}

رامبرانت: من "التضحية بإسحق" إلى "عودة الابن الضال"

هشام روحانا 3 أكتوبر 2026
تشكيل رامبرانت: من "التضحية بإسحق" إلى "عودة الابن الضال"
"عودة الابن الضال"- 1668

ملاحظات من قاعة رامبرانت في الهيرميتاج


لا يمكن فهم القاعة المخصصة لرامبرانت في متحف الهيرميتاج (سانت بطرسبورغ، روسيا) من خلال النظر إلى لوحاتها، التي يزيد عددها على أربعٍ وعشرين لوحة، بوصفها أعمالًا منفصلة جُمعت تدريجيًا داخل متحف حديث، لأن تاريخ اقتناء هذه الأعمال يشكل بحد ذاته جزءًا أساسيًا من معنى المجموعة. فمجموعة رامبرانت في الهيرميتاج لم تتكوّن عبر شراء لوحات متفرقة وفق ذوق فني لاحق، بل عبر انتقال مجموعات أرستقراطية أوروبية كاملة إلى الإمبراطورية الروسية خلال القرن الثامن عشر، في سياق مشروع ثقافي وسياسي واسع سعت من خلاله روسيا القيصرية إلى بناء ذاتها بوصفها وريثة للتراث الأوروبي ومنافسة للعواصم الكبرى في الغرب.
وقد بدأت اللحظة الحاسمة في هذا المشروع مع كاترين الثانية، التي اشترت عام 1764 مجموعة التاجر البرليني يوهان إرنست غوتسكوفسكي، والتي ضمت عددًا كبيرًا من أعمال المدرسة الهولندية والفلمنكية، من بينها لوحات لرامبرانت. والمفارقة أن هذه المجموعة كانت قد جُمعت أصلًا لصالح فريدريك الكبير، ملك بروسيا، غير أن الأعباء المالية التي خلفتها حرب السنوات السبع حالت دون إتمام الصفقة، فانتقلت الأعمال إلى روسيا بدلًا من برلين. وهكذا ارتبطت ولادة الهيرميتاج نفسه بلحظة انتقال رمزي للثقل الثقافي الأوروبي نحو الإمبراطورية الروسية الصاعدة.
ولم تتوقف كاترين عند هذه الصفقة، بل واصلت سياسة اقتناء المجموعات الأرستقراطية الكبرى بأكملها، مثل مجموعة بروهل في ساكسونيا عام 1769، ومجموعة لويس أنطوان كروزا الفرنسية عام 1772، ثم مجموعة والبول الإنكليزية الشهيرة عام 1779. وقد ضمت هذه المجموعات أعمالًا رئيسية لرامبرانت وللفن الهولندي في القرن السابع عشر، الأمر الذي منح مجموعة الهيرميتاج تماسكًا نادرًا يصعب العثور عليه في كثير من المتاحف الأوروبية الأخرى.
ومع أنه، في السنوات الأولى للدولة السوفياتية التي شهدت حربًا أهلية واسعة النطاق وانهيارًا اقتصاديًا وفوضى سياسية وعسكرية، كانت مقتنيات الهيرميتاج نفسها عرضة للتهديد، فإن المتحف عرف في الوقت ذاته توسعًا كبيرًا نتيجة مصادرة المجموعات الفنية التي كانت بحوزة الأرستقراطية الروسية وتأميمها. وهكذا لم يخرج الهيرميتاج من الثورة بوصفه مجرد بقايا لمؤسسة إمبراطورية قديمة، بل تحوّل تدريجيًا إلى مستودع مركزي للتراث الفني الذي أعادت الدولة السوفياتية دمجه داخل ملكية عامة جديدة. وقد يكون من المفيد، في مقام آخر، التوقف عند التحولات الكبرى التي مر بها الهيرميتاج خلال الحقبة السوفياتية، في ظل التوتر الدائم بين الحفاظ على التراث الإمبراطوري وتوظيفه داخل السردية الثقافية السوفياتية الجديدة ومشروع بناء المجتمع الحديث، إضافة إلى الضرورات الاستثنائية التي فرضتها الحرب العالمية الثانية، حين غدا الحفاظ على مقتنيات المتحف نفسها جزءًا من معركة الدفاع عن الذاكرة والثقافة في مواجهة الدمار والحصار.
ومن هنا فإن التجول في قاعة رامبرانت لا يعني مشاهدة تطور فنان هولندي فحسب، بل يعني أيضًا مشاهدة الكيفية التي انتقلت بها الأعمال الفنية عبر الحروب، والإفلاس، وصفقات النبلاء، وصعود الإمبراطوريات. فكل لوحة تحمل تاريخين متداخلين: تاريخ رسمها في القرن السابع عشر، وتاريخ انتقالها واقتنائها وإعادة إدراجها داخل المشروع الإمبراطوري الروسي. ثم أضيف إلى ذلك، لاحقًا، تاريخ جديد ارتبط بتبني الدولة السوفياتية، ومن بعدها روسيا المعاصرة، لهذه الأعمال ليس بوصفها جزءًا من التراث العالمي فحسب، بل أيضًا عنصرًا مؤسسًا في تكوين الذائقة البصرية والثقافية لمواطنيها. ولعل استمرار حضور "عودة الابن الضال" داخل المخيلة الثقافية الروسية المعاصرة يفسر أيضًا تخصيص الهيرميتاج عام 2020 معرضًا ومشروعًا بصريًا للمخرج ألكسندر سوكوروف (1) انطلاقًا من اللوحة نفسها. فالمتحف لا يتعامل مع العمل بوصفه أثرًا تاريخيًا جامدًا، بل بوصفه نصًا بصريًا مفتوحًا على تأويلات جديدة تتصل بالحرب والندم والغفران وإمكان التوبة ذاتها، وليس من خلال ارتباطاتها الدينية فحسب.

"التضحية بإسحق"- 1635 


تكتسب لوحتا رامبرانت "التضحية بإسحق" (1635) و"عودة الابن الضال" (نحو 1668–1669)، وهما من المقتنيات الثابتة لمتحف الهيرميتاج، أهمية خاصة ضمن هذا السياق. فاختيار وضع اللوحتين في مواجهة مباشرة داخل حجرة القاعة نفسها لا يبدو قرارًا عرضيًا أو تنظيميًا محضًا، بل يكشف عن وعي تأويلي يسعى إلى تحويل فضاء العرض نفسه إلى قراءة لمسيرة رامبرانت الفنية وتحولاته الروحية عبر أكثر من ثلاثة عقود. ففي كلتا اللوحتين يقف الأب والابن في مركز الحدث، غير أن العلاقة بينهما تتخذ صورتين متناقضتين ظاهريًا ومتكاملتين على مستوى أعمق: من أب يُختبر عبر الاستعداد للتضحية بابنه طاعةً للأمر الإلهي، إلى أب يُختبر عبر القدرة على الغفران واستقبال الابن العائد من الضياع والانهيار.
في لوحة "التضحية بإسحق" يبلغ التوتر ذروته. كل شيء مشدود نحو لحظة انفجار واحدة: الجسد المنحني بعنف، السكين المرفوعة، يد الملاك التي توقف الحركة في اللحظة الأخيرة، والتباين الحاد بين الضوء والعتمة الذي يمنح المشهد طابعه الباروكي (2) الصاخب. غير أن رامبرانت يضيف إلى الرواية التوراتية بعدًا إنسانيًا بالغ الكثافة؛ فإبراهيم لا يكتفي برفع السكين، بل يغطي بيده الأخرى عيني إسحق. وهكذا تتحول اليد إلى علامة مزدوجة: يد تحمل القانون والطاعة، ويد تحاول في الوقت نفسه حماية الابن من هول الرؤية.
أما في "عودة الابن الضال" فإن العالم كله يبدو وقد خرج من العاصفة. لا سكين، ولا ملائكة، ولا انفجار درامي. لقد اختفى الحدث الخارجي تقريبًا، وبقي الإنسان وحده في مواجهة هشاشته. يعود الابن منهكًا ومحطمًا وفاقدًا لكل ما كان يمنحه هويته السابقة من ثياب وثقة ومكانة، بينما ينحني الأب فوقه في صمت كثيف. غير أن اليدين هنا لا تعودان متماثلتين؛ إذ تبدو إحداهما أكبر وأكثر خشونة وثقلًا، أقرب إلى اليد الأبوية المرتبطة بالحماية والقانون والاستقرار، بينما تبدو الأخرى أكثر نعومة ورقة، حتى إن بعض القراءات رأت فيها بعدًا أموميًا واضحًا. وهكذا لا يعود الاحتضان مجرد فعل غفران، بل يصبح تركيبًا دقيقًا بين السلطة والحنان، بين القانون والرحمة.




ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى العملين بوصفهما طرفي قوس واحد في تجربة رامبرانت. ففي اللوحة المبكرة يتركز المعنى في اللحظة التي يُنقذ فيها الابن من الموت الجسدي، بينما يتركز في اللوحة المتأخرة في اللحظة التي يُعاد فيها الابن إلى الحياة الاجتماعية والروحية. الأولى تتحدث عن نجاة الجسد، والثانية عن نجاة الإنسان نفسه بعد الانهيار. وكأن رامبرانت كان يؤسس، بصورة بصرية مبكرة، لما سيصوغه لاكان لاحقًا حول الوظيفة الأبوية (3)؛ فالأب لا يظهر هنا بوصفه سلطة بيولوجية فحسب، بل أيضًا بوصفه الموقع الذي يربط الإنسان بالقانون والمعنى وإمكانية العودة إلى العالم الرمزي بعد السقوط.
وتكشف مقارنة العملين أيضًا عن التحول العميق في لغة رامبرانت التشكيلية. ففي ثلاثينيات القرن السابع عشر كان لا يزال ابن الباروك الكبير: الحركة العنيفة، الدراما المسرحية، التكوينات المتفجرة، والضوء الذي يشق الظلمة كما لو كان حدثًا ماديًا. أما في أعماله المتأخرة فقد فقد الضوء طابعه الاستعراضي، وتحول إلى حضور داخلي يكشف عن الحالة الإنسانية نفسها. ولم ينتقل رامبرانت من الباروك إلى الواقعية بمعناها الوصفي المباشر، بل انتقل إلى نوع من الواقعية النفسية التي لم تعد ترى الإنسان من خلال البطولة أو الحركة، وإنما من خلال هشاشته الداخلية وتجربته الوجودية بعد الخسارة والألم.
ولهذا لا يرسم رامبرانت في أعماله المتأخرة أبطالًا بالمعنى الكلاسيكي أو الباروكي، بل بشرًا
عاديين أنهكتهم الحياة. فالابن الضال لا يبدو شخصية إنجيلية مثالية، بل إنسانًا متعبًا إحدى قدميه حافية والأخرى في صندل بالٍ، محطمًا ومنهكًا، بينما يظهر الأب نفسه شيخًا عجوزًا يفيض وجهه ويداه بالتعب والشفقة. وهكذا تنتقل الدراما عند رامبرانت من الخارج إلى الداخل، ومن البطولة إلى الهشاشة الإنسانية.

"عودة الابن الضال"- مشروع إلكسندر سوكوروف، 2020 


أما من الناحية الشكلية البحتة، فإن التحوّل بين اللوحتين يبدو واضحًا في التكوين والحركة والضوء ومعالجة الجسد. ففي "التضحية بإسحق" يقوم التكوين على الحركة القطرية والانفجار الدرامي، بينما تتحول "عودة الابن الضال" إلى تكوين أكثر استقرارًا وعمودية وتأملًا. والعين لم تعد تُدفع بعنف داخل المشهد، بل إنها تستقر تدريجيًا على العلاقة الصامتة بين الأب والابن. وحتى الضوء نفسه لم يعد يخترق الظلمة بصورة مسرحية، بل أصبح يتسلل منها ببطء، كأنه ينبع من داخل الشخصيات ذاتها.
لقد انتقل رامبرانت من الجسد بوصفه أداة فعل إلى الجسد بوصفه أثرًا للتجربة والزمن؛ ومن الدراما البصرية إلى الكثافة النفسية؛ ومن الضوء المسرحي إلى الضوء الداخلي؛ ومن الإنسان البطولي إلى الإنسان الهش. ولهذا تبدو "عودة الابن الضال" أقل استعراضًا بكثير من أعمال رامبرانت المبكرة، لكنها أكثر عمقًا من الناحية الإنسانية والبصرية، لأن الفنان لم يعد يبحث عن التأثير عبر الحركة، بل عبر الصمت والثقل الداخلي للصورة.
وكأن رامبرانت، عبر الجدارين المتقابلين في قاعة الهيرميتاج، كان يحاور ذاته عبر الزمن: من الرسام الباروكي الشاب المفتون بالفعل والدراما إلى الفنان المتأمل في أواخر حياته، الذي لم يعد يرى في الإنسان بطلًا، بل كائنًا هشًا لا يملك في النهاية سوى حاجته إلى الرحمة.

هوامش

(1) "Lk 15, 11–32. Rembrandt. Dedication, Alexander Sokurov", State Hermitage Museum, 2020.
أعاد مشروع ألكسندر سوكوروف في الهيرميتاج عام 2020 نقل فكرة "عودة الابن الضال" من فضائها التشكيلي إلى تركيب بصري معاصر، ظهرت فيه شخصيتا الأب والابن على شكل كتلتين متآكلتين وسط مشهد من الخراب والحرب، في قراءة تربط الغفران لا بالخطيئة الفردية وحدها، بل أيضًا بإمكانية النجاة الإنسانية بعد العنف الجماعي.
(2) الباروك أسلوب فني أوروبي ظهر في القرن السابع عشر، في سياق الإصلاح الكاثوليكي المضاد، وتميز بالحركة الدرامية، والتوتر العاطفي، والمبالغة في الضوء والظل، والتكوينات الديناميكية التي تسعى إلى إشراك المتلقي داخل الحدث بصورة مباشرة. وقد ارتبط هذا الأسلوب بالرغبة في إنتاج تأثير بصري ونفسي كثيف، يجعل الصورة تبدو وكأنها لحظة متفجرة بالحركة والانفعال.
(3) حول مفهوم "الوظيفة الأبوية" عند لاكان، انظر: ديلان إيفانس، معجم تمهيدي لنظرية التحليل النفسي اللاكانية، ترجمة هشام روحانا، دار نينوى، دمشق، 2016.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.