم البحار ومشكلة ثقب الأوزون وسواه.
| |
| الفنان كريستو والفنانة جان كلود: "تغليف جسر بون نوف على نهر السين في باريس بالأقمشة"/ روبيرت سميثسون: "البحيرة المالحة، دعوة إلى تنقية المياه من التلوث" |
تسرب المِحنة الإيكولوجية إلى الموروث التشكيلي
نصل هنا إلى السبب "الأنطولوجي" في مصائب انفجار الكوكب وخلال تاريخ تَشَكُّل الأقوام البشرية الأولى من "الكرومانيين" إلى النياندرتال" وآخرها "الهوموسابيان" الذي تناسل عنه عضويًا الإنسان الراهن ما بين قارتي أوروبا وآسيا، مع تحول الأخير عند اكتشاف النار وتطور أسلحة الصيد، حيث صار يفضل طعم اللحم المشوي عن اللحم النيء وترسخت تقاليد تعذيب الأجناس الحية سواءً بالذبح في المسالخ والقرابين أم بعبودية تهجينها وتغيير عاداتها وهي محنة إيكولوجية متفرعة عن الأولى قضت على ما يعرف علميًا بتنوع الأجناس الحية (la biodiversité) أو اندثار أعظمها مع فساد الطقس على غرار الماموث والدب الأبيض مع ذوبان الثلوج وارتفاع حرارة القطبين وهكذا من مذابح الخفافيش وآكلي النمل الحرفوشي (البنغول) بحجة وباء الكورونا. وقسمت أنواع الحيوانات إلى أليفة ومتوحشة خاصةً الحصان الذي كان يذبح عندما يتقدم في العمر مثله مثل النعاج والأبقار وخرفان المسلخ وساعدت تكريس مساحات الرعي في تصحر الغابات (الأمازون)، أو تهجين أنواع من كلاب الترفيه قبل التخلي عنها مع تقدمها في العمر. ثم تسربت رموزه وتصاويره السيميولوجية إلى ثقافة الحضارات الكبرى خاصة الأبجدية الهيروغليفية (الإيديوغرام)، كما رافقت خصوبة وأصالة التصاوير الأولى في كهوف ما قبل التاريخ، تدعى بكاتدرائيات وجداريات عبقرية السحر في هذه الفترة الموغلة في الزمن (كهف شوفيه في فرنسا هو من أقدمها حيث ابتدأ منذ أربعين ألف عام في أوروبا). متعدد الوجود في جغرافية الكوكب (خاصةً في الجزائر) والإحكام السحري الذي تملكه يعتبر أصيل تقاليد فن التصوير والنحت حتى اليوم، مجاوزًا نصب الموقع الأثري ستونهينج في الجزيرة البريطانية.
احتكر شيوع فن الغرافيتي (أي الرسم على جدران المدينة الحديثة وأنفاق المترو) الاعتراض الإيكولوجي والانحياز إلى توازن الطبيعة منذ جان ميشيل باسكيات الأميركي الذي اعتبر خارجًا عن القانون، مؤسسًا ما عُرف لاحقًا بـ"تيار البيئة" ضمن تعبيرية حداثية خارجة عن الأكاديمي المألوف.
بهذا العنوان العريض اجتمعت أعمال نخبوية لتشكل فناني الخضر والإيكولوجية الاتحادية، على غرار تيتسومي كودو منذ عام 1968 م وعلبه الزجاجية التي تعانق ملوثات الخضار والتربة والأعضاء البشرية المسرطنة. أو المغلفات القماشية لمعالم المدينة التنظيمية العملاقة على قياس عمائرها وهو الفنان كريستو والفنانة جان كلود اللذان قاما في تغليف جسور نهر السين وقوس النصر في باريس، أو التدخل ذو المغزى الإيكولوجي في عناصر المشهد الطبيعي كما هي صناعة روبيرت سميثسون في خارطة "الجزيرة المالحة".
اتسمت هذه التجارب ما بعد الحداثية - مثل نحت الصخور العملاقة في صحراء نيفادا من قبل مايكل هايزر - أشبه بمرآة اعتراضية شفائية تعالج قيامة فوضى الكوكب الأرضي.
يستشرف المختصون بصيغة مجازية المِحنة العامة الإيكولوجية الكوكبية (ما بعد عام 2050 م) اعتمادًا على ما جرى في ماضي جزيرة باك المعزولة في أقصى الطرف الشمالي للمحيط الهادي، اكتشفها رحالة إنكليزي بالصدفة في نهاية القرن الثامن عشر وترجمتها بالعربية "عين البشرية".
أشد ما هو مثير فيها هو نصب الرؤوس السحرية العملاقة (تصل حتى عشرة أمتار وتزن حتى عشرة أطنان) منقولة من محاجر بعيدة عن الجزيرة بالمئات وعددها بالمئات أغلبها تحطم أو بحالة مقلوبة، وأبرزها إثني عشرة منها رأسها باتجاه المحيط، هي مدرسة بالغة التميز السحري في النحت. بما أن الجزيرة تابعة للثقافة البولينيزية فهي ليست متطابقة معها لغويًا أو كتابيًا وخاصةً فنيًا. جزر مقفرة من السكان إلا القليل، جرداء بدون أشجار. ابتدأت محنتها بالانفجار الديموغرافي وتعددية القبائل والحروب بينها والتي لم تتوقف حتى فُني أعظمها محليًا لعدم استطاعتهم الهجرة بسبب غياب مادة السفن وهي أخشاب الأشجار المندثرة.
لم يُعرف حتى اليوم كيف نُقلت الأوابد رغم أنها تمثل ذروة العبقرية النحتية.
وقد شطح خيال العلماء حتى قنع بعضهم بأنهم كانوا على اتصال بسكان بعض الكواكب الأُخرى المتقدمة تقنيًا، وساعدوهم في صناعة ونقل وتثبيت هذه المعجزات الأشد أصالة في تاريخ الإنسان.
المقارنة الأشد إعجابًا ترتبط بالمصيبة الإيكولوجية التي اكتشفت تفاصيلها وكالة ناسا الفضائية الأميركية عن دراسة روبوهات مرسلة إلى "المريخ" تفاصيل تضاريسه حتى تصل إلى ملايين السنين، ومن الآثار الهندسية الباقية مثل بعض الأهرامات وأشباح العمائر.
كوكب مارس هذا لا يصلح للسكن لأنه لا يملك طبقة هوائية مع الأوكسجين مثل الأرض، يحتاج إلى زراعة البديل الكيميائي حتى يكون صالحًا للقواعد العسكرية والمخابر العلمية.
تعكس هذه الأزمة الغنية الأنطولوجية صراع الإنسان مع الأجناس الحية بما فيها نموذجه من خلال الحروب والقتل المجاني والعبودية والتعذيب حتى الموت… ننتظر إذًا نفس المصير الإيكولوجي لجزيرة باك وربما لفنها الخارق.


تحميل المقال التالي...